تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثالث


المقصد الثاني

في الغسل

والبحث فيه يقع في الغاسل والمغسول والغسل، فههنا مقامات ثلاثة:

(الاول) - في الغاسل وفيه مسائل:

(الاولى) - قد صرح جمع من الاصحاب بان الغسل واجب كفائي وان اولى الناس به اولاهم بميراثه، اما الاول فقد تقدم الكلام فيه في المقصد الاول، إلا ان بعض الاصحاب ربما صرحوا بان اولى الناس به في جميع احكامه اولاهم بميراثه، قال في الذكرى: الاول في الغاسل واولى الناس به اولاهم بارثه وكذا باقي الاحكام لعموم " واولو الارحام بعضهم اولى ببعض " (3) ولقول علي.


(3) سورة الانفال. الآية 76.


[ 377 ]

(عليه السلام) (1): " يغسل الميت اولى الناس به " وقول الصادق (عليه السلام) في خبر اسحاق بن عمار (2): " الزوج احق بامرأته حتى يضعها في قبرها " انتهى. وربما اشعر هذا الكلام بعدم الوجوب على الكافة كما هو المشهور وانما الوجوب على الولي خاصة كما قدمنا ذكره في المقصد الاول وبينا انه هو المفهوم من الاخبار الواردة في احكام الميت، ويؤيده قوله على اثر هذا الكلام " فرع: ولو لم يكن ولي فالامام وليه مع حضوره ومع غيبته فالحاكم ومع عدمه فالمسلمون، ولو امتنع الولي ففي اجباره نظر من الشك في ان الولاية هل هي نظر له أو للميت ؟ انتهى. وهذا الكلام - كما ترى - كالصريح في تعلق الوجوب به خاصة دون المسلمين المعبر عنه بالوجوب الكفائي. بقي الكلام فيما قدمنا نقله اولا من القول بالوجوب على المسملين كفاية وان اولى الناس به اولاهم بميراثه فانه لا يخلو من تدافع، إلا ان تحمل الاولوية على الاستحباب والافضليه بمعنى ان الوجوب عام لجميع المسلمين من الولي وغيره إلا ان الافضل هو تقديم الولي في ذلك، وقد تقدم ما فيه آنفا. وبالجملة فالظاهر من الاخبار هو تعلق الخطاب في ذلك بالولي خاصة في جميع الاحكام وان ما ادعوه من الوجوب الكفائي لا اعرف له دليلا واضحا. واما الثاني وهو ان اولى الناس به اولاهم بميراثه فهو مما لا خلاف فيه نصا وفتوى، فروى الشيخ في الصحيح الى غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (3) انه قال: " يغسل الميت اولى الناس به " وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) يغسل الميت اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك " وفى الفقه الرضوي (5) " ويغسله اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك " والمراد باولى الناس به في هذه الاخبار هو الاولى بميراثه كما ذكره الاصحاب،


(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب غسل الميت (2) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت (5) ص 17


[ 378 ]

ويدل على ذلك صحيحه حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟ قال يقضى عنه اولى الناس بميراثه. قلت ان كان اولى الناس به امرأة ؟ قال لا إلا الرجال " ولا ريب ان الولي الذي جعل إليه احكام الميت هو الذي اوجب عليه الشارع قضاء ما فات الميت من صيام وصلاة، وتؤيده مرسلة ابن ابي عمير عن رجاله عن الصادق (عليه السلام (2) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟ قال يقضيه اولى الناس به ". واما ما توهمه صاحب المدارك في هذا المقام - وان تبعه عليه جملة من الاعلام حيث قال بعد ذكر رواية غياث المذكورة: " وهي مع ضعف سندها غير دالة على ان المراد بالاولوية الاولوية في الميراث، ولا يبعد ان المراد بالاولى بالميت هنا اشد الناس به علاقة لانه المتبادر، والمسألة محل توقف " انتهى - ففيه ان كلامه هذا مبني على ان المراد بقولهم في تلك الاخبار: " اولى الناس به " معنى التفضيل فتوهم ان المتبادر من الاولوية على هذا التقدير الاولوية بالقرب وشدة العلاقة، وليس كذلك بل المراد بهذا اللفظ انما هو الكناية على الولى المالك للتصرف، والتعبير عنه بذلك قد وقع في جملة من اخبار الغدير من قوله (صلى الله عليه وإله) " ألست اولى بكم من انفسكم ؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال من كنت مولاه فعلي مولاه " اي ألست المالك للتصرف فيكم دون انفسكم. ويزيد ذلك بيانا ما نقله الفاضل الشيخ علي ابن الشيخ محمد بن الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الدر المنظوم والمنثور عن العلامة الفيلسوف الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني (عطر الله مرقده) في كتاب النجاة في القيامة في تحقيق امر الامامة من ان لفظ " الاولى " انما يطلق لغة على من يملك التدبير في الامر والتصرف فيه، قال: " واهل اللغة لا يطلقون لفظ " الاولى " إلا في من ملك تدبير الامر والتصرف فيه " وبذلك يظهر ان " الاولى " في


(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من احكام شهر رمضان. (2) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب قضاء الصلاة.


[ 379 ]

جملة اخبار الميت من اخبار الغسل واخبار الصلاة وغيرهما انما هو بمعنى المالك للتصرف وتدبير الامر وهو معنى الولي كما في ولي الطفل وولى البكر ونحو ذلك. ففي حسنة ابن ابي عمير بابراهيم بن هاشم عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " يصلى على الجنازة اولى الناس بها أو يأمر من يحب ونحوها مرسلة احمد بن محمد بن ابي نصر (2) ولا ريب ان المراد باولى الناس في هذه الاخبار انما هو الولي الذي دلت الاخبار المتقدمة على ان عليه قضاء ما فات الميت من صلاة وصيام، وقد عرفت في صحيحة حفص انه هو الاولى بميراثه، وبذلك يظهر ما في كلام السيد المشار إليه - وان تبعه فيه من تبعه - من الغفلة وعدم اعطاء التأمل حقه في اخبار المسألة، فانه مبني على ملاحظة معني التفضيل من الصيغة المذكورة وان المراد بقوله: " اولى الناس به " بمعنى اولى الناس بميراثه، وليس كذلك إذ الاولوية بالميراث انما وقعت في كلام الاصحاب تعريفا للولي ومحمولة عليه لا انها تفسير له وان معناهما واحد ويصير من قبيل الحذف والايصال، ألا ترى ان عبارة الشرائع في هذا المقام حيث قال: " واولى الناس به اولاهم بميراثه " ظاهرة في ان المراد انما هو ان الولي للميت القائم باحكامه هو كل من كان احق بميراثه.

وينبغي التنبيه على امور:

(الاول) - لا يخفى ان المراد بتقديم الاولى في الميراث هو انه حيث كانت مراتب الارث متعددة مترتبة فلا ترث اصحاب المرتبة الثانية إلا مع فقد اهل المرتبة الاولى وهكذا، فالولي للميت هو من يرث من هذه المراتب دون من لا يرث، واما تفصيل الكلام في اصحاب مرتبة الارث لو تعددوا ومن الاولى منهم فسيأتي الكلام فيه في بحث الصلاة على الميت من كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى.

(الثاني) - قال في الذكرى: " إذا كان التقديم تابعا للارث انتفى مع عدمه وان كان اقرب كالقاتل ظلما والرق والكافر، ولو سلم الاولى الى غيره جاز إلا في تسليم الرجال الى النساء في الرجل وبالعكس في المرأة " انتهى. اقول: لقائل ان يقول


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 23 من ابواب صلاة الجنازة.


[ 380 ]

ان المراد من الخبر الدال على ان الولي هو الاولى بالميراث انما هو الكناية عن القرب الى الميت المستلزم للارث لو لم يمنع منه مانع لا ان المراد الارث بالفعل، فالتقديم انما هو تابع للقرب الى الميت لان مراتب الارث مترتبة بترتب القرب فكل مرتبة اقرب تقدم على ما بعدها، وعلى هذا فالقرب الى الميت موجب للارث وموجب للولاية عليه بعد موته ومنع القتل ظلما - مثلا - من الارث لا يوجب المنع من الاولوية. وبالجملة فان ما ذكرناه من الاحتمال اقرب قريب في المقام.

(الثالث) - لو كان الاولياء رجالا ونساء فظاهر الاصحاب ان الرجال اولى لكن هل يفرق في ذلك بين ما إذا كان الميت ذكرا أو انثى فتخص اولوية الرجال بالاول دون الثاني فتكون النساء اولى بغسل بعضهن بعضا، ام لا فرق فلو كان الميت امرأة ولا يمكن الولى مباشرة غسلها اذن للنساء فلا يصح الغسل بدون اذنه ؟ قولان: وبالاول صرح المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، وبالثاني جزم اكثر المتأخرين ومنهم - الشهيد الثاني في الروض، قال بعد نقل القول الثاني عن المصنف وغيره: " وربما قيل ان ذلك مخصوص بالرجال اما النساء فالنساء اولى بغسلهن ولم يثبت، وامتناع المباشرة لا يستلزم انتفاء الولاية " واعترضه سبطه في المدارك بانه قد يقال ان الرواية المتقدمة التي هي الاصل في هذا الحكم انما تتناول من يمكن وقوع الغسل منه ومتى انتفت دلالتها على العموم وجب الرجوع في غير ما تضمنته الى الاصل والعمومات. انتهى. واشار بالرواية الى رواية غياث بن ابراهيم المتقدمة (1). اقول: ما ذكره وان احتمل في الرواية المذكورة حيث انها تشعر بمباشرة الولي للغسل إلا انه لا يتم في الروايتين اللتين بعدها مما قدمناه (2) لتضمنهما الولي أو من يأمره وهو اعم من مباشرة الولي ان امكن المباشرة أو الامر لغيره ان تعذرت المباشرة، على ان الرواية التي تعلق بها لابد من تقدير هذا المعنى فيها ايضا وإلا لزم انه لو تعذرت المباشرة على الولي لمرض ونحوه انتفى الغسل


(1) و (2) ص 377.


[ 381 ]

بالكلية وهو مما يقطع بفساده، وحينئد فإذا جاز الاذن في صورة التعذر بمرض ونحوه جاز في صورة عدم امكان المباشرة يكون الميت امرأة، وبالجملة فالرواية لا اختصاص لها بمن يمكن وقوع الغسل منه حتى انه يصير هذا الفرد خارجا عنها كما زعمه، بل المراد من قوله: " يغسل الميت اولى الناس به " يعني تكون ولاية الغسل لاولى الناس به لا التغسيل بالفعل، وإلا لجري ذلك في اخبار الصلاة على الميت لقولهم (عليهم السلام) (1): " يصلي على الميت اولى الناس به " مع انه لا خلاف في جواز اذنه لغيره ولا سيما إذا لم يكن اهلا للامامة، هذا مع قطع النظر عن الخبرين الآخرين وإلا فدلالتهما على ما ذكرنا اظهر من ان ينكر. هذا كله مع ثبوت ما ذكروه من انه متى اجتمع الرجال والنساء في مرتبة الولاية فالرجال اولى إلا اني لم اقف على ما يدل عليه في هذه المسألة. والله العالم.

(المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان الزوج اولى بزوجته في جميع الاحكام، ويدل عليه ما رواه الكليني والشيخ عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " الزوج احق بامرأته حتى يضعها في قبرها " قال في المعتبر بعد ذكر هذا الخبر: " ومضمون الرواية متفق عليه " قال في المدارك: " قلت ان كانت المسألة اجماعية فلا بحث وإلا امكن المناقشة فيها لضعف السند، ولانه معارض بما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في المرأة تموت ومعها اخوها وزوجها ايهما يصلي عليها ؟ فقال: اخوها احق بالصلاة عليها " واجاب الشيخ عن هذه الرواية بالحمل على التقية (4) وهو انما يتم


(1) المروى في الوسائل في الباب 23 من ابواب صلاة الجنازة. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب صلاة الجنازة. (4) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 483 " إذا اجتمع زوج المرأة وعصبتها فظاهر كلام الخرقى تقديم العصبات وهو اكثر الروايات عن احمد وقول سعيد بن المسيب والزهرى وبكير بن الاشج ومذهب ابى حنيفة ومالك والشافعي الا ان ابا حنيفة يقدم زوج المرأة على =


[ 382 ]

مع التكافؤ في السند كما لا يخفى ". انتهى. اقول: ومما يعضد صحيحة حفص المذكورة ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة على المرأة الزوج احق بها أو الاخ ؟ قال: الاخ " ومما يعضد الرواية الاولى اتفاق الاصحاب على العمل بمضمونها كما ذكره في المعتبر ومثله العلامة في المنتهى، وما رواه الكليني في الكافي والصدوق في الفقيه عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له المرأة تموت من احق بالصلاة عليها ؟ قال زوجها. قلت الزوج احق من الاب والولد والاخ ؟ قال: نعم ويغسلها " وروى في الكافي عن ابي بصير (3) مثله بدون قوله: " ويغسلها " وعموم الاخبار الدالة على ان الاولى بالميت هو الاولى بميراثه، ولا ريب ان الزوج اولى من الاخ باي معنى اعتبرت الاولوية من اصل الارث أو كثرته، وحينئذ فالظاهر هو القول المشهور ويتعين حمل الخبرين المذكورين على ما ذكره الشيخ من التقية، وبالجملة فانه لا اشكال ولا خلاف في الحكم المذكور. انما الخلاف في جواز تغسيل كل من الزوجين الآخر في حال الاختيار فعن المرتضى (رضي الله عنه) في شرح الرسالة والشيخ في الخلاف وابن الجنيد والجعفي انه يجوز لكل منهما تغسيل الآخر مجردا مع وجود المحارم وعدمهم، وقال الشيخ في النهاية بالجواز ايضا إلا انه اعتبر فيه كونه من وراء الثياب. ونقل ذلك عن ابن زهرة واختاره جملة من المتأخرين، وقال في كتابي الاخبار ان ذلك مختص بحال الاضطرار دون الاختيار وتبعه على ذلك جماعة من الاصحاب، واستظهر في المدارك


= ابنها منه، وروى عن احمد تقديم الزوج على العصبات لان ابا بكرة صلى على زوجته ولم يستأذن اخوتها، وروى ذلك عن ابن عباس والشعبى وعطاء وعمر بن عبد العزيز واسحاق، (1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب صلاة الجنازة.


[ 383 ]

جواز تغسيل كل منهما الآخر مجردا وان كان الافضل كونه من وراء القميص كما مطلق التغسيل. وتحقيق الكلام في المقام يحتاج الى بسط الاخبار الواردة في المسألة ثم الكلام فيها بما يخطر بالبال ومنه سبحانه الهداية الى سواء السبيل: فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أيصلح له ان ينظر الى امرأته حين تموت أو يغسلها ان لم يكن عنده من يغسلها ؟ وعن المرأة هل تنظر الى مثل ذلك من زوجها حين يموت ؟ فقال لا بأس بذلك انما يفعل ذلك اهل المرأة كراهة ان ينظر زوجها الى شئ يكرهونه " وعن منصور في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته أيغسلها ؟ قال نعم وامه واخته ونحو هذا يلقي على عورتها خرقة " وفي الحسن عن محمد بن مسلم (3) قال: " سألته عن الرجل يغسل امرأته ؟ قال نعم انما يمنعها اهلها تعصبا " وبهذه الروايات استدل في المدارك على جواز تغسيل كل منهما الآخر مجردا وموردها - كما ترى - انما هو تغسيل الرجل زوجته خاصة دون العكس، ثم قال: ويدل على ان الافضل كونه من وراء الثياب روايات كثيرة: منها - صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (4) " انه سئل عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله إلا النساء ؟ قال تغسله امرأته أو ذو قرابته ان كانت له وتصب النساء عليه الماء صبا. وفى المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها " وصحيحة محمد بن مسلم (5) قال: " سألته عن الرجل يغسل امرأته ؟ قال نعم من وراء الثياب " وصحيحة ابي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) (6) " في الرجل يموت في السفر في ارض ليس معه إلا النساء ؟ قال يدفن ولا يغسل، والمرأة تكون مع الرجال بتلك المنزله تدفن ولا تغسل الا ان


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت. (2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب غسل الميت.


[ 384 ]

يكون زوجها معها، فان كان زوجها معها غسلها من فوق الدرع... " ثم قال في المدارك بعد ايراد هذه الاخبار: " والجمع بين الاخبار وان امكن بتقييد الاخبار المطلقة بهذه الاحاديث إلا ان حمل هذه الاحاديث على الاستحباب اولى لظهور تلك الاخبار في الجواز مطلقا وثبوت استحباب ذلك في مطلق التغسيل على ما سنبينه " انتهى. اقول: ومن اخبار المسألة صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سئل عن الرجل يغسل امرأته ؟ قال نعم من وراء الثوب لا ينظر الى شعرها ولا الى شئ منها، والمرأة تغسل زوجها لانه إذا مات كانت في عدة منه وإذا ماتت هي فقد انقضت عدتها " وصحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الرجل يموت وليس معه إلا نساء ؟ قال تغسله امرأته لانها منه في عدة وإذا ماتت لم يغسلها لانه ليس منها في عدة " وظاهر هاتين الصحيحتين تحريم تغسيل الرجل امرأته مجردة للعلة المذكورة وظاهر صحيحة زرارة وان كان عدم جواز تغسيله لها مطلقا لكن يجب حملها على ما إذا كانت مجردة جمعا بينها وبين غيرها مما دل على الجواز من وراء الثياب، وبما قلنا صرح الشيخ في التهذيب فقال بعد ذكر صحيحة زرارة: " اي لا يغسلها مجردة وانما يغسلها من وراء الثوب، قال: وعلى هذا دل اكثر الروايات ويكون الفرق بين المرأة والرجل في ذلك ان المرأة يجوز لها ان تغسل الرجل مجردا وان كان الافضل والاولى ان تستره ثم تغسله وليس كذلك الرجل لانه لا يجوز ان يغسلها إلا من وراء الثياب، قال: والمطلق من الاخبار يحمل على المقيد " انتهى. ومنها - موثقة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله إلا النساء هل تغسله النساء ؟ فقال تغسله امرأته أو ذات محرمه وتصب عليه النساء الماء صبا من فوق الثياب " وموثقة سماعة (4) قال: " سألته عن المرأة إذا ماتت ؟ فقال


(1) و (2) و (4) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت. (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب غسل الميت.


[ 385 ]

يدخل زوجها يده تحت قميصها الى المرافق فيغسلها " وبمضمونها رواية الحلبي (1) ورواية داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الرجل يموت في السفر أو في ارض ليس معه فيها إلا النساء ؟ قال يدفن ولا يغسل، وقال في المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة إلا ان يكون معها زوجها، فان كان معها زوجها فليغسلها من فوق الدرع ويسكب عليها الماء سكبا ولتغسله امرأته إذا مات، والمرأة ليست مثل الرجل المرأة اسوأ منظرا حين تموت ".

اقول: والكلام في هذه الاخبار يقع في مقامين:

(الاول) - في تغسيل الرجل زوجته، ولا يخفى ان بعضا من اخبار المسألة مطلق مثل صحيحة عبد الله بن سنان (3) وحسنة محمد بن مسلم (4) وجملة منها ما بين صريح وظاهر في التقييد بكونه من وراء الثياب، والجمع بينهما بتقييد اطلاق الاولى بالثانية. واما الجمع بحمل روايات التقييد على الاستحباب والعمل باطلاق تلك الاخبار وحملها على الجواز فهو وان امكن بالنظر الى دلالة صحيحة منصور (5) على جواز تغسيلها عارية وانما يلقى على عورتها خرقة، إلا انه يشكل بدلالة ظاهر صحيحتي زرارة والحلبي (6) على عدم الجواز كما عرفت، وبه صرح الشيخ كما سمعت من كلامه، ويعضده - مع كونه اوفق بالاحتياط - الاخبار الدالة على التقييد بكونه من وراء الثياب، ولا يعارضها اطلاق الروايتين المشار اليهما ويجب تقييده كما عرفت، واظهر من ذلك تأييدا لما ذكرنا الاخبار الواردة بتغسيل علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام) والتعليل فيها بكونها صديقة لا يغسلها الا صديق، فان قضية التعليل تخصيص جواز ذلك بها وإلا لو كان ذلك جائزا مطلقا كما هو المشهور لم يكن لهذا التعليل مزيد فائدة ومنها - ما رواه الصدوق في العلل عن مفضل بن عمر (7) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) من غسل فاطمة ؟ قال ذاك امير المؤمنين (عليه السلام) فكأنما


(1) و (2) و (7) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت. (3) و (4) و (5) ص 383 (6) ص 384.


[ 386 ]

استفظعت ذلك فقال كأنك ضقت مما اخبرتك ؟ قلت قد كان ذلك جعلت فداك. فقال لا تضيقن فانها صديقة لم يكن يغسلها إلا صديق... الحديث " ورواه الكليني والشيخ ايضا، ويشير الى ما ذكرنا ما نقله في البحار قال: " وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي نقلا من خط الشهيد قال: لما غسل علي (عليه السلام) فاطمة قال له ابن عباس: أغسلت فاطمة ؟ قال أما سمعت قول النبي (صلى الله عليه وآله): هي زوجتك في الدنيا والآخرة ؟ قال الشهيد: هذا التعليل يدل على انقطاع العصمة بالموت فلا يجوز للزوج التغسيل " انتهى. ويمكن ان يقال - ولعله الاقرب في هذا المجال - بان صحيحتي الحلبي وزرارة (1) انما خرجتا مخرج التقية فان القول بالمنع من تغسيل الزوج زوجته مذهب ابي حنيفة والثوري والاوزاعي كما نقله في المنتهى، ونقل الجواز عن الشافعي ومالك واسحاق وداود، وعن احمد روايتين (2) ولا ريب ان مذهب ابي حنيفة في وقته كان هو المشهور والمعتمد بين خلفاء الجور، وغيره من المذاهب الاربعة انما اشتهر وحصل الاجتماع عليه في الاعصار المتأخرة مما يقرب من سنة ستمائة، وحينئذ فلا يبعد حمل الروايتين المذكورتين على التقية ونقل في المنتهى الاحتجاج عن القائلين بالتحريم بان هذه الفرقة تبيح نكاح الاخت فوجب ان يحرم النظر إليها كما لو طلقها قبل الدخول. واما ما نقله في البحار من حديث ابن عباس فهو وان اشعر بما ذكره إلا انه لا يبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الاخبار الدالة على الجواز مع انه غير مروي من طرقنا ولعله من طرق اخبار العامة، ومع تسليم صحته وثبوته ودلالته فلابد في حمله على التقية ايضا، مع ان المفهوم من بعض الاخبار الذي لا يحضرني الآن موضعها ان كل امرأة لم تتزوج إلا رجلا واحدا فانها


(1) ص 384 (2) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 523 " المشهور عن احمد ان للزوج ان يغسل زوجته وهو قول علقمة وعبد الرحمان بن يزيد بن الاسود وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وابى سلمة بن عبد الرحمان وقتادة وحماد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق، وعن احمد رواية ثانية ليس للزوج غسلها وهو قول ابى حنيفة والثوري ".


[ 387 ]

يوم القيامة تكون زوجته، ومن اخذت ازواجا عديدة فانها تخير يوم القيامة وتختار احسنهم خلقا معها في الدنيا. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال فلا ينبغي ترك الاحتياط فيها على كل حال. والله العالم.

(الثاني) - في تغسيل المرأة لزوجها، والاخبار هنا ما بين مطلق ومقيد بكونه من وراء الثياب، والجمع بينها اما بحمل مطلقها على مقيدها أو بحمل مطلقها على الجواز ومقيدها على الاستحباب، والظاهر الثاني لقضية التعليل في صحيحتي الحلبي وزرارة المتقدمتين (1) والاحتياط لا يخفى، وبذلك يظهر لك ان حكم تغسيل المرأة زوجها غير حكم العكس وان كان الاصحاب قد اطلقوا القول فيهما وجعلو الحكم واحدا، لظهور مخالفة حكم الزوج للزوجة من الاخبار كما شرحناه واوضحناه. واما ما ذهب إليه الشيخ في كتابي الاخبار - من ان جواز تغسيل كل من الزوجين الآخر مخصوص بحال الاضطرار دون الاختيار - فلا اعرف له مستندا ظاهرا والاخبار المتقدمة - كما عرفت - صريحة في رده ويظهر منه انه استند في ذلك الى روايات وقع التقييد بذلك فيها في كلام السائل مثل صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة صدر الروايات المتقدمة (2) وصحيحة الحلبي الاولى (3) ورواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله المتقدمة ايضا (4) ورواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (5) " في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسلها ؟ قال يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها الى المرافق " الى غير ذلك مما ورد كذلك، واعتضد في ذلك برواية ابي حمزة عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: " لا يغسل الرجل المرأة إلا ان لا توجد امرأة " وحمل في الاستبصار ما روى عن امير المؤمنين من تغسيل فاطمة على اختصاص ذلك بهم (عليهم السلام) وفى الكل نظر ظاهر، اما الروايات الاولى فان التقييد فيها


(1) و (4) ص 384. (2) و (3) ص 383. (5) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت. (6) المروية في الوسائل في الباب 22 من ابواب غسل الميت.


[ 388 ]

انما وقع في كلام السائل وهو لا يوجب تقييدا في تلك الاخبار الكثيرة مما ذكرناه وما لم نذكره، فان السؤال إذا وقع عن بعض الافراد لا يجب تخصيص الحكم بذلك في غيره كما هو ظاهر. واما رواية ابي حمزة فأجاب عنها في المختلف، قال بعد نقل الاستدلال عنه " والجواب المنع من صحة السند ثم لو سلم لكان محمولا على الاستحباب أو على الرجل الاجنبي ويكون الاستثناء اشارة الى ما روي انه يغسل من الاجنبية وجهها وكفيها " واما حديث تغسيل فاطمة فقد تقدم الكلام فيه. ولكن العمدة في الاستدلال انما هو ما قدمناه من الاخبار الصريحة الدالة. والله العالم.

تنبيهات:

(الاول) - قال في المدارك: " قال بعض المحققين ولا يقدح انقضاء عدة الزوجة في جواز التغسيل بل يجوز وان تزوجت. وفيه نظر لصيرورتها والحال هذه اجنبية. قال في الذكرى: ولا عبرة بانقضاء عدة المرأة عندنا بل لو نكحت جاز لها تغسيله وان كان الفرض بعيدا. وهو كذلك اخذا بالاطلاق " انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره في الذكرى هو عين ما نقله عن بعض المحققين فلا معنى لتنظره في الاول واختياره ما في الذكرى، إلا ان يحمل ما نقله عن بعض المحققين على عدة الطلاق وكلام الذكرى على عدة الوفاة حيث ان ظاهر كلامهم الفرق بين العدتين. ثم ان ما ذكره في الذكرى من الحكم المذكور قد صرح به الشهيد الثاني في الروض ايضا، وظاهر كلامهم - حيث صرحوا في المطلقة بائنا بانها ليست زوجة فلا يجوز لها تغسيله وصرحوا هنا بجواز تغسيلها له بعد انقضاء عدة الوفاة - الفرق بين العدتين وانها في هذه الصورة بعد العدة بل بعد التزويج يصدق عليها انها زوجة فيجوز لها تغسيله، كما يشير إليه قوله في المدارك: " اخذا بالاطلاق " بخلاف المطلقة بائنا فانها قد بانت منه حال الحياة. وعندي فيه نظر (اما اولا) فلمنع صدق الزوجة عليها في الحال المفروضة بل هي اجنبية،


[ 389 ]

ولا سيما بالنظر الى التعليل المذكور في صحيحتي الحلبي وزرارة (1) الدال على انها انما تغسله بعد الموت لانها منه في عدة، ومفهومه انه بعد انقضاء العده لا تغسله و (اما ثانيا) فلما اشرنا إليه مرارا وذكره غير واحد من المحققين من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف الى الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة، وكأنهم بنوا في ذلك على ان الزوجية الثابتة في حال الحياة لكل منهما لا تنقطع بالموت وإلا لامتنع جواز تغسيل كل منهما للآخر بعد الموت والاخبار بخلافه ولم يعرض هنا شئ يقتضي رفع هذا الحكم وان طال الزمان، وهو وان كان كذلك لكن المتبادر من الاخبار المتقدمة انما هو ما ذكرناه من كون التغسيل بعد الموت، ودخول هذا الفرض المذكور فيها بمجرد صدق الزوجة ممنوع ولا سيما بعد التزويج فانها تكون اجنبية وصدق الزوجة في هذه الحال في غاية البعد. وكيف كان فالاحتياط اوضح سبيل سيما مع غموض الدليل وهو فيما ذكرناه كما لا يخفى. والله العالم.

(الثاني) - قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد - بعد ان اختار القول بجواز تغسيل كل من الزوجين الآخر من وراء الثياب كما صرح به جمع من الاصحاب - ما صورته: " ولم اقف في كلام على تعيين ما يعتبر في التغسيل من الثياب والظاهر ان المراد ما يشمل جميع البدن، وحمل الثياب على المعهود يقتضي استثناء الوجه والكفين والقدمين فيجوز ان تكون مكشوفة " انتهى. اقول: لا يخفى ان اخبار المسأله ما بين مقيد بالقميص وما بين مطلق بالثياب وقضية الجمع حمل مطلقها على مقيدها، ففي صحيحة الحلبي الاولى من الاخبار المتقدمة (2): " وفى المرأه إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها " وفى روايته المذكورة اخيرا (3) قال: " يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها الى المرافق " وفى صحيحة ابى الصباح المتقدمة (4) " وان كان زوجها معها غسلها من فوق


(1) ص 384 (2) و (4) 383 (3) ص 387.


[ 390 ]

الدرع " وفى موثقة عمار (1) "... غير انه يكون عليها درع فيصب الماء من فوق الدرع... " ومثل ذلك في رواية داود بن سرحان المتقدمة (2) والدرع: القميص. وفى موثقة سماعة المتقدمة (3) " يدخل زوجها يده تحت قميصها الى المرافق فيغسلها " وفى رواية زيد الشحام (4) ".... وان كان له فيهن امرأة فيغسل في قميص من غير ان تنظر الى عورته " بل قد ورد في جملة من الاخبار الصحيحة اعتبار التغسيل في القميص مطلقا كما في صحيحة يعقوب بن يقطين (5) " ولا يغسل إلا في قميص " ومثلها صحيحة ابن مسكان (6) وحسنة سليمان بن خالد (7) واما ما ورد بلفظ الثوب فمنه - صحيحة محمد بن مسلم (8) قال: " سألته عن الرجل يغسل امرأته ؟ قال: نعم من وراء الثوب " ورواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله المتقدمة (9) وصحيحة الحلبي الثانية (10) من صحيحتيه المتقدمتين. والواجب في مقام الجمع حمل ما تضمن الثوب على القميص حمل المطلق على المقيد، وبذلك يظهر انه لا وجه لما استظهره من ان المراد ما يشمل جميع البدن، وعلى هذا فينبغي استثناء الوجه والكفين والقدمين فيجوز ان تكون مكشوفة، والاخبار المذكورة وان كانت عارية عن ذكر الرأس وربما اوهم ذلك جواز كونه مكشوفا ايضا إلا ان الظاهر الحاقه بالبدن وان ذكر القميص فيها انما خرج مخرج الاغلب باعتبار معظم البدن لا على جهة التخصيص، ويدل على ذلك قوله في صحيحة الحلبي الثانية (11) قال: " نعم من وراء الثوب لا ينظر الى شعرها... ".

(الثالث) - هل يطهر الثوب بصب الماء من غير عصر قال في الروض: " مقتضى المذهب عدمه " وهو منقول عن المحقق في المعتبر صرح به في تغسيل الميت في قميصه


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب غسل الميت. (2) و (3) ص 385 و 384. (5) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت. (8) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت. (9) و (10) و (11) ص 384.


[ 391 ]

من مماثله، ومنع الشهيد في الذكرى من عدم طهارته بالصب لاطلاق الرواية قال: " وجاز ان يجري مجرى ما لا يمكن عصره " اقول: والظاهر هو ما اختاره في الذكرى (اما اولا) - فلان ظواهر الاخبار هو انه بعد التغسيل في قميصه ينقل الى الاكفان ولو توقف طهارة القميص على العصر كما يدعونه للزم نجاسة الميت بها بعد تمام الغسل وقبل نزعها ووجب تطهيره زيادة على الغسل الموظف وظواهر النصوص المذكورة ترده وما ذاك إلا من حيث طهرها بمجرد الصب في الغسلة الثالثة. و (اما ثانيا) - فلان ما ادعوه من وجوب العصر في الثوب وانه لا يطهر بعد اجراء الماء إلا بعد العصر وان اشتهر بينهم كما يشير إليه قوله في الروض " مقتضى المذهب " إلا انه محل بحث كما سيأتي ان شاء الله تعالى التنبيه عليه في بحث النجاسات وان ادلتهم في المسألة قاصرة عن افادة المدعى.

(الرابع) - الظاهر - كما ذكره جملة من الاصحاب - انه لا فرق في الزوجة بين الحرة والامة ولا بين الدائم والمنقطع، والمطلقة رجعيه في العدة زوجة بخلاف البائن، كل ذلك لاطلاق النصوص، والمشهور انه يجوز للسيد تغسيل امته الغير المزوجة والمعتدة ومدبرته وام ولده، والظاهر ان المستند فيه استصحاب الحكم فيه من حال الحياة وعدم ما يوجب زواله وانهن في حكم الزوجة، ولم اقف فيه على نص، وفى جواز تغسيلها له اقوال: (احدها) - الجواز مطلقا لاستصحاب حكم الملك ولانها في معنى الزوجة في اباحة اللمس والنظر فتباح وهو اختيار العلامة. و (ثانيها) - المنع لانتقالها الى الورثة و (ثالثها) - تخصيص الجواز بام الولد وهو اختيار جمع من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر، واستدل عليه بخبر اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان علي بن الحسين (عليهما السلام) اوصى ان تغسله ام ولد له إذا مات فغسلته " قال في المعتبر: ولا يمنع العتق من ذلك لان جواز الاطلاع في زمن الحياة قد يستصحب بعد الوفاة كما في الزوجه تغسل وان انقطعت العصمة. اقول: لا يخفى ان الرواية.


(1) المروى في الوسائل في الباب 25 من ابواب غسل الميت.


[ 392 ]

المذكورة لا تخلو من الاشكال لما تحقق عندنا من ان الامام لا يغسله إلا امام مثله فلابد من تأويل الخبر المذكور اما بحمله على ان الوصية بذلك للتقية ودفع الضرر عن الامام الباقر (عليه السلام) كما ذكره بعض مشايخنا أو بحملها على المعاونة كما يدل عليه ما في الفقه الرضوي حيث قال (1): " ونروى ان علي بن الحسين (عليه السلام) لما مات قال أبو جعفر (عليه السلام) لقد كنت اكره ان انظر الى عورتك في حياتك فما انا بالذي انظر إليها بعد موتك، فادخل يده وغسل جسده ثم دعا ام ولد له فادخلت يدها فغسلت مراقه وكذلك فعلت انا بابي " واما قوله: " ولا يمنع العتق من ذلك... الخ " فضعفه اظهر من ان يذكر لضعف الاستصحاب عندنا والالحاق بالزوجة قياس لا يوافق اصول مذهبنا، وصاحب المدارك هنا انما رد القول بضعف سند الرواية وغفل عما في متنها من الاشكال. وربما علل جواز تغسيل ام الولد لسيدها ايضا ببقاء علاقة الملك من وجوب الكفن والمؤنة والعدة. وفيه نظر فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات لا يخلو من مجازفة، ومثل ذلك ما علل به الجواز مطلقا كما هو المنقول عن العلامة. وبالجملة فان ام الولد قد انعتقت بعد الموت وصارت حرة اجنبية وغيرها قد انتقلت الى الوارث وصارت ايضا اجنبية فالقول بجواز تغسيلهن له يحتاج الى نص واضح. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في اشتراط المماثلة في الذكورة والانوثة بين الغاسل والمغسول مع الاختيار لتحريم النظر، وقد استثني من ذلك ما تقدم من مسألة الزوجين وما يتبعها من الاماء، ومما استثنى ايضا من القاعدة المذكورة وجود المحرمية، والمراد بها - على ما ذكره جملة من الاصحاب هنا وفي كتاب النكاح - من يحرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة، واحترزوا بقيد التأبيد عن اخت الزوجة وبنت غير المدخول بها فانهما ليستا من المحارم لعدم التحريم المؤبد بل هما بحكم الاجانب،


(1) ص 21.


[ 393 ]

وتوقف حل نكاحهما على مفارقه الاخت والام لا يقتضي حل النظر ودخولهما في اسم المحارم وإلا لزم كون نساء العالم محارم للمتزوج اربعا لتوقف نكاح واحدة منهن على فراق واحدة. كذا افاده شيخنا الشهيد الثاني في الروض. واستدرك عليه في الحبل المتين في قوله: " ان توقف حل نكاحهما على مفارقة الاخت والام لو اقتضى دخولهما في المحارم للزم كون نساء العالم محارم للمتزوج اربعا " بان فيه مناقشة لطيفة لعدم تحريم النكاح المنقطع على ذي الاربع، ولو قال للزم ان تكون ذوات الازواج محارم للاجانب لكان اولى. انتهى. اقول: يمكن ان يقال ان المسألة في تحريم ما زاد على الاربع مطلقا خلافية فلعل شيخنا المشار إليه ممن يذهب الى التحريم مطلقا دائما كان أو منقطعا بل نقل عنه بعض الاصحاب انه صرح بذلك في بعض المواضع، فلعل كلامه هنا مبني عليه فلا ترد عليه هذه المناقشة. واما ما ذكره من العبارة ففيه ان الكلام في ان توقف حل النكاح على المفارقة لو اقتضى المحرمية للزم كون نساء العالم محارم إذ حل النكاح فيهن موقوف على مفارقة احدى زوجاته الاربع، وظاهر ان ذوات الازواج الاجانب ليس ممن يحل نكاحهن بعد المفارقة. وكيف كان فالظاهر انه لا خلاف في اصل الحكم المذكور اعني جواز التغسيل مع المحرمية، والمعروف من كلامهم انه من وراء الثياب بل ذكر شيخنا البهائي بانهم قطعوا بكونه من وراء الثياب إلا انه سيأتي عن صاحب المدارك ما يؤذن بخلافه في ذلك وانما اختلفوا في انه هل يشترط في ذلك فقد المماثل أو يجوز وان وجد ؟ قولان، والمشهور الاول والى الثاني ذهب ابن ادريس والعلامة في المنتهى. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة روايات: منها - موثقة عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري وقد تقدمت في سابق هذه المسألة (1) وهي متضمنة لكون الغسل من فوق الثياب، وظاهره في الذكرى ذلك مع عدم وجود المماثل، وصحيحة (2)


(1) ص 384 (2) ص 383.


[ 394 ]

الحلبي المتقدمة وهي الاولى من صحيحتيه، وهي مطلقة بالنسبة الى الثياب وظاهرة في عدم وجود المماثل، ومنها - موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه سئل عن الرجل المسلم يموت في السفر وليس معه رجل ومعه رجال نصارى ومعه عمته وخالته مسلمتان كيف يصنع في غسله ؟ قال تغسله عمته وخالته في قميصه ولا يقربه النصارى. وعن المرأة تموت في السفر وليس معها امرأة مسلمة ومعها نساء نصارى وعمها وخالها مسلمان ؟ قال يغسلانها ولا تقربها النصرانية كما كانت المسلمة تغسلها غير انه يكون عليها درع فيصب الماء من فوق الدرع... " وهي - كما ترى - ظاهرة في عدم وجود المماثل وكون ذلك من فوق الثياب. ومنها - موثقة سماعة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وليس عنده إلا نساء ؟ قال: تغسله امرأة ذات محرم منه وتصب النساء عليه الماء ولا تخلع ثوبه. وان كان امرأه ماتت مع رجال وليس معها امرأة ولا محرم لها فلتدفن كما هي في ثيابها، وان كان معها ذو محرم لها غسلها من فوق ثيابها " وهي - كما ترى - كسابقتها ظاهرة في عدم المماثل وكون ذلك من فوق الثياب. ومنها - حسنة عبد الله بن سنان (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته فان لم تكن امرأته معه غسلته اولاهن به وتلف على يديها خرقة " وهذه الرواية ظاهرة في عدم وجود المماثل ومطلقة بالنسبة الى الثياب. ومنها - رواية زيد الشحام (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأه ماتت وهي في موضع ليس معهم امرأة غيرها ؟ قال ان لم يكن فيهم لها زوج ولا ذو رحم دفنوها بثيابها ولا يغسلونها، وان كان معهم زوجها أو ذو رحم فليغسلها من غير ان ينظر الى عورتها. قال وسألته عن رجل مات في السفر مع نساء ليس معهن رجل ؟ فقال ان لم يكن له فيهن امرأة فليدفن بثيابه ولا يغسل، وان كان له فيهن امرأة فليغسل في قميص من غير ان تنظر الى عورته " وهي ظاهرة في عدم وجود المماثل وصدرها مطلق بالنسبة الى الثياب


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب غسل الميت.


[ 395 ]

وعجزها ظاهر في اشتراط الثياب. ومنها - رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) في حديث قال: " إذا مات الرجل في السفر، الى ان قال: وإذا كان معه نساء ذوات محرم يؤزرنه ويصببن عليه الماء صبا ويمسسن جسده ولا يمسسن فرجه " ومنها - صحيحة منصور المتقدمة (2) وهي دالة على جواز تغسيل المرأة مجردة ومطلقة في عدم المماثل. وانت خبير بان هذه الروايات المذكورة ما عدا صحيحة منصور المشار إليها ورواية عمرو بن خالد ما بين مطلق في وجود المماثل وعدمه وبين مقيد بعدم وجود المماثل ومطلق بالنسبة الى الثياب وعدمها أو مقيد بكونه من وراء الثياب، وقضية الجمع المتكررة في كلامهم حمل مطلقها في كل من الامرين على مقيدها. وبه يظهر قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور نعم يبقى الكلام في صحيحة منصور ولم اجد بها قائلا سوى ما يظهر من صاحب المدارك حيث قال بعد نقل القولين المتقدمين: " والاظهر الجواز مطلقا تمسكا بمقتضى الاصل وصحيحة منصور " ثم ساق الرواية المذكورة. وانت خبير بان هذه الرواية وان صح سندها ولاجله عمل بها في المدارك حيث انه يدور مدار الاسانيد المتصلة في العمل بهذا الاصطلاح إلا انها - كما عرفت في المسأله السابقة - معارضة باخبار تغسيل الرجل امرأته، فان جملة منها قد اشتملت على كون ذلك من وراء الثياب وبه قيد مطلقها وجملة اخبار هذه المسألة على تعددها ومنها الصحيح والحسن والموثق وهي مجتمعة - بناء على حمل مطلقها على مقيدها - على كون ذلك من وراء الثياب بشرط عدم وجود المماثل والقول بمضمون هذه الرواية مناف لجملة روايات المسألتين، وترجيحها على جملة هذه الروايات بعيد غاية البعد، فالاظهر هو القول المشهور سيما مع اوفقيته بالاحتياط في الدين ورد هذه الرواية الى قائلها.

 


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب غسل الميت. (2) ص 383.


[ 396 ]

(المسألة الرابعة) - مما استثني من القاعدة المتقدمة ايضا عند جمهور الاصحاب تغسيل الرجل بنت ثلاث سنين مجردة والمرأة ابن ثلاث سنين مجردا إلا ان الشيخ في النهاية قيد ذلك بعدم وجود المماثل، وقال في المبسوط: " الصبي إذا مات وله ثلاث سنين فصاعدا فحكمه حكم الرجال سواء وان كان دونه جاز للاجنبيات غسله مجردا من ثيابه وان كانت صبية لها ثلاث سنين فصاعدا فحكمها حكم النساء البالغات وان كانت دون ثلاث جاز للرجال تغسيلها عند عدم النساء " وقال المفيد: " إذا كان الصبي ابن خمس سنين غسله بعض النساء الاجنبيات مجردا من ثيابه وان كان ابن اكثر من خمس سنين غسلنه من فوق ثيابه وصببن عليه الماء صبا ولم يكشفن له عورة ودفنه بثيابه بعد تحنيطه، وان ماتت صبية بين رجال ليس لها فيهم محرم وكانت بنت اقل من ثلاث سنين جردوها من ثيابها وغسلوها وان كانت اكثر من ثلاث سنين غسلوها في ثيابها وصبوا عليها الماء صبا وحنطوها بعد الغسل ودفنوها في ثيابها " وبه قال سلار. وجوز الصدوق تغسيل بنت اقل من خمس سنين مجردة، ومنع المحقق في المعتبر من تغسيل الرجل الصبية مطلقا وجوز للمرأة تغسيل ابن الثلاث اختيارا واضطرارا نظرا الى ان الشارع اذن في اطلاع النساء على الصبي لافتقاره اليهن في التربية بخلاف الصبية والاصل حرمة النظر. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة منه - ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابى النمير مولى الحارث بن المغيرة (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) حدثني عن الصبي الى كم تغسله النساء ؟ قال الى ثلاث سنين " وما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (2) " انه سئل عن الصبي تغسله امرأة: فقال انما تغسل الصبيان النساء، وعن الصبية ولا تصاب امرأة تغسلها ؟ قال يغسلها رجل اولى الناس بها " وما رواه في التهذيب عن محمد بن احمد مرسلا (3) قال: " روى في الجارية تموت مع الرجل فقال إذا كانت بنت اقل من خمس سنين أو ست دفنت ولم تغسل " وحكم المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى بان هذا الحديث مضطرب الاسناد والمتن. اقول: نقل


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 23 من ابواب غسل الميت.


[ 397 ]

عن ابن طاووس انه قال: " لفظ اقل هنا وهم " وهو جيد، ويؤيده ما ذكره في الذكرى قال: " وفى جامع محمد بن الحسن إذا كانت ابنة اكثر من خمس سنين أو ست سنين دفنت ولم تغسل وان كانت ابنة اقل من خمس سنين غسلت، قال واسند الصدوق في كتاب المدينة ما في الجامع الى الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) " ونقل الصدوق في الفقيه عن الجامع كما في الذكرى قال وذكر عن الحلبي حديثا في معناه عن الصادق (عليه السلام). إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر انه لا اشكال في تغسيل النساء ابن ثلاث سنين لاتفاق خبري ابي النمير وعمار عليه بحمل اطلاق خبر عمار على مقيد خبر ابي النمير مضافا الى اتفاق الاصحاب كما عرفت من نقل الاقوال المتقدمة، واما تغسيل الرجل بنت ثلاث سنين أو ازيد فالمعتمد فيه على الرواية المشار إليها في الجامع وان كانت مرسلة وكذا في كتاب مدينة العلم كما صرح به في الذكرى، ويعضدها ايضا ان الظاهر ان جواز الغسل تابع لحل النظر واللمس ولا ريب في جوازهما الى الصغير والصغيرة في حال الحياة فيكون كذلك في حال الموت بعين ما تقدم من كلامهم في الزوجين، وبذلك ظهر ما في دعوى صاحب المعتبر من استناده في تحريم تغسيل الرجل الصبية مطلقا الى ان الاصل حرمة النظر فان هذا الاصل ممنوع لعدم الخلاف نصا وفتوى في جواز النظر في حال الحياة وتحريمه هنا يحتاج الى دليل وإلا فالاصل بقاء الجواز، وبالجملة فالظاهر هو القول بما دلت عليه الاخبار المذكورة بعد تقييد مطلقها بمقيدها. واعلم ان المتبادر من تحديد السن هنا وفى الصلاة انما هو بالنسبة الى الموت بان يموت على نهاية الثلاث مثلا فلا اعتبار بما بعده وان طال، فيمكن على هذا حصول الموت على نهاية الثالثة ووقوع الغسل بعد ذلك، فلا يشترط في صحة الحكم وقوع الغسل قبل تمام الثالثة، وبه يندفع ما ذكره المحقق علي (رحمه الله) من ان ثلاث سنين إذا كان نهاية الجواز فلابد من كون الغسل واقعا قبل تمامها فاطلاق ابن ثلاث سنين يحتاج


[ 398 ]

الى التنقيح، ثم قال: الا ان يصدق على من شرع في الثالثة انه ابن ثلاث انتهى فانه مبني على ان نهاية تحديد السن بذلك الغسل وليس كذلك بل الموت كما ذكرنا.

(المسألة الخامسة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) - بل ادعى عليه في المعتبر - الاجماع انه لا يغسل الرجل من ليس له بمحرم ولا المرأه من ليس لها بمحرم عدا ما تقدم في مسألة الصبي والصبية، وعن الشيخ انه صرح في النهاية والمبسوط والخلاف بسقوط التيمم والحال هذه، وبه قطع في المعتبر، قال: " لان المانع من الغسل مانع من التيمم وان كان الاطلاع مع التيمم اقل لكن النظر محرم قليله وكثيره " وعن المفيد (عطر الله مرقده) وجوب التغسيل من وراء الثياب وكذا عن ابن زهرة وابي الصلاح إلا انهما اوجبا تغميض العينين. والاخبار في هذه المسألة في غاية الاختلاف إلا ان اكثرها واصحها يدل على القول المشهور: ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه سأله عن المرأة تموت في السفر وليس ذو محرم ولا نساء قال: تدفن كما هي بثيابها. وعن الرجل يموت وليس معه إلا النساء ليس معهن رجال ؟ قال: يدفن كما هو بثيابه ". وعن عبد الله بن ابي يعفور في الصحيح (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت في السفر مع النساء ليس معهن رجل كيف يصنعن به ؟ قال يلففنه لفا في ثيابه ويدفنه ولا يغسلنه ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري (3) قال: " سألته عن امرأة ماتت مع رجال ؟ قال تلف وتدفن ولا تغسل ". ومنها - صحيحة ابي الصباح الكناني ورواية داود بن سرحان وقد تقدمتا


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب غسل الميت.


[ 399 ]

في المسألة الثانية (1)، ومنها - موثقة سماعة ورواية زيد الشحام وقد تقدمتا في المسألة الثالثة (2). وهذه الروايات كلها ظاهرة المقالة متعاضدة الدلالة في عدم اغسل والامر بالدفن بثيابه. ومنها - ما رواه في التهذيب عن جابر عن الصادق (عليه السلام) (3) " في رجل مات ومعه نسوة وليس معهن رجل ؟ قال: يصببن الماء من خلف الثوب ويلففنه في اكفانه من تحت الستر ويصلين عليه صفا ويدخلنه قبره. والمرأة تموت مع الرجال ليس معهم امرأة ؟ قال: يصبون الماء من خلف الثوب ويلفونها في اكفانها ويصلون ويدفنون " وعن ابي بصير (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ماتت في سفر وليس معها نساء ولا ذو محرم ؟ فقال: يغسل منها موضع الوضوء ويصلى عليها وتدفن ". وعن جابر عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سئل عن المرأة تموت وليس معها محرم ؟ قال يغسل كفيها ". وعن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (6) قال: " اتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفر فقالوا ان امرأة توفيت معنا وليس معها ذو محرم ؟ فقال كيف صنعتم بها ؟ فقالوا صببنا الماء عليها صبا. فقال اما وجدتم امرأه من اهل الكتاب تغسلها ؟ فقالوا لا فقال أفلا يممتموها ؟ " وعن المفضل بن عمر (7) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في المرأه تكون في السفر مع رجال ليس فيهم لها ذو محرم ولا معهم امرأة فتموت المرأة ما يصنع بها ؟ قال: يغسل منها ما اوجب الله تعالى عليه التيمم ولا تمس ولا


(1) ص 384 و 385 (2) ص 394. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب غسل الميت.


[ 400 ]

يكشف شئ من محاسنها التي امر الله تعالى بسترها. فقلت فكيف يصنع بها ؟ قال يغسل بطن كفيها ثم يغسل وجهها ثم يغسل ظهر كفيها ". وعن داود بن فرقد (1) قال: " مضى صاحب لنا يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تموت مع رجال ليس فيهم ذو محرم هل يغسلونها وعليها ثيابها ؟ فقال اذن يدخل ذلك عليهم ولكن يغسلون كفيها ". وعن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " إذا مات الرجل في السفر مع النساء ليس فيهن امرأته ولا ذو محرم من نسائه ؟ قال يؤزرنه الى الركبتين ويصببن عليه الماء صبا ولا ينظرن الى عورته ولا بلمسنه بايديهن... الحديث " وقد تقدم تمامه في سابق هذه المسألة (3). وعن ابي حمزة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " لا يغسل الرجل المرأة إلا ان لا توجد امرأة ". وعن عبد الله بن سنان (5) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: المرأة إذا ماتت مع الرجال فلم يجدوا امرأة تغسلها غسلها بعض الرجال من وراء الثوب ويستحب ان يلف على يديه خرقة ". وعن ابي سعيد (6) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا ماتت المرأة مع قوم ليس لها فيهم ذو محرم يصبون عليها الماء صبا، ورجل مات مع نسوة ليس فيهن له محرم فقال أبو حنيفة يصببن الماء عليه صبا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): بل يحل لهن ان يمسسن منه ما كان يحل لهن ان ينظرن منه إليه وهو حي فإذا بلغن الموضع الذي لا يحل لهن النظر إليه ولا مسه وهو حي صببن الماء عليه صبا ". اقول: هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة، والشيخ وجملة ممن تبعه قد حملوا


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب غسل الميت. (3) ص 395.


[ 401 ]

هذه الاخبار الاخيرة على الاستحباب كما هي قاعدتهم المطردة في جميع الابواب. وانت خبير بما هي عليه من الاختلاف والاضطراب ومنافاة بعضها بعضا، ففي بعض التغسيل من وراء الثياب وفي آخر يغسل منها موضع الوضوء وفى ثالث يغسل كفيها وفي رابع الامر بالتيمم وفى خامس يغسل منها ما اوجب الله تعالى عليه التيمم وفى سادس المنع من التغسيل من وراء الثوب الذي دل عليه بعضها والامر بغسل الكفين خاصة وفى سابع يؤزرنه الى الركبتين ويصببن عليه الماء صبا، ومن الظاهر البين ان العمل بهذه الاخبار يتوقف اولا على الجميع بينها على وجه يندفع به التنافي، وانى به سيما مع ما تدل عليه من جواز النظر والمباشرة الذين لا ريب في تحريمها خصوصا الرواية الاخيرة الدالة على جواز مس النساء للرجل ما كان يحل لهن النظر إليه منه في حال حياته. وبالجملة فالاعراض عنها وردها الى قائلها هو الاظهر والعمل على هذا المسألة على ما هو الاشهر. واما خبر ابي حمزة وخبر عبد الله بن سنان المذكور بعده فالظاهر حملهما على المحارم فلا يكونان من اخبار هذه المسألة، ويدل على ذلك قوله في الثاني منهما: " ويستحب ان يلف على يديه خرقة " المشعر بجواز المس. والله العالم.

(المسألة السادسة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه مع تعذر المسلم والمحرم يجوز ان يغسل الكافر المسلم وهكذا المرأة المسلمة تغسلها الكافرة إذا لم تكن مسلمة ولا محرم ويكون ذلك بعد اغتسال الكافر والكافرة، واستدلوا على ذلك بما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قد تقدم صدره وفيه قال: " قلت فان مات رجل مسلم وليس معه رجل مسلم ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته ومعه رجال نصارى ونساء مسلمات ليس بينه وبينهن قرابة ؟ قال يغتسل النصارى ثم يغسلونه فقد اضطر. وعن المرأة المسلمة تموت وليس معها امرأة مسلمة ولا رجل مسلم من ذوي قرابتها ومعها نصرانية ورجال مسلمون ليس بينها وبينهم


(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب غسل الميت وقد تقدم صدره ص 394.


[ 402 ]

قرابة ؟ قال تغتسل النصرانية ثم تغسلها... الحديث " ورواية عمرو بن خالد عن زيد ابن علي المتقدمة في سابق هذه المسألة (1) اقول: ويدل عليه ايضا ما ذكر في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): " وان مات ميت بين رجال نصارى ونسوة مسلمات غسله الرجال النصارى بعد ما يغتسلون، وان كان الميت امرأة مسلمة بين رجال مسلمين ونسوة نصرانية اغتسلت نصرانية وغسلتها ". قال المحقق في المعتبر بعد نقل الخبرين الاوليين: " وعندي في هذا توقف والاقرب دفنها من غير غسل لان غسل الميت يفتقر الى النية والكافر لا تصح منه نيه القربة ثم طعن في الحديث الاول بان السند كله فطحية وهو مناف للاصل والحديث الثاني بان رجاله زيدية وحديثهم مطرح بين الاصحاب. وفيه ما عرفت فيما تقدم في غير موضع من منافاة هذا الكلام لما قرره في صدر كتابه مما ملخصه ان ضعف الخبر لا يوجب الطعن مع عمل الاصحاب به واتفاقهم على القول بمضمونه، والامر هنا كذلك فانه لم يظهر لهذا الحكم مخالف قبله وان تبعه فيه بعده من تبعه، ومتى ثبت قبول الخبرين فلا وجه لما ذكره من الكلام في امر النية فانه متى دل الدليل على الجواز دل على صحة نية الكافر وصار الطعن بما ذكره اجتهادا في مقابلة النص. قال شيخنا الشهيد (رحمه الله) في الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور: " ولا اعلم مخالفا لهذا من الاصحاب سوى المحقق في المعتبر محتجا بتعذر النية من الكافر مع ضعف السند. وجوابه منع النية هنا أو الاكتفاء بنية الكافر كالعتق والضعف منجبر بالعمل، فان الشيخين نصا عليه وابنا بابويه وابن الجنيد وسلار والصهر شتى وابن حمزة والمحقق في غير المعتبر وابن عمه نجيب الدين يحيى بن سعيد. نعم لم يذكره ابن ابي عقيل ولا الجعفي ولا ابن البراج في كتابيه ولا ابن زهرة ولا ابن ادريس ولا الشيخ


(1) ص 399 (2) ص 18.


[ 403 ]

في الخلاف، وللتوقف فيه مجال لنجاسة الكافر في المشهور فكيف يفيد غيره الطهارة ؟ " انتهى وهو جيد. اقول: لا يخفى ان الاخبار مختلفة في طهارة اهل الكتاب ونجاستهم وهذه الاخبار من جملة ما يدل على الطهارة، فمن ترجح عنده القول بالطهارة فلا اشكال عنده في هذه المسالة من هذه الجهة، ومن ترجح عنده القول بالنجاسة، كما هو الاظهر - فللتوقف في هذا الحكم عنده مجال وان كان ظاهر الكل ممن قال بالطهارة أو النجاسة قد حكموا بصحة هذا الحكم هنا، وهو مشكل كما ذكره شيخنا المشار إليه. فرع قال في الذكرى: " لو وجد بعد الغسل الاضطراري فاعل الاختياري فلا اعادة في غير من غسله كافر للامتثال، والاقرب الاعادة في الكافر لعدم الطهارة الحقيقية " انتهى اقول: هذه الاقربية انما تتم على القول بنجاسة اهل الكتاب كما اشرنا إليه آنفا واما على القول بطهارتهم فيصير الحكم فيه كسائر الافراد الاضطرارية من عدم وجوب الاعادة بل لا يبعد القول بتعين الاعادة على القول بالنجاسة، وبالجملة فان من حكم بالاخبار المذكورة واوجب الغسل في الصورة المشار إليها من غير توقف عنده ولا اشكال فلا وجه للقول بالاعادة عنده، لان المأمور به في تلك الحال هو الغسل على هذه الكيفية وامتثال الامر يقتضي الاجزاء، واما من توقف في العمل بالاخبار وحصل له الاشكال بما ذكرناه في هذا المجال فلا ريب في تحتم الاعادة عنده لعدم حصول يقين البراءة عنده بذلك الغسل، وبه يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة في هذا المقام حيث انه بعد ان ذكر المسألة وما ورد فيها من الخبرين المتقدمين ونقل عن المحقق استضعاف الخبرين وان الكافر لا تصح منه القربة اعترضه فقال: " وفيه منع، ثم قال: والظاهر عدم العدول عن الخبرين لما اشرنا إليه آنفا من ان الظاهر جواز العمل بالاخبار الموثقة خصوصا مع


[ 404 ]

اعتضادها بغيرها وبالشهرة بين الاصحاب وسلامتها من المعارض وتأيدها بالعمومات، ثم قال: وهل تجب اعادة الغسل لو وجد من يجوز من يجوز له تغسيله من المسلمين ؟ فيه قولان اقربهما نعم لان المأمور به لم يوجد للتعذر فإذا ارتفع العذر لم يكن هنا معدل عن وجوبه " وفيه ان مقتضى الكلام الاول صحة العمل بالخبرين المذكورين وقبولهما من غير اشكال لما ذكره من المؤيدات ومقتضى ذلك عدم وجوب الاعادة، وقوله في الكلام الثاني: " لان المأمور به لم يوجد " ان اراد المأمور به من ان يغسله مسلم فهو غير مسلم لان المأمور به في الحال المذكورة انما هو غسل الكافر لتعذر المسلم فالمسلم غير مأمور به لتعذره وإلا للزم تكليف ما لا يطاق إذ الفرض تعذره فكيف يؤمر به والحال كذلك ؟ ومتى ثبت ان المأمور به في تلك الحال انما هو الكافر للخبرين المذكورين المؤيدين عنده بما ذكر من وجوه التأييدات ثبت عدم الاعادة لان امتثال الامر يقتضي الاجزاء والاعادة تحتاج الى دليل وليس فليس، وهذا بحمد الله سبحانه واضح لا شبهة فيه. والله العالم.

وفى المقام فوائد:

(الاولى) - هل يصح الغسل من المميز ام لا ؟ قولان، وتفصيل الكلام في المقام ان يقال ان غسل الميت ان كان انما هو لتطهيره من نجاسة الموت من غير ان تعتبر فيه النية - كما هو احد القولين في المسألة - فلا كلام في وقوعه من المميز فانه كغسل الثوب من النجاسة، وان اعتبرنا فيه النية بناء على انه عبادة - كما هو المشهور والمؤيد المنصور - فاحتمالان: احدهما صحة ذلك لان المميز يصح منه نية القربة ولانه مأمور بالعبادة وهو يستلزم صحة نية القربة منه وإلا لامتنع الامر له بذلك واختار ذلك العلامة في بعض كتبه والمحقق في المعتبر، والثاني العدم لعدم وقوع النية منه على الوجه المعتبر شرعا لانه تمرين، وبه قال الشهيد في الدروس، وقال في الذكرى: " المميز صالح لتغسيل الميت لصحة طهارته وامره بالعبادة، ويمكن المنع لان فعله تمرين والنية معتبرة " انتهى. وهو مؤذن بنوع توقف في ذلك. والظاهر عندي هو الاول للاخبار الكثيرة الواردة في جواز عتق ابن عشر سنين ووصيته وصدقته ونحو ذلك،


[ 405 ]

وسيأتي في المباحث الآتية ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد تحقيق للمقام.

(الثانية) - منع صاحب الفاخر من تغسيل الجنب والحائض الميت، فان اراد التحريم فهو مردود برواية يونس بن يعقوب المتقدمة عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تحضر الحائض الميت ولا الجنب عند التلقين ولا بأس ان يليا غسله " وبه صرح ابن بابويه. وقد تقدم نقل ذلك ايضا عن الفقه الرضوي (2).

(الثالثة) - إذا فقد الزوج والنساء في المرأة ووجد الاب والجد فالمشهور ان الاب اولى لكونه هو الاولى بالميراث، ونقل عن ابن الجنيد ان الجد اولى لصلاحيته لولاية الاب ولتقديمه في النكاح. ورد بانه معارض بالقرب وتقدمه في الحضانة. والله العالم.

(المقام الثاني) - في المغسول وهو المسلم الغير الشهيد ويلحق به صدره منضما أو منفردا اجماعا نصا وفتوى، وتفصيل هذه الجملة يقع في مسائل:

(الاولى) - المشهور بين المتأخرين ان كل مظهر للشهادتين وان لم يكن معتقدا للحق يجوز تغسيله عدا الخوارج والغلاة فيغسله غسل المخالفين، ولو تعذر معرفته غسله غسل الامامية. وقال المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: " ولا يجوز لاحد من اهل الايمان ان يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلي عليه وإلا ان تدعو ضرورة الى دلك من جهة التقية " واستدل له الشيخ في التهذيب بان المخالف لاهل الحق كافر فيجب ان يكون حكمه حكم الكافر إلا ما خرج بدليل وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب ان يكون غسل المخالفين ايضا غير جائز، ثم قال: والذي يدل على ان غسل الكافر لا يجوز اجماع الامامية لانه لا خلاف بينهم في ان ذلك محظور في الشريعة. اقول: وهذا القول عندي هو الحق الحقيق بالاتباع لاستفاضة الاخبار بكفر المخالفين وشركهم ونصبهم ونجاستهم كما اوضحناه بما لا مزيد عليه في الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وما يترتب عليه من المطالب. وممن اختار هذا القول ابن البراج ايضا على ما نقل عنه،


(1) المروية في الوسائل في الباب 43 من ابواب الاحتضار (2) الفقه ص 17.


[ 406 ]

وهو لازم للمرتضى وابن ادريس لقولهما بكفر المخالف الا اني لم اقف على نقل مذهبهما في هذه المسألة، لكن ابن ادريس صرح بذلك في السرائر في مسألة الصلاة بعد ان اختار مذهب المفيد في عدم جواز الصلاة على المخالف، فقال ما هذا لفظه: " وهو اظهر ويعضده القرآن وهو قوله تعالى: " ولا تصل على احد منهم مات ابدا... " (1) يعنى الكافر، والمخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا " وبذلك صرح جملة من متأخري المتأخرين: منهم - الفاضل المولى محمد صالح المازندراني في شرح اصول الكافي، حيث قال: " ومن انكرها يعني الولاية فهو كافر حيث انكر اعظم ما جاء به الرسول واصلا من اصوله " ومنهم - الفاضل المحقق المولى أبو الحسن الشريف المجاور بالمشهد الغروي على مشرفه افضل الصلاة والسلام على ما وجدته في شرحه على الكفاية وهو من افضل تلامذة شيخنا المجلسي، حيث ان صاحب الكتاب المذكور ممن يحكم باسلام المخالفين تبعا للمشهور بين المتأخرين حيث قال في مطاوي كلام له: " وليت شعري اي فرق بين من كفر بالله ورسوله ومن كفر بالائمة ؟ مع ان كل ذلك من اصول الدين الى ان قال: ولعل اصل الشبهة عندهم زعمهم كون المخالف مسلما حقيقة، وهو توهم فاسد مخالف للاخبار المتواترة، والحق ما قاله علم الهدى من كونهم كفارا مخلدين في النار، ثم نقل بعض الاخبار الدالة على ذلك ثم قال: ان الاخبار اكثر من ان تحصى وليس هذا موضع ذكرها وقد تعدت عن حد التواتر، وعندي ان كفر هؤلاء من اوضح الواضحات في مذهب اهل البيت (عليهم السلام) " انتهى كلامه. واما ما استدل به في الذكرى - ان محل الغسل المسلم من قول الصادق (عليه السلام): " اغسل كل الموتى إلا من قتل بين الصفين " (2) - ففيه انه على عمومه غير معمول عليه لتصريحهم باستثناء بعض الموتى كما قدمنا نقله عنهم في صدر المسالة فكما استثنى من ذكروه بالادلة الدالة على الكفر فكذا ما ندعيه للادلة الصحيحة الصريحة الدالة على كفر هؤلاء المذكورين، وليس هذا موضع ذكرها ومن احب الوقوف


(1) سورة التوبة. الآية 85. (2) الوسائل الباب 14 من غسل الميت.


[ 407 ]

عليها فليرجع الى كتابنا المذكور آنفا. وقال صاحب المدارك هنا بعد ان نقل كلام الشيخين المذكورين ما لفظه: " والمسألة قوية الاشكال وان كان الاظهر عدم وجوب تغسيل غير المؤمن " واقتفاه في الذخيرة ايضا فقال: " ولم اطلع على دليل يدل على وجوب الغسل لكل مسلم ولا اجماع ههنا والاصل يقتضي عدم وجوب تغسيل غير المؤمن " انتهى. ولا يخفى ما فيه بعد الاحاطة بما اسلفناه، فانه مع ثبوت الحكم بالاسلام فالواجب اجراء جميع احكامه ولو بالادلة العامة ان لم توجد الخاصة بذلك الجزئي، والعمومات الدالة على غسل الميت موجودة ومع الحكم باسلام المخالف فلا وجه للعدول عنها. وبالجملة فان الاصحاب في هذه المسألة بين قائلين اما بالاسلام فيجب الغسل البتة أو بالكفر فلا يجب بلا لا يجوز، واحداث هذا القول في البين مما لا وجه له.

تنبيهات:

(الاول) - لا خلاف نصا وفتوى في ان المتولد من المسلم في حكم المسلم طفلا كان أو مجنونا أو سقطا لاربعة اشهر فصاعدا، وقد تقدم في المسألة الرابعة من المقام المتقدم (1) جملة من اخبار غسل الصبي والصبية. واما ما يدل على حكم السقط فجملة من من الاخبار ايضا، ومنها - ما رواه في الكافي عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " السقط إذا تم له اربعة اشهر غسل " وعن سماعة في الموثق عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن ؟ فقال كل ذلك يجب عليه " ورواه الشيخ في الموثق ايضا مثله بادنى تفاوت (4) وما رواه الشيخ عن احمد بن محمد عمن ذكره (5) قال: " إذا تم للسقط اربعة اشهر غسل... الحديث " وفي الفقه الرضوي (6) " وإذا اسقطت المرأه وكان السقط تاما غسل وحنط وكفن ودفن، وان لم يكن تاما فلا يغسل ويدفن بدمه وحد تمامه إذا اتى عليه اربعة اشهر " وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه، وقال في المدارك بعد ذكر


(1) ص 396 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 12 من غسل الميت. (6) ص 19.


[ 408 ]

مرفوعة محمد بن احمد ثم موثقة سماعة ما لفظه: " ثم لا يخفى ان الحكم في الرواية الثانية وقع معلقا على استواء الخلقة لا على بلوغ الاربعة اللهم الا ان يدعى التلازم بين الامرين واثباته مشكل " انتهى. اقول: لا اشكال بحمد الملك المتعال بعد ورود ذلك في اخبار الآل (عليهم صلوات ذي الجلال)، ومنها - ما رواه في الكافي (1) في الموثق عن الحسن ابن الجهم قال: " سمعت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام) ان النطفة تكون في الرحم اربعين يوما ثم تصير علقة اربعين يوما ثم تصير مضغة اربعين يوما فإذا كمل اربعة اشهر بعث الله تعالى ملكين خلاقين فيقولان يا رب ما تخلق ذكرا أو انثى ؟ فيؤمران... الحديث " وعن محمد بن اسماعيل أو غيره (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ندعو للحبلى ان يجعل الله تعالى ما في بطنها ذكرا سويا ؟ قال تدعو ما بينه وبين اربعة اشهر فانه اربعين ليلة نطفة واربعين ليلة علقة واربعين ليلة مضغة فذلك تمام اربعة اشهر ثم يبعث الله تعالى ملكين خلاقين... الحديث " ونحو ذلك ايضا صحيحة زرارة (3). وهذه الاخبار - كما ترى - صريحة في انه بتمام الاربعة تمت خلقته، وبذلك صرح (عليه السلام) في الفقه الرضوي كما سمعت. واما ما رواه الشيخ عن محمد بن الفضيل (4) قال: " كتبت الى ابي جعفر (عليه السلام) اسأله عن السقط كيف يصنع به ؟ قال السقط يدفن بدمه في موضعه " فحملها الشيخ ومن تبعه على من نقص عن الاربعة، وهو جيد بقي الكلام في انه بعد غسله هل يجب تكفينه أو يلف بخرقة ويدفن: قولان وبالاول صرح الشهيد في الذكرى وجمع من الاصحاب وبالثاني المحقق، والظاهر الاول لما عرفت من دلالة موثقة سماعة على ذلك وكذا عبارة كتاب الفقه، والظاهر ان المراد منه التكفين بالقطع الثلاث لانه المتبادر من اللفظ.


(1) و (2) و (3) ج 2 ص 85. (4) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب غسل الميت.


[ 409 ]

ولو نقص السقط عن الاربعة سقط غسله، وذكر الاصحاب انه يجب لفه في خرقة ولم اقف على مستنده. والمفهوم من عبارة كتاب الفقه هو انه يدفن بدمه من غير تعرض للفه، وكذا رواية محمد بن الفضيل المتقدمة المحمولة على ما قبل الاربعة.

(الثاني) - قيل ويلحق بالمسلم ايضا في الحكم المذكور مسبيه ولقيط دار الاسلام أو دار الكفر وفيها مسلم صالح للاستيلاد بحيث يمكن الحاقه به والطفل المتخلق من الزنا، واستشكل الشهيد الثاني في كون الطفل المسبي إذا كان السابي مسلما والطفل المتخلق من ماء الزاني بحكم المسلم فيجب تغسيلهما، نظرا الى الشك في تبعية المسبي في جميع الاحكام وانما المعلوم تبعيته في الطهارة وعدم لحوق الثاني بالزاني شرعا، والى اطلاق الحكم بالتبعية وكون الثاني ولدا لغة فيتبعه في الاسلام كما يحرم نكاحه. انتهى. وهو جيد واما ابن الزنا البالغ المظهر للاسلام فلا خلاف في وجوب تغسيله كما ادعاه في المنتهى إلا من قتادة كما ذكره.

(الثالث) - المفهوم من عبائر كثير من الاصحاب في غسل المخالف هو الجواز على كراهية حيث انهم صرحوا بانه يجوز غسله وصرحوا في المكروهات بانه يكره، والظاهر ان المراد من الجواز هنا هو معناه الاعم فيدخل فيه الجواب، قال شيخنا صاحب رياض المسائل: " وفى وجوب تغسيل المخالف غير المحكوم بكفره كالناصب ونحوه خلاف والاكثر على الوجوب، وما يظهر من عبارات كثير من الاصحاب من الحكم بالجواز فالمراد به الجواز بالمعنى الاعم الشامل للواجب، وما في بعضها من الحكم بجوازه على كراهية ربما ظهر منه عدم الوجوب في بادي الرأي وليس كذلك بل الكراهة في متعلقه اي التعرض لتغسيله مع وجود الغير من المخالفين أو بمعنى نقص الثواب اي ان تغسيله ليس كتغسيله المؤمن في الاجر " انتهى. وقال في المدارك - بعد قول المصنف في تعداد المكروهات: وان يغسل مخالفا فان اضطر غسله غسل اهل الخلاف - ما لفظه: " المراد بالكراهة هنا معناها المتعارف في العبادات ان ثبت وجوب تغسيل


[ 410 ]

المخالف وإلا كان تغسيله مكروها بالمعنى المصطلح أو محرما وقد تقدم الكلام فيه، واما تغسيله غسل اهل الخلاف فربما كان مستنده ما اشتهر من قولهم (عليهم السلام) (1): " الزموهم بما ألزموا به انفسهم " ولا بأس به " انتهى. اقول: لا يخفى ما في هذه الكلمات كملا من الاختلال والاضطراب والخروج عن جادة الحق والصواب، وذلك انه متى ثبت بالادلة المروية وجوب تغسيل المسلمين وان الخطاب متوجه الى كافة المكلفين وان الغسل الشرعي الذي امر به الشارع هو ان يكون على هذه الكيفية المشهورة بين الامامية فالواجب على من توجه إليه الخطاب من المسلمين الموجودين ان يغسل هذا الميت المسلم بهذه الكيفية المنصوصة مخالفا كان أو مؤالفا فما ذكروه من هذه الكراهة ومن التعبير بالجواز ومن التخصيص بحال الاضطرار فكله مما لا يعرف له وجه وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، فانهم كما اوجبوا اجراء احكام الاسلام على المخالف في حال الحياة من الحكم بطهارته ومناكحته وحقن ماله ودمه وموارثته ونحو ذلك فكذا بعد الموت، واي دليل دل على الفرق بين الحالين حتى يتم ما ذكروه من هذه التخريجات ؟ فان الجميع مرتب على الاسلام، والقائلون بمنع تغسيله انما صاروا إليه من حيث حكمهم بالكفر وهو ظاهر، واما مع الحكم بالاسلام فكما انه لا فرق بينه وبين المؤمن في حال الحياة في تلك الاحكام فكذلك بعد الممات إلا ان يدل دليل على الفرق وليس فليس، وايضا فان الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل واي دليل على كراهة غسل المخالف مع الحكم باسلامه ؟ فان كان لمجرد كونه مخالفا فلاي شئ لم يثبتوا هذه الكراهة في الاحكام المترتبة على الحياة بل جعلوه مثل المؤمن مطلقا ؟ على ان الكراهة في العبادات انما هو باعتبار وقوع العبادة على انواع بعضها اكثر ثوابا وبعضها اقل ثوابا بالنسبة الى اصل العبادة الخالية مما يوجب الراجحية أو المرجوحية كما تقدم تحقيقه، وهذا


(1) المروى في الوسائل في الباب 29 من مقدمات الطلاق وشرائطه والباب 4 من ميراث الاخوة والاجداد.


[ 411 ]

مما لا مجال له في هذا المقام، لان غسل المسلمين كملا واجب وهذا احدهم ولم يرد هنا ما يدل على افضلية غسل نوع من انواع المسلمين واكثرية ثوابه واقلية آخر، ولو اريد باعتبار نقصان قدر المخالف وانحطاط درجته وان كان مسلما جرى ذلك في الجاهل من المسلمين والمستضعفين بالنسبة الى العالم الفاضل الورع مع انهم لم يصرحوا هنا بالكراهة، وايضا فانه على تقدير عدم الوجوب كما ذهب إليه في المدارك فانه لا معنى لهذه الكراهة التي ذكرها بالمعنى المصطلح لان محلها الامور الراجحة الترك الجائزة والغسل عندهم من العبادات الشرعية كما صرحوا به، وحينئذ فان تم الدليل على وجوبه كان واجبا وان لم يثبت كان محرما ولا وجه للقول بالجواز فيه حتى يمكن اجراء الكراهة بالمعنى المصطلح فيه. واما كون غسل المخالفين مخالفا لغسل الامامية فهو ايضا لا يسوغ لهم العدول عن الغسل الشرعي عندهم المأمورين به إذ الخطاب المتعلق بهم والوجوب الذي لزمهم باعترافهم انما هو بهذا الغسل المعمول عليه عندهم فالاتيان بغيره غير مبرئ للذمة، واما ما ذكره المحقق من الضرورة فانه لا معنى له على القول بالاسلام ووجوب تغسيلهم كما هو مذهبه، بل الضرورة انما تتجه على مذهب من قال بتحريم غسلهم كما تقدم في عبارة المفيد القائل بتحريم غسلهم لكفرهم، فانه قد تلجئه التقية من المخالفين الى مداخلتهم ومساعدتهم في مثل هذا وغيره فيغسله غسلهم، واما من يوجب غسله كغيره من المؤمنين فانه لا يجد بدا من القيام به لوجوبه عليه كفاية أو عينا ان انحصر الامر فيه ولا يتوقف تغسيله له على الضرورة، نعم ربما تكون الضرورة بالتقية ملجئة الى الانتقال من غسله غسل اهل الحق الى تغسيله غسل المخالفين، فالضرورة ليست متعلقة باصل الغسل وانا هي بالانتقال من احد الفردين الى الآخر، وبذلك يظهر ما في استدلاله في المدارك بالخبر المذكور على ذلك فانه لا معنى له وانما المستند التقية. وبالجملة فاني لا اعرف لهذه الكلمات الملفقة في هذا المقام وجها يبتنى عليه الكلام وينتسق به النظام بل هو اظهر في البطلان من ان يحتاج بعد ما ذكرناه الى مزيد بيان والله العالم


[ 412 ]

(الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في انه لا يجوز للمسلم تغسيل الكافر وان كان ذميا ولا تكفينه ولا دفنه ولو كان من قرابته ابا أو اما أو نحوهما، ونقل في الذكرى الاجماع عليه واستدل بالآية وهي قوله سبحانه: "... ومن يتولهم منكم فانه منهم... " (1) قال واولادهم يتبعونهم. اقول: ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار ابن موسى عن الصادق (عليه السلام) (2): " انه سئل عن النصراني يكون في السفر وهو مع المسلمين فيموت ؟ قال لا يغسله مسلم ولا كرامة ولا يدفنه ولا يقوم على قبره وان كان اباه " ورواه الصدوق باسناده عن عمار مثله، ورواه الكليني مثله الى قوله: " ولا يقوم على قبره " (3) ونقل المحقق في المعتبر عن شرح الرسالة للمرتضى انه روى فيه عن يحيي بن عمار عن الصادق (عليه السلام) النهي عن تغسيل المسلم قرابته الذمي والمشرك وان يكفنه ويصلي عليه ويلوذ به (4) وروى احمد بن ابي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن صالح بن كيسان (5): " ان معاوية قال للحسين (عليه السلام) هل بلغك ما صنعنا بحجر بن عدى واصحابه شيعة ابيك ؟ فقال (عليه السلام) وما صنعت بهم ؟ قال قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم. فضحك الحسين (عليه السلام) فقال خصمك القوم يا معاوية لكنا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا غسلناهم ولا صلينا عليهم ولا دفناهم " وعن المرتضى في شرح الرساله انه قال: " فان لم يك له من يواريه جاز مواراته لئلا ينتفخ " قال في الذكرى - بعد نقل ذلك عن المرتضى والاحتجاج بقوله تعالى: "... وصاحبهما في الدنيا معروفا... " (6) وبتغسيل علي (عليه السلام) اباه وبجواز تغسيله حيا - يرد بان ما بعد الموت من الآخرة لا من الدنيا، ونمنع كون ذلك معروفا لانه لم يعلم التجهيز إلا من الشرع فيقف على دلالة الشرع، وابو علي (عليه السلام) قد قامت الادلة القطعية على انه مات


(1) سورة المائدة. الآية 51. (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب غسل الميت. (6) سورة لقمان. الآية 14.


[ 413 ]

مسلما وهذا من جملتها، والغسل حيا للتنظيف لا للتطهير بخلاف غسل الميت. انتهى. وهو جيد. والله العالم.

(المسأله الثانية) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان الشهيد وهو الذي قتل بين يدي الامام (عليه السلام) ومات في معركة الحرب - لا يغسل ولا يكفن وانما يصلى عليه ويدفن، قال في المعتبر: انه اجماع اهل العلم خلا سعيد بن المسيب والحسن فانهما اوجبا غسله لان الميت لا يموت حتى يجنب، قال: ولا عبرة بكلامهما. وبنحو ذلك صرح العلامة في المنتهى. والاصل في هذه المسألة عدة من الاخبار: منها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن ابان بن تغلب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يقتل في سبيل الله تعالى أيغسل ويكفن ويحنط ؟ قال يدفن كما هو في ثيابه إلا ان يكون به رمق ثم مات فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على حمزة وكفنه لانه كان قد جرد " ورواه في الفقيه بطريقه الى ابان مثله. وعن زرارة واسماعيل بن جابر في الصحيح عن الباقر (2) قال: " قلت له كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائة ؟ قال نعم في ثيابه بدمائه ولا يحنط ولا يغسل ويدفن كما هو، ثم قال دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمه حمزة في ثيابه بدمائة التي اصيب فيها ورداه النبي بردائه فقصر عن رجليه فدعا له باذخر فطرحه عليه وصلى عليه سبعين صلاة وكبر عليه سبعين تكبيرة ". وعن ابي مريم (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلي عليه وان لم يكن به رمق دفن في اثوابه " ورواه في الفقيه بسنده الى ابي مريم مثله. وعن ابان بن تغلب في الصحيح أو الحسن (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب غسل الميت.


[ 414 ]

السلام) يقول: الذي يقتل في سبيل الله تعالى يدفن في ثيابه ولا يغسل الا ان يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد فانه يغسل ويكفن ويحنط، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ولكنه صلى عليه ". وعن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا ان يكون اصابه دم فان اصابه دم ترك ولا يترك عليه شئ معقود إلا حل " وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي خالد (2) قال: " اغسل كل شئ من الموتى الغريق واكيل السبع وكل شئ إلا ما قتل بين الصفين فان كان به رمق غسل وإلا فلا ". وعن عمرو بن خالد عن زيد عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه وان بقي اياما حتى تتغير جراحته غسل ". وما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان عليا (عليه السلام) لم يغسل عمار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة المرقال ودفنهما في ثيابهما ولم يصل عليهما " ورواه الصدوق مرسلا (5) ثم قال: " هكذا روي لكن الاصل ان لا يترك احد من الامة إذا مات بغير صلاة ". وقال في الفقيه الرضوي (6): " وان كان الميت قتيل المعركة في طاعة الله لم يغسل ودفن في ثيابه التي قتل فيها بدمائه ولا ينزع منه من ثيابه شئ إلا انه لا يترك عليه شئ معقود مثل الخف وتحل تكته ومثل المنطقة والفروة، وان اصابه شئ من دمه لم ينزع عنه شئ إلا انه يحل المعقود، ولم يغسل إلا ان يكون به رمق ثم يموت بعد ذلك فان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب غسل الميت. (6) ص 18.


[ 415 ]

مات بعد ذلك غسل كما يغسل الميت وكفن كما يكفن الميت ولا يترك عليه شئ من ثيابه، وان كان قتل في معصية الله تعالى غسل كما يغسل الميت وضم رأسه لى عنقه ويغسل مع البدن كما وصفناه في باب الغسل فإذا فرغ من غسله جعل على عنقه قطنا وضم إليه الرأس وشده مع العنق شدا شديدا " انتهى. اقول: والكلام في هذه الاخبار العلية المنار يقع في مواضع:

(الاول) - المفهوم من جملة من اخبار المسألة ان من قتل في معركة الجهاد السائغ ولو مع غيبة الامام (عليه السلام) كما إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الاسلام فهو شهيد يجب ان يعمل به ما تضمنته هذه الاخبار، ونقل عن الشيخين (نور الله مرقديهما) تقييد ذلك بما إذا كان مع الامام أو نائبه وتبعهما على ذلك اكثر فيها قتله في سبيل الله كما في صحيحتي ابان أو بين الصفين كما في رواية ابي خالد أو في المعركة كما في الفقه الرضوي، وبما ذكرناه صرح المحقق في المعتبر حيث قال بعد اختياره ما اخترناه ونقل قول الشيخين وايراد بعض اخبار المسألة - ما لفظه: " فاشتراط ما ذكره الشيخان زيادة لم تعلم من النص " وهو حسن وبنحو ذلك صرح الشهيدان ايضا، ولا خلاف في انه لا يشمل غير هؤلاء ممن اطلقت الشهادة عليه.

(الثاني) - انه قد ذكر جملة من الاصحاب بانه قد اطلقت الشهادة في الاخبار على المقتول دون اهله وماله وعلى المبطون والغريق وغيرهم والمراد به هنا ما هو اخص من ذلك. اقول: الظاهر ان هذا التنبيه هنا مما لا حاجة إليه لان مورد هذه الاخبار القتيل في سبيل الله والقتيل بين الصفين وفي المعركة ونحو ذلك مما يختص بالفردين المتقدمين اعني ما ذكره الشيخان ومن تبعهما من المقتول في معركة الامام أو نائبه وما ذكره في المعتبر من المجاهدين لمن دهم بلاد الاسلام، والتعبير بالشهيد وان وقع في بعض الاخبار إلا ان قرينة سياق باقي الخبر ظاهرة في كونه في الحرب كالامر بنزع تلك الاشياء عنه إلا ان يصيبها


[ 416 ]

الدم ونحو ذلك. نعم هذا التنبيه يصلح بالنسبة الى عبائر الاصحاب حيث انهم انما يعبرون في هذه المسألة بالشهيد.

(الثالث) - المفهوم من كلام الاصحاب اناطة الفرق في الشهيد بين وجوب تغسيله وعدمه بالموت في المعركة وعدمه فان مات في المعركة فلا غسل وان مات خارج المعركة غسل كغيره، والمفهوم من الروايات المذكورة اناطة الفرق بادراكه وبه رمق وعدمه فان ادرك وبه رمق غسل وإلا فلا وهو اعم من ان يكون في معركة الحرب ام خارجها، وعلى هذا فلو ادرك في المعركة وبه رمق ثم مات بعد ذلك فمقتضى الاخبار انه يغسل لصدق ادراكه وبه رمق وعلى كلام الاصحاب لا يغسل لصدق موته في المعركة والجمع بين الاخبار وكلامهم (رضوان الله عليهم) لا يخلو من اشكال.

(الرابع) - اختلف الاصحاب فيما يدفن مع الشهيد المذكور من لباسه، فقال الشيخ يدفن معه جميع ما عليه الا الخفين، وقد روى انه إذا اصابهما الدم دفنا معه وقال في الخلاف يدفن بثيابه ولا ينزع منه إلا الجلود. وقال الشيخ المفيد يدفن بثيابه التي قتل فيها وينزع عنه من جملتها السراويل إلا ان يكون اصابه دم فلا ينزع عنه ويدفن معه وكذلك ينزع عنه الفرو والقلنسوة وان اصابهما دم دفنا معه وينزع عنه الخف على كل حال. وقال ابن بابويه في رسالته لا ينزع عنه شئ من ثيابه إلا الخف والفرو والمنطقة والقلنسوة والعمامة والسراويل وان اصاب شيئا من ثيابه دم لم ينزع عنه شئ. وقال ابن الجنيد ينزع عنه الجلود والحديد والفرو والمنسوج مع غيره ويخلع عنه السراويل إلا ان يكون فيه دم. وقال سلار لا ينزع عنه إلا سراويله وخفه وقلنسوته ما لم يصب شيئا منها دم فان اصابها دم دفنت معه ولم تنزع. وقال ابن ادريس يدفن معه ما يطلق عليه اسم الثياب سواء اصابها دم أو لم يصبها، فاما غير الثياب فان كان سلاحا لم يدفن وان اصابه الدم وان كان غيره وهو الفرو والقلنسوة والخف فان اصاب شيئا من ذلك دمه فقد اختلف قول اصحابنا فيه فبعض ينزعه وان كان قد اصابه دمه وبعض لا ينزعه إلا ان


[ 417 ]

يكون ما اصابه دمه فاما ان كان اصابه دمه فلا ينزعه. قال وهذا الذي يقوى عندي. والمشهور بين المتأخرين هو دفنه بثيابه مطلقا اصابها الدم أو لم يصبها. واما الجلود ونحوها من السلاح فانها تنزع اصابها الدم أو لم يصبها لعدم صدق الثياب عليها فلا تدخل في النصوص الدالة على انه يدفن بثيابه ويكون دفنها معه تضييعا. ودعوى اطلاق الثوب على الجلود ممنوعة بان المعهود عرفا هو المنسوج فينصرف إليه الاطلاق. اقول: لا يخفى ان صحيحتي ابان (1) قد دلتا على انه يدفن بثيابه ونحوهما صحيحة زرارة واسماعيل بن جابر (2) ورواية ابي مريم (3) وموثقة عمار (4) وعبارة الفقه الرضوي (5) وهي مطلقة في اصابة الدم وعدمه وشاملة للسراويل وغيرها، واستثناء السراويل منها إلا إذا اصابه الدم - كما ذكره شيخنا المفيد والشيخ علي بن بابويه وسلار - لا اعرف عليه دليلا إلا رواية عمرو بن خالد الاولى (6) وقد اشتملت ايضا على الجلود وانها تنزع إلا ان يكون اصابها الدم، والمتأخرون حيث قصروا الحكم على الثياب ردوا هذه الرواية بضعف السند ولم يعملوا بها، ومثلها في ذلك كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي، والظاهر انه هو مستند الشيخ علي بن بابويه إلا ان عبارة كتاب الفقه خالية من استثناء السراويل ولعله سقط من نسخة الكتاب الذي عندي فانها كثيرة الغلط لما عرفت وستعرف من ان رسالة الشيخ علي بن بابويه انما اخذ جلها من الكتاب المذكور، وبالجملة فالقول بمضمون الخبرين المذكورين في الجلود غير بعيد حيث لا معارض لهما، واما بالنسبة الى السراويل كما دلت عليه رواية عمرو بن خالد فالظاهر العمل في ذلك بالاخبار الكثيرة الدالة على الدفن بثيابه اصابها الدم أو لم يصبها الشامل ذلك للسراويل وغيرها، بل ظاهر كلامه في كتاب الفقه الدفن في السراويل لقوله (عليه السلام) بعد ان صرح اولا انه لا يترك عليه شئ معقود: " وتحل تكته " والتكة انما هي في السروايل فهو ظاهر في الدفن فيها بعد حل التكة..

 


(1) و (2) و (3) ص 413 (4) و (5) و (6) ص 414


[ 418 ]

(الخامس) - المشهور بين الاصحاب انه لا فرق في سقوط الغسل عن الشهيد بين كونه جنبا أو غيره لاطلاق الاخبار المتقدمة أو عمومها، وعن ابن الجنيد انه يغسل ونسب هذا القول الى السيد المرتضى (رضي الله عنه) في شرح الرسالة محتجا باخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بغسل الملائكة حنظلة بن الراهب لمكان خروجه جنبا. واجيب عنه بان تكليف الملائكة بذلك لا يدل على تكليفنا. وربما استدل له ايضا بخبر العيص عن الصادق (عليه السلام) (1): " في الجنب يموت يغسل من الجنابة ثم يغسل بعد غسل الميت " واجيب عنه بانه لا دلالة فيه على محل النزاع فلا يعارض به اطلاق الاخبار المتقدمة أو عمومها مع انه معارض بجملة من الاخبار الدالة على التداخل في الاغسال كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محلها، ومنها - صحيحة زرارة (2) قال: " قلت له ميت مات وهو جنب كيف يغسل وما يجزيه من الماء ؟ قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك عنه لجنابته ولغسل الميت لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة " وسيأتي بيان القول في خبر العيص ان شاء الله تعالى في الموضع المشار إليه.

(السادس) - اطلاق الاخبار المتقدمة يقتضى عدم الفرق في الشهيد الذي لا يغسل ولا يكفن بين الصغير والكبير ولا الرجل والمرأة ولا الحر والعبد ولا المقتول بالحديد أو الخشب أو الصدم أو اللطم ولا بين من عاد سلاحه عليه فقتله وغيره، كل ذلك عملا بالاطلاق المذكور، قيل انه كان في قتلى بدر وأحد اطفال كحارثة بن النعمان وعمرو بن ابي وقاص وقتل في الطف مع الحسين (عليه السلام) ولده المرضع ولم ينقل في ذلك كله غسل وروى (3): " ان رجلا اصاب نفسه بالسيف فلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثيابه ودمائه وصلى عليه فقالوا يا رسول الله أشهيد هو ؟ قال نعم وانا له شهيد " وبالجملة كل موجود في المعركة ميتا وفيه اثر القتل، وانما وقع الخلاف في من وجد كذلك خاليا من اثر القتل فحكم العلامة وجماعة - وقبلهم الشيخ وجمع ممن تبعه


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب غسل الميت (3) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 21 رقم 2539


[ 419 ]

بل الظاهر انه هو المشهور - بكونه شهيدا ايضا عملا بالظاهر ولان القتل لا يستلزم ظهور الاثر، وقيل ليس بشهيد للشك في الشرط واصالة وجوب الغسل، ونسب الى ابن الجنيد وظاهر الشهيدين في الذكرى والروض التوقف حيث اقتصرا على نقل الخلاف، وهو جيد لعدم النص في المسالة إلا ان مذهب ابن الجنيد هو الاوفق بالقواعد الشرعية.

(السابع) - صرح جملة من الاصحاب بان عدم تكفين الشهيد كما ورد مشروط ببقاء ثيابه عليه كما تدل عليه الاخبار من قولهم: " يدفن بثيابه " وإلا فلو جرد وجب تكفينه واستدل على ذلك بصحيحة ابان بن تغلب الاولى (1) الدالة على ان النبي (صلى الله عليه وآله) كفن عمه حمزة لانه كان قد جرد. وما ذكروه جيد إلا ان الرواية المذكورة لا تخلو من الاشكال لدلالة ما عداها من اخبار حمزة على انه دفن بثيابه كما في صحيحة زرارة واسماعيل بن جابر (2) وان تضمنت ان النبي (صلى الله عليه وآله) رداه بردائه ونحوها رواية ابي مريم، ولعل وجه الجمع بين الجميع حمل صحيحة ابان على انه جرد من بعض اثوابه فجعل (صلى الله عليه وآله) الرداء الذي تضمنه الحديث الآخر قائما مقام ما جرد منه وتممه بالاذخر كما في الخبر.

(الثامن) - ما تضمنه حديث عمار (3) - من ان امير المؤمنين (عليه السلام) لم يصل على عمار ولا على هاشم المرقال - قد رده الاصحاب لمخالفته للاجماع من وجوب الصلاة على الشهيد والاخبار الدالة على ذلك وقد تقدم كلام الصدوق في ذلك، وحمله الشيخ (رحمه الله) على وهم الراوي اولا ثم قال: ويجوز ان يكون الوجه فيه ان العامة تروي ذلك عن علي (عليه السلام) فخرج هذا موافقا لهم وجزم في موضع آخر بحمله على التقية (4) وهو جيد. وقد روى في قرب الاسناد عن ابي البختري وهب بن وهب


(1) و (2) ص 413 (3) ص 414 (4) في المبسوط للسرخسي ج 2 ص 49 " إذا قتل الشهيد في المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه عند الشافعي " وفى المغنى ج 2 ص 528 " إذا مات في المعترك لا يغسل رواية


[ 420 ]

عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) لم يغسل عمار عن ياسر ولا عتبة يوم صفين ودفنهما في ثيابهما وصلى عليهما ".

(التاسع) - ما تضمنه خبر عمرو بن خالد الثاني (2) - من انه إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه... الخ - ظاهر المخالفة لجملة اخبار المسألة ولاتفاق الاصحاب من ان الدفن بثيابه من غير غسل انما هو لمن لم يدرك وبه رمق وإلا فلو ادرك وبه رمق وجب تغسيله كغيره وحمله الاصحاب على التقية لموافقته للعامة (3) وهو جيد.

(العاشر) ما تضمنه خبر عمرو بن خالد الاول (4) وكذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه (5) - من الامر بحل ما كان معقودا عليه من اللباس الذي عليه كالسراويل والخف على تقدير القول بدفنه فيه ونحوهما - مما لم يتعرض له الاصحاب في هذا المقام فيما اعلم، ويجب العمل بذلك لدلالة الخبرين المذكورين من غير معارض في البين.

 


واحدة وهو قول اكثر اهل العلم ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب واما الصلاة عليه فالصحيح لا يصلى عليه وهو قول مالك والشافعي واسحاق وعن احمد رواية انه يصلى عليه اختارها الخلال وهو قول الثوري وابى حنيفة وفى هذه الرواية اشارة الى ان الصلاة مستحبة لا واجبة ". (1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب غسل الميت (2) و (4) و (5) ص 414 (3) في المغنى ج 2 ص 532 " ان حمل وبه رمق أي حياة مستقرة فيغسل ويصلى عليه وان كان شهيدا فان سعد بن معاذ غسل وصلى عليه، وقال مالك ان اكل أو شرب أو بقى يومين أو ثلاثة غسل وصلى عليه، وقال احمد ان تكلم أو اكل أو شرب صلى عليه، وقال إذا بقى المجروح في المعركة يوما الى الليل ومات يصلى عليه، وقال اصحاب الشافعي ان مات حال الحرق لم يغسل ولم يصل عليه والا فلا " وفى المبسوط للسرخسي ج 2 ص 51 " فان حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته أو على ايدى الرجال غسل لانه صار مرتثا وقد ورد الاثر بغسل المرتث "


[ 421 ]

(الحادي عشر) - ما تضمنه كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه من حكم من قتل في معصية من انه يغسل ويضم رأسه الى عنقه... الى آخره قد ورد ايضا فيما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن العلاء بن سيابة (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن رجل قتل فقطع رأسه في معصية الله تعالى أيغسل ام يفعل به ما يفعل بالشهيد ؟ فقال إذا قتل في معصية الله يغسل اولا منه الدم ثم يصب عليه الماء صبا ولا يدلك جسده ويبدأ باليدين والدبر، وتربط جراحاته بالقطن والخيوط، فإذا وضع عليه القطن عصب وكذلك موضع الرأس يعني الرقبة ويجعل له من القطن شئ كثير ويذر عليه الحنوط ثم يوضع القطن فوق الرقبة وان استطعت ان تعصبه فافعل قلت فان كان الرأس قد بان من الجسد وهو معه كيف يغسل ؟ فقال يغسل الرأس إذا غسل اليدين والسفلة بدأ بالرأس ثم بالجسد ثم يوضع القطن فوق الرقبة ويضم إليه الرأس ويجعل في الكفن، وكذلك إذا صرت الى القبر تناولته مع الجسد وادخلته اللحد ووجهته للقبلة ".

فروع:

(الاول) - من قتله البغاة من اهل العدل لا يغسل ولا يكفن لما تقدم من عدم تغسيل علي (عليه السلام) عمار بن ياسر وعتبة، ومن قتله اهل العدل من البغاة فانه لا يغسل ايضا ولا يكفن لانه عندنا كافر، صرح بذلك الشيخ في المبسوط والخلاف، وعن الشيخ في السير من الخلاف فانه يغسل ويصلى عليه، وهو ضعيف.

(الثاني) - قطاع الطريق يغسلون ويصلى عليهم لان الفسق لا يمنع هذه الاحكام، صرح بذلك في المعتبر.

(الثالث) - لو اشتبه موتى المسلمين بالكفار في غير الشهداء قال في الذكرى: الوجه وجوب تغسيل الجميع لتوقف الواجب عليه. قال: ولو تميز بامارة قوية عمل عليها وحينئذ لو مس احدهم بعد غسله وجب الغسل بمسه لجواز كونه كافرا. ويمكن عدمه للشك في الحدث فلا يرفع يقين الطهارة، اما لو مس الجميع فلا اشكال في الوجوب.


(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب غسل الميت


[ 422 ]

(الرابع) - قال في المعتبر: " لوجد ميت فلم يعلم أمسلم هو ام كافر فان كان في دار الاسلام غسل وكفن وصلى عليه وان كان في دار الكفر فهو بحكم الكافر لان الظاهر انه من اهلها ولو كان فيه علامات المسلمين لانه لا علامة إلا ويشارك فيها بعض اهل الكفر ".

(المسألة الثالثة) - المشهور بين الاصحاب - بل الظاهر انه لا خلاف فيه - انه لو وجد بعض الميت فان كان فيه الصدر أو كان الصدر وحده وجب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وان لم يكن وكان فيه عظم غسل ولف في خرقة ودفن. واطلق العلامة (رحمه الله) في جملة من كتبه ان صدر الميت كالميت في جميع احكامه، وقال في المنتهى: ولو وجد بعض الميت فان كان فيه عظم وجب تغسيله بغير خلاف بين علمائنا ويكفن وان كان صدره صلى عليه، ثم استدل بصحيحة علي بن جعفر الآتية، الى ان قال: أما لو لم يكن فيها عظم فانه لا يجب غسلها وكان حكمها حكم السقط قبل اربعة اشهر وكذا البحث لو ابينت القطعة من حي. انتهى ملخصا. وقال في المعتبر: إذا وجد بعض الميت وفيه الصدر فهو كما لو وجد كله وهو مذهب المفيد في المقنعة، ثم ساق البحث الى ان قال: والذي يظهر لي انه لا تجب الصلاة إلا ان يوجد ما فيه القلب أو الصدر واليدان أو عظام الميت ثم استدل بصحيحة علي بن جعفر الآتية ثم ذكر رواية البزنطي ورواية الفضل بن عثمان الاعور. وقال الشهيد في الذكرى: وما فيه الصدر يغسل لمرفوعة رواها البزنطي، ثم ساق متن الرواية وقال: وهو يستلزم اولوية الغسل، ثم نقل رواية الفضل بن عثمان، وقال بعدها: ولشرف القلب لمحلية العلم والاعتقاد الموجب للنجاة، ثم قال: وكذا عظام الميت تغسل لخبر علي بن جعفر عن اخيه، ثم قال: وكذا تغسل قطعة فيها عظم، ذكره الشيخان واحتج عليه في الخلاف باجماعنا وبتغسيل اهل مكة واليمامة يد عبد الرحمان بن عتات القاها طائر من وقعة الجمل عرفت بنقش خاتمة وكان قاطعها الاشتر ثم قتله فحمل يده عقاب أو نسر. وقال في المختلف: " إذا وجد بعض الميت


[ 423 ]

فان كان الصدر فحكمه حكم الميت يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه ويدفن " وان كان غيره فان كان فيه عظم غسل وكفن من غير صلاة وان لم يكن فيه عظم لف في خرقة ودفن من غير غسل ولا صلاة هذا هو المشهور بين علمائنا. وقال ابن الجنيد: ولا يصلى على عضو الميت والقتيل إلا ان يكون عضوا تاما بعظامه أو يكون عظما مفردا ويغسل ما كان من ذلك لغير الشهيد كما يغسل بدنه ولم يفصل بين الصدر وغيره. وقال علي ابن بابويه: فان كان الميت اكيل السبع فاغسل ما بقى منه وان لم يبق منه إلا عظام جمعتها وغسلتها وصليت عليها ودفنتها ". اقول: والذي وقت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة: منها - ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به ؟ قال يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن " وزاد في الكافي والتهذيب " وإذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذي فيه القلب " وما رواه في الفقيه عن الفضل بن عثمان الاعور عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (2) في الرجل قتل فيوجد رأسه في قبيلة ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة ؟ قال ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه ". وروى المحقق في المعتبر عن البزنطي في جامعه عن احمد بن محمد بن عيسى عن بعض اصحابنا (3) يرفعه قال: " المقتول إذا قطع اعضاؤه يصلى على العضو الذي فيه القلب ". والروايات باعتبار الصلاة في هذه المسألة كثيرة لكنها على غاية من الاختلاف والاضطراب كما سيأتي البحث فيها ان شاء الله تعالى في كتاب الصلاة، والاصحاب اوردوا منها ههنا هذه الروايات الثلاث، وتقريب الاستدلال عندهم فيما عدا صدر


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب صلاة الجنازة


[ 424 ]

صحيحة علي بن جعفر من هذه الاخبار انها دلت على وجوب الصلاة على الصدر والعضو الذي فيه القلب، ووجوب الصلاة مستلزم لوجوب الغسل بطريق اولى كما يفهم من عبارة الذكرى المتقدمة. ولا يخلو من الاشكال سيما بناء على ما يفهم من ظاهر صحيحة علي بن جعفر على رواية الشيخين المشار اليهما آنفا، من دلالة صدرها على وجوب الغسل والتكفين والصلاة والدفن بالنسبة الى عظام الميت الخالية من اللحم من حيث انها مجموع بدن الميت كما تفيده اضافة الجمع، ودلالة عجزها بالنسبة الى النصف الذي فيه القلب على الصلاة خاصة ولم يتعرض لذكر الغسل ولا التكفين، والدفن وان لم يذكر إلا انه يفهم من ادلة اخر، والى ما ذكرناه اشار في المدارك ايضا فقال بعد نقل رواية الفضل بن عثمان ومرفوعة احمد بن محمد بن عيسى: " وهاتان الروايتان مع ضعف سندهما انما تدلان على وجوب الصلاة على الصدر واليدين والعضو الذي فيه القلب خاصة واستلزام ذلك وجوب الغسل والتكفين ممنوع " انتهى. نعم وجوب الصلاة خاصة من غير غسل ولا تكفين لا يخلو من استبعاد بالنسبة الى القواعد الشرعية. وبالجملة فانى لم اقف في الاخبار على ما يتضمن الامر بالغسل في هذه المسألة إلا على صحيحة علي بن جعفر المتقدمة ونحوها في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1): " وان كان الميت اكله السبع فاغسل ما بقى منه وان لم يبق منه إلا عظام جمعتها وغسلتها وصليت عليها ودفنتها " وما تقدم نقله عن علي بن بابويه عين عبارة كتاب الفقه وهو مصداق ما ذكرناه في غير موضع من اعتماد الصدوقين على هذا الكتاب واخذ عبائره والافتاء بها، وظاهر صدر هذه العبارة هو غسل ما يبقى منه بعد أكل السبع كائنا ما كان وظاهر عجزها الصلاة على عظامه كما في صحيحة علي بن جعفر، ويحمل على العظام كملا كما يستفاد من تلك الصحيحة بحمل قوله: " وان لم يبق منه الا عظام " على ارادة اكل اللحم خاصة وبقاء العظام، فيكون متفقا مع تلك الصحيحة على وجوب تلك


(1) ص 18


[ 425 ]

الاحكام في عظام الميت كملا، وهذا اقصى ما يمكن الحكم به من الاحكام المذكورة مضافا الى اتفاق الاصحاب في هذه الصورة وما ذكر من حكم الصدر أو القلب، فلا ريب ان كلام الاصحاب هو الاوفق بالاحتياط وان كان في استنباطه من الاخبار المذكورة نوع غموض وخفاء سيما مع اختلافها فيما يصلى عليه من الميت. ولو جعل الغسل تابعا للصلاة وحاصلا من الامر بها بطريق الاولوية كما ذكره شيخنا الشهيد لا شكل عليهم ذلك في العظم المجرد كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا قتل قتيل فلم يوجد إلا لحم بلا عظم لم يصل عليه وان وجد عظم بلا لحم صلى عليه " فان ظاهرها الصلاة على العظم المجرد ويلزم منه وجوب غسله مع انه لا قائل بشئ منهما فيه، إلا انه يمكن تأويل هذه الرواية بارجاعها الى ما دلت عليه صحيحة علي بن جعفر من العظام كملا بان يكون المعنى انه ان كان الموجود من هذا القتيل بعد قتله جميع لحمه إلا انه لا عظم فيه فانه لا يصلى عليه وان وجدت عظامه خالية من اللحم صلي عليها، ولا بعد فيه إلا من حيث اطلاق العظم وارادة المجموع ومثله في باب المجاز اوسع من ان ينكر، وسيجئ تحقيق الكلام في هذه الروايات ان شاء الله تعالى في محله من كتاب الصلاة، قال في الذكرى: " ويلوح ما ذكره الشيخان من خير علي ابن جعفر لصدق العظام على التامة والناقصة " ورد بان ظاهر الرواية ان الباقي جميع عظام الميت لان اضافة الجمع يفيد العموم، على انه لو سلم تناولها للناقصة لم يتم الاستدلال بها على ما ذكره الشيخان لتضمنها وجوب الصلاة مع تصريحهما بنفيها. بقى ان ما ذكره العلامة (قدس سره) من ان الصدر كالميت في جميع احكامه مع الاغماض عن المناقشة التي قدمنا ذكرها، فانه يشكل في وجوب الحنوط: (اولا) من حيث عدم الدلالة على هذه الكلية والتصريح بذلك انما وقع في كلامهم لا في النصوص كما عرفت وهي انما اشتملت هنا على الامر بالصلاة ولكنهم الحقوا بها


(1) المروية في الوسائل في الباب 38 من ابواب صلاة الجنازة


[ 426 ]

الغسل لزوما بطريق الاولوية وكذلك التكفين. و (ثانيا) - بعدم وجود محله، ومن ثم قال الشهيد (رحمه الله) في بعض تحقيقاته على ما نقل عنه على الاشكال في التحنيط: " ان كانت محال الحنوط موجودة فلا اشكال في الوجوب وان لم تكن موجودة فلا اشكال في العدم " وهو جيد. هذا كله بالنسبة الى ما عدا القطعة ذات العظم من حي أو ميت واما بالنسبة إليها كما ذكروه من ايجاب الغسل فيها فانه قد رده جملة من متأخرى المتأخرين بعدم الدليل عليه من الاخبار، قال في المدارك بعد نقل القول بذلك عن الشيخين واتباعهما: " واحتج عليه في الخلاف باجماع الفرقة واعترف جمع من الاصحاب بعدم الوقوف في ذلك على نص لكن قال جدي ان نقل الاجماع من الشيخ كاف في ثبوت الحكم بل ربما كان اقوى من النص، وهو مناف لما صرح به في عدة مواضع من التشنيع على مثل هذا الاجماع والمبالغة، وقد تقدم منا البحث في ذلك مرارا. انتهى " اقول: فيه ايضا ان ما اعترض به على جده وارد عليه حيث انه في غير موضع وافق الاصحاب على هذا الاجماع وان نازعهم في مواضع اخر. وبالجملة فالظاهر انه لا دليل لهم على ذلك إلا الاجماع. وربما استدل على ذلك بكونها بعضا من جملة يجب تغسيلها حين الاتصال فيجب بعده عملا بالاستصحاب. وفيه - مع كونه لا يجري في القطعة المبانة من الحي والمدعى اعم منه - انه لو تم ذلك للزم منه وجوب تغسيل غير ذات العظم بل العظم المجرد ولا قائل به، وقد تقدم في فصل غسل (1) المس ما يتعلق بهذه المسألة من حيث ايجاب الغسل بمس القطعة المبانة من حي أو ميت. وقد خطر هنا الآن شئ بالبال مما يمكن الاحتجاج به والاستدلال في المسألتين المذكورتين، وذلك بان يقال انه قد روى المشايخ الثلاثة عن ايوب بن نوح في الصحيح عن بعض اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا قطع من الرجل قطعة


(1) ص 341 (2) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل مس الميت


[ 427 ]

فهي ميتة فإذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " والتقريب فيه ان يقال ان المراد بالميتة هنا ميتة الانسان لا مطلق الميتة ليتم تفريع قوله: " فإذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم... الى آخر الخبر " وإذا ثبت اطلاق اسم ميتة الانسان على القطعة المذكورة شرعا ثبت لها الاحكام المتعلقة بميت الانسان من التغسيل والتحنيط والتكفين والدفن وغير ذلك إلا ما اخرجه الدليل والاقتصار هنا على تفريع وجوب غسل المس لا يوجب نفى ما سواه من الاحكام، ولعل تخصيصه بالذكر لانه اخفى في الحكم وفرع في الوجوب على وجوب غسل الميت لانه ورد في الاخبار معلقا على من مس أو غسل ميتا من الناس بالشرطين المشهورين، فهو مشروط بتحقق الميت من الناس وعند تحققه يجب تغسيله فيجب الغسل على مغسله، ومرجع ذلك الى دعوى لزوم وجوب غسل المس لوجوب غسل الميت وكونه فرعا في الوجود عليه كما هو ظاهر الاخبار وكلام الاصحاب فكلما وجب الغسل بالموت وجب الغسل بالمس، فايجاب غسل المس في الرواية للقطعة ذات العظم كاشف عن كونها مما يجب تغسيلها تحقيقا للملازمة، ومنه يظهر وجوب التغسيل في الصدر ونحوه. وبالجملة فالاحتياط في امثال هذه المقامات جيد وسبيله واضح. وظاهر الاكثر انه لا فرق في القطعة المبانة ذات العظم بين كونها من حي أو ميت، وقطع في المعتبر بدفن المبانة من حي من غير غسل مستندا الى انها من جملة لا تغسل ولا يصلى عليها. واجاب عن ذلك في الذكرى بان الجملة لم يحصل فيها الموت بخلاف القطعة. اقول: انت خبير بان رواية ايوب بن نوح المذكورة مطلقة في القطعة المذكورة التي يجب بمسها الغسل المترتب ذلك على وجوب غسلها كما عرفت، ومنه يظهر قوة القول المشهور. ولو خلت القطعة من العظم فلا غسل ولا كفن ولا صلاة اتفاقا، واوجب سلار لفها في خرقة ودفنها ولم يذكره الشيخان، وصرح في المعتبر بعدم وجوب اللف للاصل.


[ 428 ]

(المسألة الرابعة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان من وجب عليه القتل يؤمر بالاغتسال والتحنيط والتكفين ثم يقام عليه الحد ولا يغسل بعد ذلك، قال في الذكرى: " ولا نعلم فيه مخالفا من الاصحاب ". اقول: ويدل عليه ما رواه في الكافي عن مسمع كردين عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " المرجوم والمرجومة يغتسلان ويتحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان ويصلى عليهما، والمقتص منه بمنزلة ذلك يغتسل ويتحنط ويلبس الكفن ثم يقاد ويصلى عليه " ورواه الصدوق عن امير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا. وقال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (2): " وان كان الميت مرجوما بدئ بغسله وتحنيطه وتكفينه ثم يرجم بعد ذلك وكذلك القاتل إذا اريد قتله قودا ". اقول: قد قدمنا في فصل غسل المس (3) ما في هذه المسألة من الاشكال ولولا اتفاق الاصحاب قديما وحديثا على الحكم المذكور لامكن المناقشة فيه لخروجه عن مقتضى القواعد الشرعية والاصول المرعية كما تقدم التنبيه عليه.

تنبيهات:

(الاول) - هل يختص الحكم المذكور بزنا أو قود كما هو مورد الخبرين أو يشمل كل من وجب قتله ؟ ظاهر الاصحاب الثاني وبه صرح في الذكرى للمشاركة في السبب. والاظهر الاول قصرا للحكم المخالف للاصول - كما عرفت - على مورده.

(الثاني) - قد عبر الاصحاب في هذه المسألة بانه يؤمر من وجب عليه الحد بالاغتسال والتحنيط والتكفين، قالوا: والآمر هو الامام أو نائبه. وانت خبير بان الخبر الذي هو مستند الحكم عندهم خال من ذلك وكذا الخبر الذي نقلناه وانما ظاهرهما وجوب ذلك على المرجوم والمقتص منه، نعم يمكن تخصيص الامر بما إذا كان جاهلا بذلك فيؤمر به وإلا فانه لا نعلم لهم مستندا لهذا الاطلاق.


(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب غسل الميت (2) ص 19 (3) ص 332


[ 429 ]

(الثالث) - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض " وفى تحتمه عليه أو التخيير بينه وبين غسله بعد الموت لقيامه مقامه نظر، هذا بالنسبة الى الآمر اما المأمور فيجب عليه امتثال الامر ان وجد " اقول: قد عرفت ان النص خال من الامر وان وجد ذلك في كلامهم. بقي الكلام في دلالة الخبر على تقديمه الغسل هل هو عزيمة أو رخصة ؟ وجهان اقربهما الثاني ولعله احوطهما ايضا لما عرفت آنفا.

(الرابع) - الظاهر من الخبرين المتقدمين هو كون هذا الغسل الذي يقدمه مشتملا على الغسلات الثلاث وانه غسل الاموات قد امر بتقديمه وان كان حيا بدليل التحنيط والتكفين بعده، واحتمل في الروض الاكتفاء بغسل واحد. لكونه حيا وذلك الغسل مخصوص بالاموات ولان الامر لا يقتضي التكرار وانما لم يغسل بعد ذلك للامتثال. والظاهر بعده.

(الخامس) - هل يدخل تحت هذا الغسل مع تقديمه شئ من الاغسال ويحصل به التداخل كما في سائر الاغسال الواجبة ام لا ؟ جزم في الروض بالثاني قال: " اما عدم دخولها تحته فلعدم نية الرفع أو الاستباحة فيه واما عدم دخوله تحتها فللمغايرة كيفية وحكما " وتردد الشهيد في الذكرى لظاهر الاخبار الدالة على الاجتزاء بغسل واحد كخبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1): " في الميت جنبا يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت " ولانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة. وقيل عليه ان الظاهر ان الخبر ليس من هذا في شئ ويمنع اجتماع الحرمتين لاصالة عدم تداخل المسببات مع اختلاف الاسباب، وتداخلها في بعض المواضع لنص خاص. اقول: والمسألة محل توقف لاشتباه الحكم فيها.

(السادس) - لو سبق موته قتله أو قتل بسبب آخر لم يسقط الغسل قطعا سواء بقى السبب الاول كالقصاص مع ثبوت الرجم ام لا كما لو عفى عن القود لانه سبب


(1) الوسائل الباب 3 من غسل الميت والتعليل من الخبر كما في الذكرى وكتب الحديث


[ 430 ]

جديد، وقوفا على ظاهر النص لان الحكم - كما عرفت - خارج عن مقتضى الاصول فيقتصر فيه على مورد النص.

(السابع) - قالوا: ولا يجب الغسل بعد موته لقيام الغسل المتقدم مقام الغسل المتأخر عن الموت لاعتبار ما يعتبر فيه، ولا يرد لزوم سبق التطهير على النجاسة لان المعتبر امر الشارع بالغسل وحكمه بالطهر بعده وقد وجد الامران، وليست نجاسة الميت بسبب الموت عينية محضة وإلا لم يطهر، فعلم من ذلك ان تقديم الغسل يمنع من الحكم بنجاسته بعد الموت لسقوط غسله بعده وما ذاك إلا لعدم النجاسة. اقول: لا ريب في صحة هذا الكلام بعد ثبوت النص والقول بما دل عليه. إلا انه مشكل لما قدمنا سابقا في بحث غسل المس من ان هذه الرواية معارضة بجملة من الاخبار الصحيحة الصريحة في مواضع عديدة فلا تبلغ قوة في تخصيصها ولكن اجماعهم على الحكم المذكور قديما وحديثا سد النزاع فيه، إلا انه روى في الكافي (1) عن البرقي رفعه الى امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " اتاه رجل بالكوقة فقال يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني.. " ثم ساق الخبر في حكاية رجمه وانه رجمه امير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) فمات الرجل قال: " فاخرجه امير المؤمنين وامر فحفر له وصلى عليه فدفنه فقيل يا امير المؤمنين ألا تغسله ؟ فقال قد اغتسل بما هو طاهر الى يوم القيامة ولقد صبر على امر عظيم " فانه ظاهر في عدم وجوب الغسل بعد الرجم، إلا ان الخبر غير خال من الاشكال حيث ان ظاهره ان الرجل لم يغتسل قبل الرجم ومع هذا دفنه (عليه السلام) بغير غسل، قال شيخنا المجلسي في تعليقاته على الكافي على هذا الخبر: " المشهور بين الاصحاب وجوب تغسيل المرجوم ان لم يغتسل قبل الرجم ولعله (عليه السلام) امره بالغسل قبل الرجم وان كان ظاهر التعليل عدمه. والله يعلم " وبالجملة فالخبر المذكور خارج عن مقتضى الاصول مضافا الى ضعف سنده فلا اعتماد عليه، والمرجع انما هو


(1) ص 289


[ 431 ]

ما اشرنا إليه من اتفاقهم على الحكم قديما وحديثا ويخرج الخبران المتقدمان شاهدين على ذلك. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - المشهور بين الاصحاب ان المحرم إذا مات كالمحل إلا انه لا يقرب بالكافور، صرح به الشيخان واتباعهما، وعن ابن ابي عقيل والمرتضى في شرح الرسالة انه لا يغطى رأسه ولا يقرب بالكافور. ويدل على المشهور روايات: منها - ما رواه في الكافي عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يموت كيف يصنع به ؟ قال ان عبد الرحمان بن الحسن مات بالابواء مع الحسين (عليه السلام) وهو محرم ومع الحسين عبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وصنع به كما يصنع بالميت وغطى وجهه ولم يمسه طيبا قال وذلك كان في كتاب علي (عليه السلام) ". وما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق (2) قال: " سألته عن المحرم يموت ؟ فقال يغسل ويكفن بالثياب كلها ويغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالمحل غير انه لا يمس الطيب " ورواه الكليني مثله إلا انه اسقط " ويغطى وجهه ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يموت كيف يصنع به ؟ فحدثني ان عبد الرحمان بن الحسن مات بالابواء مع الحسين بن علي (عليهما السلام) وهو محرم ومع الحسين عبد الله ابن العباس وعبد الله بن جعفر فصنع به كما يصنع بالميت وغطى وجهه ولم يمسه طيبا، قال وذلك في كتاب علي (عليه السلام) ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن المحرم إذا مات كيف يصنع به ؟ قال يغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالحلال غير انه لا يقربه طيبا " وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر والصادق (عليهما السلام) مثله (5).


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب غسل الميت


[ 432 ]

وما رواه في الكافي عن ابي مريم في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " توفي عبد الرحمان بن الحسن بن علي بالابواء وهو محرم ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله وعبيدالله ابنا العباس فكفنوه وخمروا وجهه ورأسه ولم يحنطوه، وقال هكذا في كتاب علي (عليه السلام) ". وعن ابن ابي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) " في المحرم يموت ؟ قال يغسل ويكفن ويغطى وجهه ولا يحنط ولا يمس شيئا من الطيب ". وهذه الاخبار كلها - كما ترى - ظاهرة الدلالة على القول المشهور، ونقل المحقق في المعتبر عن المرتضى انه احتج بما روى عن ابن عباس (3) " ان محرما وقصت به ناقته فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) قال اغسلوه بماء وسدر وكفنوه ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فانه يحشر يوم القيامة ملبيا " وفي المختلف عن ابن ابي عقيل انه احتج بان تغطية الرأس والوجه مع تحريم الطيب مما لا يجتمعان والثاني ثابت فالاول منتف، ثم اطال في بيان هذه المقدمة. ولا يخفى ما في هذين التعليلين العليلين من الضعف سيما في مقابلة النصوص المذكورة، وليت شعري كأنهما لم يقفا على هذه النصوص ولم يراجعاها وإلا فالخروج عنها الى هذه الحجج الواهية لا يلتزمه محصل.

وفي المقام فوائد:

(الاولى) - لا فرق في هذا الحكم بين احرام الحج والعمرة مفردة كانت أو متمتعا بها الى الحج، كل ذلك للعموم ولا بين كون موته قبل الحلق والتقصير أو بعده قبل طواف الزيارة لان تحريم الطيب انما يزول به. اما لو وقع الموت بعد الطواف ففي تحريمه عليه اشكال من صدق اطلاق المحرم عليه ومن حل الطيب له حيا فهنا اولى، وبالثاني صرح العلامة في النهاية، والمسألة محل توقف وان كان


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب غسل الميت (3) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب الكفن في ثوبين وباب الحنوط وباب كيف يكفن المحرم ؟ ورواه مسلم في صحيحه ج 1 ص 457. وفى الجميع الامر بالتكفين في ثوبين.


[ 433 ]

ما اختاره في النهاية لا يخلو من قرب.

(الثانية) - لا يلحق بالمحرم في هذا الحكم المعتدة عدة الوفاة والمعتكف من حيث تحريم الطيب عليهما حيين، لعدم الدليل على ذلك وبطلان القياس عندنا.

(الثالثة) - الظاهر ان حكم الاعضاء التي يجب تغسيلها من الصدر والقلب ونحوهما حكم جميع البدن فيما ذكر. وعن الشيخ في النهاية والمبسوط انه قطع بتحنيط ما فيه عظم، قال وان كان موضع الصدر صلى عليه ايضا.

(المقام الثالث) - في الغسل وفيه فضل عظيم، فعن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " ايما مؤمن غسل مؤمنا فقال إذا قلبه: " اللهم ان هذا بدن عبدك المؤمن قد اخرجت روحه منه وفرقت بينهما فعفوك عفوك " إلا غفر الله له ذنوب سنة إلا الكبائر " وعنه (عليه السلام) (2) قال: " من غسل ميتا مؤمنا فادى فيه الامانة غفر الله له. قيل وكيف يؤدي فيه الامانة ؟ قال لا يخبر بما يرى، وحده الى ان يدفن الميت " هكذا رواه في الفقيه واحتمل بعض المحدثين ان قوله: " وحده الى ان يدفن الميت " من كلام الصدوق والمراد منه اخفاء ما يراه الى ان يدفن. وعن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ما من مؤمن يغسل مؤمنا ويقول وهو يغسله: " رب عفوك عفوك " إلا عفا الله تعالى عنه " وعن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " كان فيما ناجى الله تعالى به موسى قال يا رب ما لمن غسل الموتى ؟ فقال اغسله من ذنوبه كما ولدته امه " وعن الصادق (عليه السلام) (5): " من غسل ميتا فستر وكتم خرج من الذنوب كيوم ولدته امه " وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبة طويلة (6) " من غسل ميتا فادى فيه الامانة كان له بكل شعرة منه عتق رقبة ورفع له مائة درجة. قيل يا رسول الله وكيف يؤدي فيه الامانة ؟ قال يستر عورته ويستر شينه وان لم يستر عورته ويستر شينه حبط اجره وكشفت


(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب غسل الميت. (2) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب غسل الميت


[ 434 ]

عورته في الدنيا والآخرة ".

والبحث في هذا المقام يقع في موضعين:

(الاول) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يجب امام الغسل ازالة النجاسة عن بدنه، فال في المنتهى انه لا خلاف فيه بين العلماء. قال في المعتبر في الاستدلال على ذلك: لان المراد تطهيره وإذا وجب ازالة الحكمية عنه فوجوب ازالة العينية اولى، ولئلا ينجس ماء الغسل بملاقاتها، ولما رواه يونس عنهم (عليهم السلام) (1): " امسح بطنه مسحا رفيقا فان خرج منه شئ فانقه ". وقال في المدارك - بعد قول المصنف: " ويجب ازالة النجاسة اولا " وبعد ان نقل عن العلامة انه لا خلاف فيه بين العلماء - ما لفظه: " ويدل عليه روايات: منها - قوله (عليه السلام) في رواية الكاهلي (2): " ثم ابدأ بفرجه بماء السدر والحرض فاغسله ثلاث غسلات " وفي رواية يونس (3): " واغسل فرجه وانفقه ثم اغسل رأسه بالرغوة " وقد يناقش في هذا الحكم بان اللازم منه طهارة المحل الواحد من نجاسة دون نجاسة وهو غير معقول. ويجاب بعدم الالتفات الى هذا الاستبعاد بعد ثبوت الحكم بالنص والاجماع، أو يقال ان النجاسة العارضة انما تطهر بما يطهر غيرها من النجاسات بخلاف نجاسة الموت فانها تزول بالغسل وان لم يكن مطهرا لغيرها من النجاسات فاعتبر ازالتها اولا ليطهر الميت بالغسل. وفى بعض نسخ الكتاب: ان هذه الاسباب من قبيل المعرفات ولا بعد في رفع نجاسة الموت بالغسل وتوقف غيرها على ما يطهر به سائر النجاسات فيجب ازالتها اولا ليطهر الميت بالغسل ". اقول: فيه (اولا) - انه لا يخفى على من راجع الاخبار الواردة في كيفية غسل الميت ونظر فيها بعين التأمل انه لا اثر لهذا الذي ذكره الاصحاب فيها من انه يجب ازالة النجاسة اولا وان اشتهر ذلك في كلامهم، واستدل السيد السند (قدس سره)


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت.


[ 435 ]

على ذلك هنا بهاتين الروايتين عجيب منه (اما اولا) - فان الماء المذكور فيهما مضاف وهو لا يزيل النجاسة الحبثية ولا يطهرها بلا ريب ولا اشكال لان هذا الماء في الخبرين ماء الغسلة الاولى من الغسلات الثلاث. فان قيل: انهم اشترطوا في الخليطين ان لا يخرج بهما الماء عن الاطلاق. قلنا: نعم ذلك هو المشهور ولكن الذي اختاره السيد المذكور في المسألة - وهو الظاهر من الاخبار - عدم الاشتراط المذكور. و (اما ثانيا) - فان سياق الخبرين المذكورين - وبه صرح جملة من الاصحاب - هو انه يستحب غسل الفرج في كل غسلة من الغسلات بذلك الماء الذي يغسل به بدنه، حيث قال (عليه السلام) في رواية الكاهلي المذكورة (1): " ثم ابداء بفرجه بماء السدر والحرض فاغسله ثلاث غسلات واكثر من الماء وامسح بطنه مسحا رفيقا ثم تحول الى رأسه فابدأ بشقة الايمن، الى ان قال بعد تمام الغسل بالسدر والحرض: ثم رده الى قفاه وابدأ بفرجه بماء الكافور واصنع كما صنعت اول مرة، ثم ساق الكلام الى ان قال في الغسل بالماء القراح: ثم اغسله بماء قراح كما صنعت اولا: بتدأ بالفرج ثم تحول الى الرأس... الحديث " واما رواية يونس (2) فقال (عليه السلام) فيها: " واعمد الى السدر فصيره في طست وصب عليه الماء واضربه بيدك حتى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شئ وصب الآخر في الاجانة التي فيها الماء ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغتسل الانسان من الجنابة الى نصف الذراع ثم اغسل فرجه ونقه ثم اغسل رأسه بالرغوة، وساق الكلام في ذلك الى ان قال في الغسلة الثانية بالكافور: ثم صب الماء في الآنية وألق فيها حبات كافور وافعل به كما فعلت في المرة الاولى: ابدأ بيديه ثم بفرجه، ثم ساق الكلام الى ان قال في الغسلة الثالثة واغسله بماء قراح كما غسلته في المرتين الاولتين... الحديث " ومن الاخبار في ذلك ايضا وان كان مجملا صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) وفيها " تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرات بالسدر ثم سائر جسده وابدأ بشقة الايمن فإذا اردت ان تغسل.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت


[ 436 ]

فرجه فخذ خرقة نظيفة فلفها على يدك اليسرى ثم ادخل يدك من تحت الثوب الذي على فرج الميت فاغسله من غير ان ترى عورته فإذا فرغت من غسله بالسدر... الحديث " وفى رواية عبد الله بن عبيد (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت قال تطرح عليه خرقة ثم يغسل فرجه ويؤضا وضوء الصلاة... الحديث " ورواية حريز (2) قال: " اخبرني أبو عبد الله (عليه السلام) قال: الميت يبدأ بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة وذكر الحديث ". وبالجلمة فالمفهوم من هذه الاخبار ونحوها ان غسل الفرج فيها انما هو من حيث انه من مستحبات الغسل لا من حيث النجاسة. و (ثانيا) - ان ما ذكره في جواب المناقشة المذكورة - من عدم الالتفات الى هذا الاستبعاد بعد ثبوت الحكم بالنص والاجماع - فان فيه ان النص لا وجود له كما عرفت واما الاجماع ففيه ما قدمه قريبا في شرح قول المصنف: " وان لم يكن وكان فيه عظم غسل ولف في خرقة " حيث نقل ثمة اعتراف جمع من الاصحاب بعدم النص على ذلك ونقل عن جده ان الشيخ قد نقل الاجماع على ذلك وهو كاف في ثبوت الحكم، ثم اعترضه بانه مناف لما صرح به في عدة مواضع من التشنيع على مثل هذا الاجماع والمبالغة في انكاره، ثم قال (قدس سره): " وقد تقدم من البحث في ذلك مرارا " فكيف يتم له الاستناد إليه في هذا الحكم أو غيره ؟ نعم الجواب الحق عن ذلك ما اجاب به ثانيا من قوله: " أو يقال ان النجاسة العارضة انما تطهر بما يطهر غيرها... " وتوضحيه انه لا شك ان الاحكام الشرعية من طهارة ونجاسة وحل وحرمة ونحوها موقوفة على التوقيف من الشارع، والمعلوم من الاخبار ان افراد المطهرات متعددة بتعدد النجاسات فربما اشتركت جملة من النجاسات في مطهر واحد كالبول والغائط والدم ونحوها فانما يطهرها الماء وفى الاستنجاء من الغائط ربما طهره الاحجار وربما اختص بعضها بمطهر مخصوص كالشمس والارض والنار ونحوها، والمعلوم من الاخبار ان المطهر لنجاسة الميت الحكمية


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب غسل الميت


[ 437 ]

والعينية انما هو الغسل بالمياه الثلاثة خاصة، فعلى هذا إذا اصاب بدنه غائط أو دم أو بول أو نحوها فانه يجب ازالته اولا بمطهره الذي هو الماء خاصة وان كانت نجاسة الموت بعينها باقية حتى يحصل مطهرها المذكور، إذ لو لم تزل هذه النجاسة أولا لتنجس بها ماء الغسل، ولا ضرورة هنا الى دعوى الاجماع ولا الى شئ من الاخبار كما لا يخفى على من نظر بعين التدبر والاعتبار. واما ما ذكره في المعتبر - من قوله (عليه السلام) في روايه يونس (1): " فان خرج منه شئ فانقه " - فليس فيه دلالة على ما ادعوه من وجوب الازالة قبل الغسل لان هذا الكلام انما هو في الغسلة الثانية بماء الكافور، نعم فيه دلالة على وجوب ازالة النجاسة عنه مطلقا وهو مما لا اشكال فيه كما يدل عليه ايضا ما ورد من وجوب الازالة بعد الغسل. وبالجملة فالاشكال المذكور ضعيف لا وجه له بعد ما عرفت. وقال شيخنا الثاني في الروض: " والاولى الاستناد الى النص وجعله تعبدا ان حكمنا بنجاسة بدن الميت كما هو المشهور وإلا لزم طهارة المحل الواحد من نجاسة دون نجاسة، واما على قول المرتضى فلا اشكال لانه ذهب الى كون بدن الميت ليس بنجس بل الموت عنده من قبيل الاحداث كالجنابة، فحينئذ يجب ازالة النجاسة الملاقية لبدن الميت كما إذا لاقت بدن الجنب " انتهى. وفيه ما عرفت من انه لا اثر لهذا النص المدعى بل ليس إلا الاجماع ان تم، وطهارة المحل الواحد من نجاسة دون اخرى متى اختلفت النجاستان واختلف المطهران مما لا اشكال فيه، فان نجاسة الموت العينية امر سار في جميع البدن لا يرتفع إلا بغسله بالمياه الثلاثة، ونجاسة البول والغائط ونحوهما الواقع في بدن الميت مخصوصة بمحل الملاقاة ومطهرها هو الماء المطلق خاصة، ولا بعد في طهارة البدن من هذه النجاسة العارضية مع بقاء تلك النجاسة السارية في جميع اجزاء البدن حتى يحصل مطهرها. واما ما ذكره - من انه على قول المرتضى لا اشكال


(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت


[ 438 ]

لانه ذهب الى كون بدن الميت ليس بنجس... الخ - فقد اعترضه فيه سبطه في المدارك بان المنقول عن المرتضى عدم وجوب غسل المس لا عدم نجاسة الميت، قال: بل حكى المصنف عنه في المعتبر في شرح الرسالة التصريح بنجاسته، وعن الشيخ في الخلاف انه نقل اجماع الفرقة على ذلك.

(الموضع الثاني) - في كيفية الغسل، وهي مشتملة على الواجب والمندوب والمكروه، ولننقل جملة من اخبار المسألة ثم نذيلها ان شاء الله تعالى ببيان ما اشتملت عليه من الاحكام وما ينكشف به عن الاقسام الثلاثة المشار إليها نقال الابهام. فمنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا اردت غسل الميت فاجعل بينك وبينه ثوبا يستر عنك عورته اما قميص واما غيره ثم تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرات بالسدر ثم سائر جسده وابدأ بشقه الايمن، فإذا اردت ان تغسل فرجه فخذ خرقة نظيفة فلفها على يدك اليسرى ثم ادخل يدك من تحت الثوب الذي على فرج الميت فاغسله من غير ان ترى عورته، فإذا فرغت من غسله بالسدر فاغسله مرة اخرى بماء وكافور وبشئ من حنوطه ثم اغسله بماء بحت غسلة اخرى حتى إذا فرغت من ثلاث غسلات جعلته في ثوب ثم جففته ". وعن الكاهلي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت فقال استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة ثم تلين مفاصله فان امتنعت عليك فدعها، ثم ابدأ بفرجه بماء السدر والحرض فاغسله ثلاث غسلات واكثر من الماء وامسح بطنه مسحا رفيقا، ثم تحول الى رأسه فابدأ بشقه الايمن من لحيته ورأسه ثم تثنى بشقه الايسر من رأسه ولحيته ووجه فاغسله برفق واياك والعنف واغسله غسلا ناعما ثم اضجعه على شقه الايسر ليبدو لك الايمن ثم اغسله من قرنه الى قدمه وامسح يدك على ظهره وبطنه بثلاث غسلات، ثم رده على جنبه الايمن حتى يبدو لك الايسر فاغسله


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت


[ 439 ]

بماء من قرنه الى قدمه وامسح يدك على ظهره وبطنه بثلاث غسلات، ثم رده على قفاه فابدأ بفرجه بماء الكافور فاصنع كما صنعت اول مرة: اغسله بثلاث غسلات بماء الكافور والحرض وامسح يدك على بطنه مسحا رفيقا، ثم تحول الى رأسه فاصنع كما صنعت اولا بلحيته من جانبيه كليهما ورأسه ووجه بماء الكافور ثلاث غسلات، ثم رده الى الجانب الايسر حتى يبدو لك الايمن ثم اغسله من قرنه الى قدمه ثلاث غسلات، وأدخل يدك تحت منكبيه وذراعيه ويكون الذراع والكف مع جنبيه ظاهرة كلما غسلت منه شيئا ادخلت يدك تحت منكبيه وفى باطن ذراعيه، ثم رده على ظهره ثم اغسله بماء قراح كما صنعت اولا: تبدأ بالفرج ثم تحول الى الرأس واللحية والوجه حتى تصنع كما صنعت اولا بماء قراح. ثم اذفره بالخرقة ويكون تحتها القطن تذفره به اذفارا قطنا كثيرا ثم تشد فخذيه على القطن بالخرقة شدا شديدا حتى لا يخاف ان يظهر شئ، واياك ان تقعده أو تغمز بطنه واياك ان تحشو في مسامعه شيئا، فان خفت ان يظهر من المنخر شئ فلا عليك ان تصير ثم قطنا فان لم تخف فلا تجعل فيه شيئا، ولا تخلل اظفاره. وكذلك غسل المرأة ". وعن يونس عنهم (عليهم السلام) (1) قال: " إذا اردت غسل الميت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة، فان كان عليه قميص فاخرج يده من القيمص واجمع قميصه على عورته وارفعه من رجليه الى فوق الركبة وان لم يكن عليه قميص فالق على عورته خرقة، واعمد الى السدر فصيره في طست وصب عليه الماء واضربه بيدك حتى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شئ وصب الآخر في الاجانة التي فيها الماء، ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغتسل الانسان من الجنابة الى نصف الذراع ثم اغسل فرجه ونقه ثم اغسل رأسه بالرغوة وبالغ في ذلك واجتهد ان لا يدخل الماء منخريه ومسامعه، ثم أضجعه على جانبه الايسر وصب الماء من نصف رأسه الى قدمه ثلاث مرات وادلك بدنه دلكا رفيقا وكذلك ظهره وبطنه، ثم أضجعه على جانبه الايمن وافعل به مثل ذلك، ثم صب


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت.


[ 440 ]

ذلك الماء من الاجانة واغسل الاجانة بماء قراح واغسل يديك الى المرفقين، ثم صب الماء في الآنية وألق فيها حبات كافور وافعل به كما فعلت في المرة الاولى: ابدأ بيديه ثم بفرجه وامسح بطنه مسحا رفيقا فان خرج شئ فانقه ثم اغسل رأسه ثم أضجعه على جنبه الايسر واغسل جنبه الايمن وظهره وبطنه ثم أضجعه على جنبه الايمن واغسل جنبه الايسر كما فعلت اول مرة ثم اغسل يديك الى المرفقين والآنية وصب فيها الماء القراح واغسله بالماء القراح كما غسلت في المرتين الاولتين، ثم نشفه بثوب طاهر واعمد الى قطن فذر عليه شيئا من حنوط وضعه على فرجه قبلا ودبرا واحش القطن في دبره لئلا يخرج منه شئ، وحذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه وضم فخذيه ضما شديدا ولفها في فخذيه ثم اخرج رأسها من تحت رجليه الى الجانب الايمن واغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة وتكون الخرقة طويلة تلف فخذيه من حقويه الى ركبتيه لفا شديدا ". ومنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1): " انه سئل عن غسل الميت ؟ قال تبدأ فتطرح على سوأته خرقة ثم تنضح على صدره وركبتيه من الماء ثم تبدأ فتغسل الرأس واللحية بسدر حتى تنقيه ثم تبدأ بشقه الايمن ثم بشقه الايسر وان غسلت رأسه ولحيته بالخطمى فلا بأس. وتمر يدك على ظهره وبطنه بجرة من ماء حتى تفرغ منهما ثم بجرة من كافور تجعل في الجرة من الكافور نصف حبة ثم تغسل رأسه ولحيته ثم شقه الايمن ثم شقه الايسر وتمر يدك على جسده كله وتنضب رأسه ولحيته شيئا ثم تمر يدك على بطنه فتعصره شيئا حتى يخرج من مخرجه ما خرج ويكون على يدك خرقة تنقى بها دبره، ثم ميل برأسه شيئا فتنفضه حتى يخرج من منخره ما خرج، ثم تغسله بجرة من ماء قراح فذلك ثلاث جرار فان زدت فلا بأس وتدخل في مقعدته من القطن ما دخل ثم تجففه بثوب نظيف... وقال: الجرة الاولى التي يغسل بها الميت بماء السدر والجرة الثانية بماء الكافور تفت فيها فتا قدر نصف حبة والجرة الثالثة بماء قراح ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت


[ 441 ]

وعن يعقوب بن يقطين في الصحيح (1) قال: " سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن غسل الميت أفيه وضوء الصلاة ام لا ؟ فقال: غسل الميت يبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض ثم يغسل وجهه ورأسه بالسدر ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرات، ولا يغسل إلا في قميص يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه، ويجعل في الماء شيئا من سدر وشيئا من كافور، ولا يعصر بطنه إلا ان يخاف شيئا قريبا فيمسح مسحا رفيقا من غير ان يعصر، ثم يغسل الذي غسله يده قبل ان يكفنه الى المنكبين ثلاث مرات، ثم إذا كفنه اغتسل ". وعن عبد الله بن عبيد (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت ؟ قال تطرح عليه خرقة ثم يغسل فرجه ويؤضأ وضوء الصلاه ثم يغسل رأسه بالسدر والاشنان ثم بالماء والكافور ثم بالماء القراح يطرح فيه سبع ورقات صحاح في الماء ". وعن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الميت كيف يغسل: قال: بماء وسدر واغسل جسده كله واغسله اخرى بماء وكافور ثم اغسله اخرى بماء. قلت ثلاث مرات ؟ قال نعم. قلت فما يكنون عليه حين يغسله ؟ قال ان استطعت ان يكون عليه قميص فيغسل من تحت القميص ". ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن غسل الميت ؟ فقال اغسله بماء وسدر ثم اغسله على اثر ذلك غسلة اخرى بماء وكافور وذريرة ان كانت واغسله الثالثة بماء قراح. قلت ثلاث غسلات لجسده كله ؟ قال نعم قلت يكون عليه ثوب إذا غسل ؟ قال ان استطعت ان يكون عليه قميص فغسله من تحته، وقال احب لمن غسل الميت ان يلف على يده الخرقة حين يغسله ".


(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب غسل الميت.


[ 442 ]

وعن علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الميت هل يغسل في الفضاء ؟ قال لا بأس وان ستر بستر فهو احب الي ". وعن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) (2) وسئل عن الرجل يحترق بالنار فامرهم ان يصبوا عليه الماء صبا وان يصلى عليه ". وما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) (3) قال: " ان قوما اتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا يا رسول الله مات صاحب لنا وهو مجدور فان غسلناه انسلخ ؟ فقال يمموه ". وقال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (4): " وغسل الميت مثل غسل الحي من الجنابة إلا ان غسل الحي مرة واحدة بتلك الصفات وغسل الميت ثلاث مرات على تلك الصفات: تبتدئ بغسل اليدين الى نصف المرفقين ثلاثا ثلاثا ثم الفرج ثلاثا ثم الرأس ثلاثا ثم الجانب الايمن ثلاثا ثم الجانب الايسر ثلاثا بالماء والسدر ثم تغسله مرة اخرى بالماء والكافور على هذه الصفة ثم بالماء القراح مرة ثالثة. فيكون الغسل ثلاث مرات كل مرة خمسة عشرة صبة ولا يقطع الماء إذا ابتدأت بالجانبين من الرأس الى القدمين، فان كان الاناء يكبر عن ذلك وكان الماء قليلا صببت في الاول مرة واحدة على اليدين ومرة على الفرج ومرة على الرأس ومرة على الجنب الايمن ومرة على الجنب الايسر بافاضة لا تقطع الماء من اول الجانبين الى القدمين. ثم عملت ذلك في سائر الغسل فيكون غسل كل عضو مرة واحدة على ما وصفناه، ويكون الغاسل على يديه خرقة ويغسل الميت من وراء الثوب أو يستر عورته بخرقة " وقال (عليه السلام) في موضع آخر من الكتاب ايضا (5): " ثم ضعه على مغتسله من قبل ان تنزع قميصه أو تضع على فرجه خرقة ولين


(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب غسل الميت (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب غسل الميت (4) ص 20 (5) ص 17


[ 443 ]

مفاصله ثم تقعده فتغمز بطنه غمزا رفيقا، وتقول وانت تمسحه: " اللهم اني سلكت حب محمد في بطنه فاسلك به سبيل رحمتك " ويكون مستقبل القبلة، ويغسله اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك، ويجعل باطن رجليه الى القبلة وهو على المغتسل، وتنزع قميصه من تحته أو تتركه عليه الى ان تفرغ من غسله لتستر به عورته وان لم يكن عليه قميص القيت على عورته شيئا مما تستر به عورته، وتلين اصابعه ومفاصله ما قدرت بالرفق وان كان يصعب عليك فدعه، وتبدأ بغسل كفيه ثم تطهر ما خرج من بطنه، ويلف غاسله على يده خرقة ويصب غيره الماء من فوق يديه ثم تضجعه ويكون غسله من وراء ثوبه ان استطعت ذلك وتدخل يدك تحت الثوب، وتغسل قبله ودبره بثلا حميديات ولا تقطع الماء عنه، ثم تغسل رأسه ولحيته برغوة السدر وتتبعه بثلاث حميديات ولا تقعده ان صعب عليك، ثم اقلبه الى جنبه الايسر ليبدو لك الايمن ومد يدك اليمنى الى جنبه الايمن الى حيث تبلغ ثم اغسله بثلاث حميديات من قرنه الى قدمه فإذا بلغت وركه فاكثر من صب الماء واياك ان تتركه، ثم اقلبه الى جنبه الايمن ليبدو لك الايسر وضع بيدك اليسرى على جنبه الايسر واغسله بثلاث حميديات من قرنه الى قدمه ولا تقطع الماء عنه، ثم اقلبه على ظهره وامسح بطنه مسحا رفيقا، واغسله مرة اخرى بماء وشئ من الكافور واطرح فيه شيئا من الحنوط مثل الغسلة الاولى، ثم خضخض الاواني التي فيها الماء واغسله الثالثة بماء قراح ولا تمسح بطنه في الثالثة، وقل وانت تغسله: " عفوك عفوك " فانه من قالها عفا الله تعالى عنه، وعليك باداء الامانة فانه روى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انه من غسل ميتا مؤمنا فادى فيه الامانة غفر له. قيل كيف يؤدي الامانة ؟ قال لا يخبر بما يرى " فإذا فرغت من الغسلة الثالثة فاغسل يديك من المرفقين الى اطراف اصابعك وألق عليه ثوبا تنشف به الماء عنه، ولا يجوز ان يدخل الماء الذي ينصب عن الميت من غسله في كنيف ولكن يجوز ان يدخل في بلاليع لا يبال فيها أو في حفيرة، ولا


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب غسل الميت


[ 444 ]

يقلمن اظافيره ولا يقص شاربه ولا شيئا من شعره فان سقط منه شئ من جلده فاجعله معه في اكفانه، ولا تسخن له ماء إلا ان يكون ماء باردا جدا فتوقى الميت مما توقى منه نفسك، ولا يكون الماء حارا شديدا وليكن فاترا " انتهى كلامه (عليه السلام). اقول: فهذه جملة وافرة من الاخبار الجارية في هذا المضمار وبيان ما اشتملت عليه من الاحكام يقع في مسائل:

(الاولى) - ما اشتملت عليه هذه الاخبار - من التغسيل بالمياه الثلاثة على الترتيب المذكور فيها بماء السدر ثم بماء الكافور ثم بالماء القراح - مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا اعلم فيه مخالفا إلا ما نقل عن سلار من الاكتفاء بغسل واحد وعن ظاهر ابن حمزة من عدم وجوب الترتيب بينها، وهما ضعيفان مردودان بما عرفت من الاخبار. ونقل عن سلار الاحتجاج على ما نقل عنه بالاصل وبقوله (عليه السلام) في رواية علي عن ابي ابراهيم (1) قال: " سألته عن الميت يموت وهو جنب ؟ قال غسل واحد " وهاتان الحجتان بمكان من الضعف لان الاصل يجب الخروج عنه بالدليل وقد تقدم، والغسل الواحد في الرواية المذكورة انما اريد به الاكتفاء بغسل الميت عن غسل الجنابة كما دل على ذلك جملة من الاخبار فمعنى كونه واحدا يعني لا يتعدد بتعدد السبب فهو من جملة اخبار تداخل الاغسال المستفيض في الاخبار وغسل الميت عندنا واحد وان اشتمل على ثلاث غسلات. ونقل على الترتيب في المعتبر اتفاق فقهاء اهل البيت (عليهم السلام).

(الثانية) - ما دل عليه خبر عبد الله بن عبيد (2) من الامر بوضوء الميت امام غسله مما يدل بظاهره على مذهب ابي الصلاح من القول بوجوبه، والمفيد ذكر الوضوء في صفة غسل الميت إلا انه لم يصرح بوجوبه، ونحوه ابن البراج، وقال الشيخ في النهاية: " وقد رويت احاديث انه ينبغي ان يوضأ الميت قبل غسله فمن عمل بها كان احوط "


(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب غسل الميت (2) ص 441


[ 445 ]

وقال في الخلاف: " غسل الميت كغسل الحي ليس فيه وضوء وفى اصحابنا من قال يستحب فيه الوضوء قبله غير انه لا خلاف بينهم انه لا يجوز المضمضة والاستنشاق فيه " وقال في المبسوط: " قد روى انه يوضأ الميت قبل غسله فمن عمل به كان جائزا غير ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك لان غسل الميت كغسل الجنابة ولا وضوء في غسل الجنابة " وقال سلار: " وفى اصحابنا من يوضئ الميت وما كان شيخنا (رضي الله عنه) يرى ذلك " وقال ابن ادريس: " وقد روى انه يوضأ وضوء الصلاة وهو شاذ والصحيح خلافه، قال: وإذا كان الشيخ قال في المبسوط ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك لم يجز العمل بالرواية لان العامل بها يكون مخالفا للطائفة ". اقول: الظاهر ان المشهور بين المتأخرين هو الاستحباب كما صرح به المحقق في المعتبر والعلامة في المختلف والمنتهى والشهيد في الذكرى وغيرهم في غيرها. والذي يدل على الامر به من الاخبار زيادة على الخبر المذكور ما رواه الشيخ عن حريز في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " الميت يبدأ بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة وذكر الحديث ". وعن ابي خيثمة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ان ابي امرني ان اغسله إذا توفي وقال لي اكتب يا بني ثم قال انهم يامرونك بخلاف ما تصنع فقل لهم هذا كتاب ابى ولست اعدو قوله، ثم قال تبدأ فتغسل يديه ثم توضئه وضوء الصلاة ثم تأخد ماء وسدرا... الحديث ". وعن معاوية بن عمار (3) قال: " امرني أبو عبد الله (عليه السلام) ان اعصر بطنه ثم اوضئه ثم اغسله بالاشنان ثم اغسل رأسه بالسدر ولحيته ثم افيض على جسده منه ثم ادلك به جسده ثم افيض عليه ثلاثا ثم اغسله بالماء القراح ثم افيض عليه الماء بالكافور


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب غسل الميت (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت


[ 446 ]

وبالماء القراح واطراح فيه سبع ورقات سدر ". قال في الذكرى بعد ذكر هذا الخبر: " وفى هذا الخبر غرائب " اقول: لعل ذلك من حيث دلالته بظاهره على انه تولى تغسيل الامام (عليه السلام) مع ما علم من الاخبار انه لا يغسله إلا امام مثله، ومن حيث دلالته على عصر بطنه مع النهي عنه في الاخبار، ومن حيث دلالته على عدم الترتيب بين المياه الثلاثة والاخبار والاجماع - كما عرفت - على خلافه. الا انه يمكن الجواب عن الاول بان الضمير في " بطنه " يعود الى الميت المفهوم من قرائن المقام أو المتقدم في سابق هذا الكلام، إذ الظاهر ان هذا كلام مقتطع من حديث قبله. ومن العجب ان الاصحاب انما استدلوا لابي الصلاح أو نقلوا الاستدلال عنه برواية ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " في كل غسل وضوء إلا غسل الجنابة " مع ان هذه الاخبار التي ذكرناها واضحة الدلالة صريحة المقالة في مذهبه. واعجب من ذلك ان المحقق في المعتبر اجاب عن هذه الرواية بعدم الصراحة في الوجوب وانها كما تحتمل الوجوب تحتمل الاستحباب، وتبعه في هذا الجواب جملة من المتأخرين كالشهيدين وغيرهما، مع انهم في غير موضع يستدلون بهذه الرواية على وجوب الوضوء مع الغسل كما تقدم البحث فيه في باب الجنابة. واستدل على نفي الوضوء هنا بالاخبار الكثيرة الدالة على بيان الكيفية مع خلوها من التعرض لذكره والمقام مقام البيان. اقول: لقائل ان يقول ان غاية هذه الاخبار ان تكون مطلقة والقاعدة تقتضي تقييدها بالاخبار الدالة على وجوب الوضوء فلا منافاة. نعم صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة (2) ظاهرة في نفيه حيث ان اصل السؤال انما وقع عن الوضوء في غسل الميت يعني وجوبه فخرج الجواب يبيان الكيفية عاريا عن التعرض له بنفى أو اثبات، ولا ريب ان اضراب الامام (عليه السلام) عن ذلك انما يكون لعلة.


(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب غسل الجنابة (2) ص 441


[ 447 ]

ولولا اتفاق العامة على الوضوء في غسل الميت كما نقله في المنتهى (1) لكان العمل باخبار الوجوب في غاية القوة، وظاهر اضراب الامام (عليه السلام) عن الجواب في صحيحة يعقوب المذكورة مشعر بالتقية. واما القول بالاستحباب كما هو المشهور بين المتأخرين فلا وجه له لان تلك الاخبار ظاهرة في الوجوب لا معارض لها إلا اطلاق غيرها من الاخبار المتقدمة وقضية القاعدة المشهورة حمل مطلقها على مقيدها. (فان قيل) الحمل على التقية انما يكون عند وجود المعارض لها (قلنا) قد تكاثرت الاخبار بعرض الخبر على مذهب العامة والاخذ بخلافه وان كان لا معارض له ثمة حتى ورد انه إذا احتاج الى معرفة حكم من الاحكام وليس في البلد من يستفتيه من علماء الامامية يسأل فقهاء العامة ويأخذ بخلافهم (2) وقد ورد ايضا " إذا رأيت الناس مقبلين على شئ فدعه " ويؤيد ذلك ما تقدم عن الشيخ من ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك وما يشعر به صحيح يعقوب بن يقطين. وبالجملة فالظاهر اما القول بالوجوب كما هو ظاهر الاخبار المذكورة أو طرحها وحملها على التقية كما ذكرنا والقول بالتحريم. ولعله الاقرب.

(الثالثة) - اختلف الاصحاب في انه هل الافضل تغسيل الميت عريانا مستور العورة أو في قميص يدخل الغاسل يده تحته ؟ قال في المختلف: " المشهور انه ينبغي ان ينزع القميص عن الميت ثم يترك على عورته ما يسترها واجبا ثم يغسله الغاسل. وقال ابن


(1) في المغنى ج 2 ص 457 " إذا انجاه وازال عنه النجاسة بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة. " وفى عمدة القارئ شرح البخاري ج 4 ص 41 " وضوء الميت سنة كما في الاغتسال حال الحياة غير انه لا يمضمض ولا يستنشق عندنا " وفى الام للشافعي ج 1 ص 234 في مقام بيان صفة الغسل " ثم يوضئه وضوء الصلاة " وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 211 " قال أبو حنيفة لا يوضأ الميت وقال الشافعي يوضأ وقال مالك ان وضئ فحسن ". (2) كما في حديث على بن اسباط عن الرضا (عليه السلام) المروى في الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به.


[ 448 ]

ابي عقيل السنة في غسل الميت ان يغسل في قميص نظيف، وقد تواترت الاخبار عنهم (عليهم السلام) ان عليا (عليه السلام) غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قميصه ثلاث غسلات. وقال الشيخ في الخلاف: يستحب ان يغسل الميت عريانا مستور العورة اما بان يترك قميصه على عورته أو ينزع القميص ويترك على عورته خرقة، الى ان قال دليلنا اجماع الفرقة وعملهم على انه مخير بين الامرين. وقال أبو جعفر بن بابويه: وينزع القميص عنه من فوق الى سرته ويتركه الى ان يفرغ من غسله ليستر به عورته فان لم يكن عليه قميص القى على عورته ما يسترها. ويدل على ما اختاره ابن ابي عقيل ما رواه ابن مسكان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت يكون عليه ثوب إذا غسل ؟ قال ان استطعت ان يكون عليه قميص فغسله من تحته " انتهى ما ذكره في المختلف. وقد ظهر من كلامه ان المشهور هو استحباب غسله مكشوف البدن ما عدا العورة، وكلام ابن ابي عقيل ظاهر في استحباب التغسيل في قميص وهو ظاهر من الاخبار كصحيحة ابن مسكان المذكورة وصحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة (2) وصحيحة سليمان ابن خالد المتقدمة (3) ايضا بل ظاهر صحيحة يعقوب الوجوب، ويعضدها ايضا الاخبار المتقدمة في تغسيل الزوجين المتكاثرة بكونه من وراء الثياب وبالجملة فقول ابن ابي عقيل هو الاظهر في المسألة، وظاهر العلامة في كلامه المذكور الميل إليه حيث استدل لابن ابي عقيل بالصحيحة المذكورة ولم يستدل لغيره بشئ. وظاهر هذه الاخبار الدالة على افضلية تغسيله في قميصه هو طهارة القميص بطهارة الميت من غير عصر إذا كان خاليا من نجاسة خبثية والا وجب ازالتها اولا قبل الشروع في الغسل كما تقدم الكلام فيه، وكذا طهارة الخرقة التي يضعها على فرجه إذا جرده والخرقة التي يلفها على يده، وبذلك صرح في الحبل المتين حيث قال: " والظاهر عدم احتياج طهارة القميص إلى العصر كما في الخرقة التي يستر بها عورة الميت. اقول: وقد


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت (2) و (3) ص 441


[ 449 ]

تقدم في صدر المقام الاول في التنبيهات الملحقة بالمسألة الثانية (1) ذكر الخلاف بين اصحابنا في طهر القميص وعدمه بدون العصر. ثم انه مع استحباب تغسيله عاريا كما هو المشهور فانهم صرحوا بانه يفتق جيبه وينزع ثوبه من تحته، ذكر ذلك الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة وبالغ في المقنعة فقال: " يفتق جيبه أو يخرقه ليتسع عليه " قال في المدارك: " ولا خفاء في ان ذلك مشروط باذن الورثة فلو تعذر لصغر أو غيبة لم يجز " اقول: قد روى المحقق في المعتبر (2) عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: " ثم يخرق القميص إذا فرغ من غسله وينزع من رجليه " وهو - كما ترى - مطلق فلا يتقيد بما ذكره. ثم ان ظاهر خبر يونس (3) انه يجمع القميص على موضع العورة بان يخرج يده من القميص ويجذبه منحدرا الى سرته ويجرد ساقيه الى فوق الركبة، وظاهر عبارة كتاب الفقه (4) انه يتخير بين نزع قميصه من تحته وبين ان يتركه عليه الى ان يفرغ من غسله.

(الرابعة) - المشهور بين الاصحاب استحباب الاستقبال بالميت حال الغسل مثل حال الاحتضار، وفى المختلف عن المبسوط القول بالوجوب حيث قال: " معرفة القبلة واجبة للتوجه إليها في الصلوات واستقبالها عند الذبيحة واحتضار الاموات وغسلهم " وقال في المدارك - بعد عد المصنف الاستقبال في حال الغسل من سنن الغسل - ما صورته " هذا قول الشيخ واكثر الاصحاب بل قال في المعتبر انه اتفاق اهل العلم للامر به في عدة روايات، وانما حمل على الندب جمعا بينها وبين ما رواه يعقوب بن يقطين في الصحيح (5) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الميت كيف يوضع على المغتسل موجها وجهه نحو القبلة أو يوضع على يمينه ووجهه نحو القبلة ؟ قال: يوضع كيف تيسر " ونقل عن ظاهر الشيخ في المبسوط وجوب الاستقبال ورجحه المحقق الشيخ علي


(1) ص 390 (2) ص 72 (3) ص 439 (4) ص 443 (5) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب غسل الميت


[ 450 ]

محتجا بورود الامر به ثم قال: ولا ينافيه ما سبق - يعني خبر يعقوب بن يقطين - لان ما تعسر لا يجب. وهو غير جيد لان مقتضى الرواية اجزاء اي جهة اتفقت فالمنافاة واضحة وحمل الامر على الاستحباب متعين " انتهى كلامه. وبنحو ذلك صرح جده. اقول: الظاهر عندي هو القول بالوجوب، وهو ظاهر العلامة في المنتهى حيث انه - بعد ذكر صحيحة سليمان بن خالد وهي ما رواه في الصحيح (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا مات لاحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة وكذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبل باطن قدميه ووجهه الى القبلة " - قال: " وهذه اوامر تدل على الوجوب " انتهى. ومما يدل على ذلك ايضا خبر الكاهلي المتقدم (2) وقوله فيه: " استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة " وخبر يونس (3) وقوله فيه: " إذا اردت غسل الميت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة " وقوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (4): " ويكون مستقبل القبلة " واما ما توهموه - من منافاة صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة لهذه الاخبار بناء على ما فهموه من ان المراد انه يوضع على اي كيفية كانت - ففيه ما ذكره شيخنا البهائي في الحبل المتين حيث قال - بعد الكلام في المسألة ونقله عن الشهيد الثاني انه استضعف كلام الشيخ علي ورده بما ذكره سبطه - ما صورته: " وانت خبير بان لقائل ان يقول ان الظاهر من قوله (عليه السلام): " يوضع كيف تيسر " التخيير بين الوضعين اللذين ذكرهما السائل اعني توجيهه الى القبلة على هيئة المحتضر أو على هيئة الملحود فاجابه (عليه السلام) باجزاء ما تيسر من الامرين، ففي الحديث دلالة على انه إذا تعسر توجيهه على هيئة المحتضر وتيسر التوجيه على هيئة الملحود فلا عدول عنه لانه احد توجيهي الميت فتأمل. والظاهر ان هذا مراد شيخنا الشيخ علي اعلى الله قدره. والاصح وجوب الاستقبال. والله سبحانه.


(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الاحتضار. (2) ص 438 (3) ص 439 (4) ص 443


[ 451 ]

اعلم " انتهى كلامه. اقول: وبما ذكره يظهر ان الاخبار المتقدمة لا معارض لها فيجب العمل بها، وما ذكره ان لم يكن ارجح - سيما مع ما عرفت غير مرة مما في الحمل على الاستحباب وان اشتهر العمل عليه بين الاصحاب - فلا اقل ان يكون مساويا لما ذكروه، وبه يسقط الاستدلال بالخبر المذكور على ما ذكروه من جواز الوضع كيف اتفق ويحتمل ايضا حمل خبر يعقوب بن يقطين على عدم امكان الاستقبال المذكور في الاخبار فيوضع كيف اتفق، وبه يحصل الجمع ايضا بين الاخبار المذكورة. وقد نقل في الحبل المتين القول بالوجوب ايضا عن الشهيدين في المسالك والدروس، وهو الاقوى كما عرفت.

(الخامسة) - ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من وجوب ستر عورته بقميصه أو بخرقة مما وقع عليه الاجماع ولما علم من الشرع من تحريم النظر الى العورة، نعم لو كان الغاسل ممن لا يبصر أو انه يثق من نفسه بكف البصر عن العورة بحيث يتيقن السلامة من الوقوع في ذلك المحذور فلا بأس، لان وجوب الستر انما هو لمنع الابصار فإذا امكن من دون الستر لم يجب، إلا ان الاحوط ان لا يترك الستر استظهارا في المنع وقد استثني من ذلك الزوجان على تقدير جواز تغسيل كل منهما الآخر أو احدهما الآخر مجردا، وقد تقدم تحقيق البحث في المسألة. وهل يجب ستر عورة الصبي الذي يجوز للنساء تغسيله مجردا ام لا ؟ قرب في المعتبر عدم الوجوب بناء على جواز نظر المرأة إليه، قال: " وهو يدل على جواز نظر الرجل " واعترضه في الذكرى قال: " فان اراد الى العورة امكن توجه المنع إلا ان يعلل بعدم الشهوة فلا حاجة الى الحمل على النساء ".

(السادسة) - ما دل عليه جملة من الاخبار المتقدمة - من وجوب الترتيب في غسله بان يبدأ بالرأس اولا ثم بالجانب الايمن ثانيا ثم الايسر - مما وقع الاتفاق عليه وقد ذكر جمع من المتأخرين انه يسقط الترتيب بغمس الميت بالماء غمسة واحدة بان يغمس في كل ماء من المياه الثلاثة غمسة واحدة استنادا الى رواية محمد بن مسلم عن الباقر


[ 452 ]

(عليه السلام) (1) قال: " غسل الميت مثل غسل الجنب... " واستشكله جمع من متأخري المتأخرين لما فيه من الخروج عن صرائح تلك الروايات المتكاثرة بهذه الرواية المجملة، إذ المماثلة لا تقتضي ان تكون من كل وجه فلعله باعتبار الترتيب أو عدم الوضوء أو نحو ذلك. ثم انه هل الغاسل حقيقة هو الصاب أو المقلب ؟ المشهور الاول، قالوا وتظهر الفائدة في النية فايهما ثبت انه الغاسل تعلقت به النية، ومستندهم في ذلك هو ان الغسل شرعا جريان الماء على المحل والصاب هو الذي حصل بفعله الجريان. وربما علل الثاني بان الصاب انما هو بمنزلة الآلة. اقول: لا يخفى ما في البناء على مثل هذه التعليلات العليلة، والذي يظهر لي من الاخبار هو الثاني، ومنها - موثقة سماعة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وليس عنده إلا نساء ؟ قال تغسله امرأة ذات محرم وتصب النساء عليه الماء... " وموثقة عبد الرحمان ابن ابي عبد الله البصري عن الصادق (عليه السلام) (3) وفيها " تغسله امرأته أو ذات محرمة وتصب عليه النساء الماء صبا... " وحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (4) وفيها " تغسله امرأته أو ذو قرابته ان كانت له وتصب النساء عليه الماء صبا " وهي - كما ترى - ظاهرة في ان الغسل انما هو للمباشر بيده لبدن الميت لا الصاب. وفي عبارة كتاب الفقه المتقدمة (5) " ويلف غاسله على يده خرقة ويصب غيره الماء من فوق بدنه " ويدل على ذلك ايضا الاخبار المتقدمة الدالة على المماثلة وانه مع عدم المماثل لابد من اشتراط المحرمية أو الزوجية بين الغاسل والميت، فانها انما تنطبق على المباشر لبدن الميت لا الصاب عليه. فان الصب في هذه الاخبار ونحوها جائز من الاجانب الذين ليس بينهم وبين الميت محرمية ولا زوجية ثم انهم بناء على ما قدمنا نقله عنهم اختلفوا في انه هل تجب النية في كل غسلة من


(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل الميت (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب غسل الميت (4) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب غسل الميت (5) ص 443


[ 453 ]

الغسلات الثلاث ام تكفي الواحدة ؟ ظاهر الذكرى الاكتفاء بالواحدة بناء على ان هذا غسل واحد وان تعده باعتبار كيفيته، وقيل بتعدد النية بتعدد الغسلات لتعدد الاغسال اسما وصورة ومعنى، وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروض، وعن المحقق الشيخ علي في شرح القواعد التخيير بين نية واحدة ونية ثلاث عند اول كل غسل لانه في المعنى عبادة واحدة وغسل واحد مركب من غسلات ثلاث وفى الصورة ثلاث فيجوز مراعاة الوجهين، وتردد في المعتبر في وجوب النية في هذا الغسل مطلقا لانه تطهير للميت من نجاسة الموت فهو ازالة نجاسة كغسل الثوب ثم احتاط بوجوبها، وفرع في الذكرى على الخلاف في النية وعدمها جواز الغسل في المكان المغصوب وبالماء المغصوب وعدمه. اقول: والوجه في ذلك انه على الاول يكون عبادة فلا يصح في المكان المغصوب ولا بالماء المغصوب كما صرحوا به في الوضوء والغسل من الجنابة ونحوهما، وعلى الثاني يكون من قبيل ازالة النجاسات وهي غير مشترطة بشئ من ذلك. ثم ان الغاسل ان اتحد وجب عليه النية وان اشترك جماعة في غسله فان اجتمعوا في الصب اعتبرت النية من الجميع لاستناده الى الجميع فلا اولوية، ولو كان بعضهم يصب والآخر يقلب وجبت على الصاب لانه الغاسل حقيقة واستحبت من المقلب. اقول: وهذا البحث بجميع ما ذكر فيه من الشقوق والاقسام مفروغ عنه عندنا لما اسلفنا لك تحقيقه في نية الوضوء، وكلامهم هذا مبني على النية المشهورة بينهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري والحديث النفسي الذي يترجمه قول القائل: افعل كذا لوجوبه أو ندبه قربة الى الله تعالى. وهذه ليست هي النية الحقيقية كما سلف تحقيقة.

(السابعة) - اكثر الروايات المتقدمة مطلقة في السدر الذي يضاف الى الماء، وفى رواية عبد الله بن عبيد (1) سبع ورقات، وكلام الاصحاب هنا مختلف، فاعتبر فيه بعضهم مسماه والظاهر انه المشهور، وبعض ما يصدق به الاسم بمعنى ما يصدق عليه انه


(1) ص 441


[ 454 ]

ماء سدر وماء كافور فلو كان السدر ورقا غير مطحون ولا ممروس لم يجز وكذا لو كان قليلا على وجه لا يصدق على ذلك الماء انه ماء سدر، وعن المفيد تقديره برطل وابن البراج برطل ونصف، واعتبر بعضهم سبع ورقات كما دل عليه الخبر المشار إليه. والظاهر من هذه الاقوال هو اعتبار ما يصدق به الاسم عملا بالاخبار الكثيرة المصرحة بماء السدر. ثم انهم اختلفوا ايضا في انه لو خرج بذلك عن الاطلاق فهل يجوز التغسيل به ام لا ؟ قولان اختار ثانيهما العلامة وغيره والظاهر انه هو المشهور، والى الاول مال في المدارك قال: " واطلاق الاخبار واتفاق الاصحاب على ترغية السدر كما نقله في الذكرى يقتضيان الجواز " وظاهره في الذكرى التوقف في المسألة حيث انه اقتصر على نقل الاقوال في المسألة، فنقل عن الفاضل انه يشترط كون السدر والكافور لا يخرجان الماء الى الاضافة لانه مطهر والمضاف غير مطهر. ثم نقل قولي المفيد وابن البراج، وقال: اتفق الاصحاب على ترغيته وهما يوهمان الاضافة ويكون المطهر هو القراح والغرض بالاولين التنظيف وحفظ البدن من الهوام بالكافور لان رائحته تطردها. انتهى. ومن هذا الكلام الاخير يعلم الجواب عما احتجوا به على المنع من انه مطهر والمضاف غير مطهر. وبالجملة فالظاهر من الاخبار المتقدمة هو القول الاول، واستند الشهيد الثاني - بعد اختياره للقول المشهور واستدلاله عليه بما تقدم في كلام العلامة - الى قوله (عليه السلام): في صحيحة سليمان بن خالد ومثلها في صحيحة عبد الله بن مسكان (1): " بماء وسدر " فانه ظاهر في اشتراط بقاء ماء السدر على الاطلاق. اقول: ومثل ذلك في عبارة كتاب الفقه الاولى (2) إلا ان ظاهر كلامه في الثانية (3) هو الغسل برغوة السدر، وظاهر خبر يونس (4) مما يؤيد القول الاول وكذا ظاهر رواية الكاهلي (5). وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لتصادم ظواهر الادلة وتقابلها في ذلك. واما ما ذكره في المدارك


(1) ص 441 (2) و (3) ص 442 (4) ص 439 (5) ص 438


[ 455 ]

من الاحتجاج باطلاق الاخبار على الجواز ففيه ان الاخبار مختلفة في تأدية هذا المعنى كما عرفت فان ما عبر به في بعضها من قوله: " ماء وسدر " ظاهر في الدلالة على القول بعدم الجواز كما استدل به جده (قدس سره) في الروض على ذلك، وما عبر به من قوله: " ماء السدر " فهو محتمل للحمل على كل من القولين، نعم ما ذكره من الاستناد الى الترغية جيد باعتبار دلالة رواية يونس وعبارة كتاب الفقه على انه يغسل بها الرأس، وظاهرهما انه الغسل الواجب ولهذا ذكرا بعده غسل الجانب الايمن من البدن. واما ما ذكره في الذكرى - من انه يكون المطهر هو القراح والغرض من الاولين التنظيف... " الخ - فهو غير صالح لتأسيس حكم شرعي لانه مجرد ظن واستنباط لا دليل عليه. ولم لا يجوز ان يكون لكل من الغسل بماء السدر وماء الكافور مدخل في التطهير ؟ وكيف لا وقد اتفقوا على وجوب الترتيب بين الاعضاء الثلاثة فيهما كما في الاغسال الشرعية واتفقوا على طهارتهما من النجاسة لتحصيل التطهير بهما ونحو ذلك من شروط الاغسال الشرعية، ولو كان الغرض منهما ما ذكره لم يتوقف ذلك على امر آخر وراءه والحال بخلاف ذلك والمسألة لا تخلو من نوع توقف وان كان القول الاول لا يخلو من قرب. وظاهر جملة من الاصحاب التوقف في ذلك ايضا كشيخنا الشهيد في الذكرى والشيخ البهائي في الحبل المتين حيث اقتصروا على نقل كلام الاصحاب في المسألة. والله العالم.

(الثامنة) - ظاهر الاصحاب الاتفاق على وجوب التغسيل بالماء القراح فيما إذا عدم الخليطان وانما الخلاف في وجوب غسلة واحدة به أو ثلاث غسلات ؟ قولان، وبالاول جزم المحقق في المعتبر والسيد السند في المدارك وبالثاني ابن ادريس والعلامة في الارشاد والشهيد الثاني في الروض، وتوقف في المنتهى والمختلف وهو ظاهر الشهيد في الذكرى. وعلل القول الاول - كما ذكره في المعتبر - بالاصل وبان المراد بالسدر الاستعانة على ازالة الدرن وبالكافور تطييب الميت وحفظه بخاصية الكافور من اسراع التغير


[ 456 ]

وتعرض الهوام ومع عدمها فلا فائدة في تكرار الماء مع حصول النقاء. اقول: وفي التعليل الثاني ما عرفت آنفا من ان هذه العلة لا تخرج من ان تكون مستنبطة، إذ لا دلالة في شئ من الاخبار عليها ومع تسليم وجودها في الاخبار فاستلزامها لما ذكروه مردود بان علل الشرع انما هي من قبيل المعرفات لا انها علل حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا وعدما. ألا ترى انه قد ورد في تعليل وجوب العدة على النساء ان العلة في ذلك استبراء الرحم مع وجوبها على من لم يدخل بها زوجها في الوفاة وعلى من طلقها أو مات عنها في بلاد بعيدة بعد مدة مديدة. ونحو ذلك ما ورد في علة غسل الجمعة من انه كانت الانصار تعمل في نواضحها فإذا حضروا الجمعة تأذى الناس بروائحهم فامر (صلى الله عليه وآله) بغسل الجمعة لذلك (1) مع ثبوت استحبابه أو وجوبه على القول به مطلقا بل ورد تقديمه على يوم الجمعة وقضاؤه بعده، وحينئذ فمع ورود هذه العلة التي ذكرها لا يجب اطرادها ودوران المعلول مدارها وجودا وعدما حتى انه مع فقد الخليطين يسقط الغسل عملا بالعلة المذكورة. وعلل القول الثاني - كما ذكره في الذكرى - بامكان الجزء فلا يسقط بفوات الآخر لاصالة عدم اشتراط احدهما بصاحبه. وقال في المنتهى: " لو لم يوجد السدر والكافور وجب ان يغسل بالماء القراح، وفى عدد غسله حينئذ اشكال ينشأ من سقوط الغسل بعدم ما يضاف إليه لانه المأمور به ولم يوجد فيسقط الامر، ومن كون الواجب الغسل بماء الكافور أو السدر فهما واجبان في الحقيقة ولا يلزم من سقوط احد الواجبين للعذر سقوط الآخر " وزاد في الروض الاستدلال على ما ذهب إليه من وجوب الثلاث بقوله (عليه السلام) (2): " الميسور لا يسقط بالمعسور " كما ورد في الخبر وقوله


(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة. (2) رواه النراقى في العوائد ص 88 ومير فتاح في العناوين ص 146 عن عوالي اللئالي عن امير المؤمنين " عليه السلام ".


[ 457 ]

(صلى الله عليه وآله): " إذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (1) وعلى هذا النحو كلماتهم في هذا المقام وهي مما لا تسمن ولا تغني من جوع كما لا يخفى على من له الى الانصاف ادنى رجوع، والمسألة غير منصوصة، وبناء الاحكام على هذه التعليلات العليلة سيما مع تعارضها وتصادمها لا يخلو من المجازفة في احكامه سبحانه، إلا انه ربما لاح من بعض الاخبار سقوط الغسل بالكلية في هذه الصورة مثل موثقة عمار (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عراة ليس عليهم إلا ازار، كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم فضل ثوب يكفنونه به ؟ فقال يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته لتستر عورته باللبن ثم يصلى عليه ويدفن... " ونحوه خبر محمد بن مسلم عن رجل من اهل الجزيرة (3) قال: " قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام) قوم كسر بهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان والقوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها وليس عليهم فضل ثوب يوارون به الرجل كيف يصلون عليه وهو عريان ؟ فقال: إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا له قبره ويضعوه في لحده يوارون عورته بلبن أو حجارة أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره... الحديث " والتقريب فيهما انه (عليه السلام) لم يتعرض لذكر الغسل في المقام بل امر ان يحفر له ويوضع في حفرته ولم يتعرض لذكر غسله، والظاهر انه لا وجه لسقوطه إلا فقد الخليطين فان ظاهر تلك الحال يشهد بتعذر وجوده وإلا فمجرد كونه عريانا لا يمنع من وجوب غسله وهم على ساحل البحر، ويعضد ذلك ان التكليف الشرعي انما تعلق بهذه المياه الثلاثة على الترتيب المخصوص والكيفية المخصوصة في


(1) رواه مسلم في صحيحة ج 1 ص 513 والنسائي ج 2 ص 1 وابن حزم في المحلى ج 1 ص 64 رقم 100 باسناد متصل الى ابى هريرة. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب صلاة الجنازة.


[ 458 ]

الاخبار وايجاب غيرها باي نحو كان بعد تعذرها يتوقف على الدليل الشرعي والنص الواضح الحلبي والركون الى هذه التعليلات العقلية - وان زعموها ادلة شرعية بل قدموها على الادلة السمعية سيما مع تصادمها كما عرفت - لا يخلو من المجازفة في احكامه التي قد دلت الآيات والروايات على النهي عن القول فيها بغير علم منه عزوجل أو من نوابه (عليهم السلام) وحملة كتابه (لا يقال): ان الواجب مع تعذر الغسل التيمم وهذان الخبران خاليان من التعرض له ايضا (لانا نقول) - غايتهما في ذلك ان يكونا مطلقين في هذا الحكم فيجب تقييدهما بما دل على الحكم المذكور من الاخبار كما سيأتي في المسألة بخلاف الغسل فانه ليس هنا ما يوجب تقييد اطلاقها إذ لا رواية في المسألة كما عرفت، وروايات الغسل المتكاثرة انما وردت بالخليطين وهما غير موجودين كما هو المفروض في المسألة. وبذلك يظهر لك الكلام فيما فرعوا على هذه المسألة من مس الميت بعد غسله كذلك وقد تقدم الكلام في ذلك في فصل غسل المس (1) وكذا فيما لو وجد الخليطان بعد الغسل كذلك فهل يجب اعادة الغسل ام لا ؟ واستظهر في المدارك هنا عدم وجوب الاعادة، قال: " لتحقق الامتثال المقتضى للاجزاء " اقول: لا يخفى ان هذه العبارة انما يرمى بها في مقام وجود النص الشرعي ويكون المراد بالامتثال يعني امتثال امر الشارع وهو الذي يقتضي الاجزاء لا في مثل هذا المقام المبني على هذه التخرصات والتخريجات العقلية. وانت خبير بان للخصم ان يقول ان التكليف بالغسل بالخليطين ثابت بالنصوص التي لا ريب فيها، سقط التكليف به فيما إذا تعذر حتى دفن الميت، وما لم يدفن فالخطاب الى من تعلق به الخطاب أو لا متوجه والتكليف باق وهذا الغسل الذي وقع لم يقم عليه نص ولا دليل يعتمد عليه حتى يمكن حصول الامتثال به ورفع تعلق الخطاب. وبالجملة فان البناء إذا كان على غير اساس تطرق إليه الهدم والانطماس.

 


ص 333.


[ 459 ]

(التاسعة) - من المستحبات في هذا الغسل غسل اليدين الى نصف الذراع والفرجين في كل غسلة بمائها كما في رواية يونس (1) " ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغتسل الانسان من الجنابة الى نصف الذراع ثم اغسل فرجه ونقه " وفى رواية الكاهلي (2) " ثم ابدأ بفرجه بماء السدر والحرض فاغسله ثلاث غسلات " ونحو ذلك في عبارة كتاب الفقه (3). وقد ذكر جمع من الاصحاب انه يستحب امام الغسلة الاولى ان يغسل رأسه برغوة السدر ولم اقف له على مستند في الاخبار، وغسل الرأس المذكور فيها برغوة السدر - كما تضمنه خبر يونس وعبارة كتاب الفقه أو بماء السدر كما في غيرهما - انما هو الغسل الواجب ولهذا ثنى (عليه السلام) في تلك الاخبار بعده بغسل الجانب الايمن. ولم يتعرض في الذكرى لهذا الحكم، وكذلك في المنتهى جعل غسل الرأس بالرغوة من اجزاء الغسل الواجب. وظاهر حديث الكاهلي استحباب البدأة في غسل الرأس بالشق الايمن ثم بالشق الايسر وبه صرح جملة من الاصحاب: منهم - الشهيد في النفلية إلا انه جعل ذلك مما يستحب امام الغسل كما قدمنا ذكره وباقي الاخبار مطلقة في ذلك، وحينئذ فيمكن حمل اطلاق الاخبار على هذه الرواية. ومنها - استحباب التثليث في كل غسلة في غسل اليدين والفرجين كما سمعت من هذه الاخبار، وكذا غسل الرأس والجانب الايمن والجانب الايسر كما صرح بذلك في عبارة كتاب الفقه الاولى ونحوها رواية الكاهلي وبذلك صرح الاصحاب ايضا، قال في الذكرى: " يستحب تقديم غسل يديه وفرجيه مع كل غسلة كما في الخبر وفتوى الاصحاب، وتثليث غسل اعضائه كلها من اليدين والفرجين والرأس والجنبين بالاجماع، وحضرها الجعفي في كل غسلة خمس عشرة صبة لا تنقطع " اقول: ما نقله عن الجعفي من الخمس عشرة صبة قد صرح به (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه الاولى (4) والوجه فيه


(1) ص 439 (2) ص 438 (3) و (4) ص 442.


[ 460 ]

ان الاعضاء المغسولة وجوبا واستحبابا خمسة وبتثليث كل منها يصير المجموع خمسة عشرة صبة، قال في الذكرى: " والصدوق ذكر ثلاث حميديات وكأنه اناء كبير ولهذا مثل ابن البراج الاناء الكبير بالابريق الحميدي " انتهى. اقول: ما ذكره الصدوق في هذا المقام مأخوذ من عبارة كتاب الفقه الثانية (1) وهو في العبارة الاولى من عبارتيه المتقدمتين عبر عن التثليث الذي يستحب في كل عضو من الاعضاء الخمسة بالغسل ثلاثا ثلاثا وفى العبارة الثانية عبر عنه بثلاث حميديات، والظاهر من ذلك ان كل حميدية تقوم بغسلة من الغسلات الثلاث، فيصير مرجع العبارتين الى امر واحد. ومنها - ان لا يقطع الماء في كل غسلة من هذه الغسلات واجبة أو مستحبة حتى يتم غسل ذلك العضو، وبذلك صرح الاصحاب ايضا كما تقدم في نقل الذكرى عن الجعفي، ونقل فيها عن ابن الجنيد والشيخ انهما قالا بعدم الانقطاع ايضا حتى يستوفى العضو، وقال في المنتهى: " يستحب لمن يصب الماء ان لا يقطعه بل يصب متواليا فإذا بلغ حقويه اكثر من الماء لان الاستظهار هناك اتم " وعلى هذا الحكم يدل كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه كما تقدم في كل من العبارتين ولم اقف على هذا الحكم في الاخبار إلا في هذا الكتاب. ومنها - اغتسال الغاسل قبل التغسيل ذكره بعض الاصحاب، قال في البحار: " وقيل باستحباب الغسل لتغسيل الميت وتكفينه قبلهما وان لم يمسه " ولم اعثر على من تعرض لنقل هذا القول سواه وكفى به، ويدل على هذا القول قوله (عليه السلام) في الفقه الرضوي (2) " تتوضأ إذا ادخلت القبر الميت واغتسل إذا غسلته ولا تغتسل إذا حملته " وسيأتي ان شاء الله تعالى في باب الاغسال المستحبة ما يؤيد ذلك. ومنها - ان يجعل مع الكافور في الغسلة الثانية ذريرة كما تقدم في صحيحة عبد الله بن مسكان (3) والذريرة - على ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في التبيان - فتات


(1) ص 442 (2) ص 20 (3) ص 441.


[ 461 ]

قصب الطيب وهو قصب يجاء به من الهند كأنه النشاب، وقال في المبسوط والنهاية يعرف بالقمحة بضم القاف وبفتح الميم المشددة والحاء المهملة أو بفتح القاف واسكان الميم، وقال ابن ادريس هي نبات طيب غير الطيب المعهود القمحان بالضم والتشديد، وقال المحقق في المعتبر انها الطيب المسحوق. ومنها - ان يكثر الماء إذا بلغ حقويه حال الغسل، ويدل عليه قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه الثانية (1): " فإذا بلغت وركه فاكثر من صب الماء " وبه صرح في المنتهى كما تقدم في عبارته، وهذا الحكم مما انفرد به هذا الكتاب ايضا فيما اعلم. ومنها - تليين اصابعه ومفاصله فان امتنعت عليه تركها كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية الكاهلي (2): " ثم تلين مفاصله فان امتنعت عليك فدعها " وفى عبارة كتاب الفقه الثانية " ثم لين مفاصله، الى ان قال وتلين اصابعه ومفاصله ما قدرت بالرفق وان كان يصعب عليك فدعها " قال في المعتبر: ثم تلين اصابعه برفق فان تعسر ذلك تركها وهو مذهب اهل البيت (عليهم السلام) وفى بعض احاديثهم " تلين مفاصله " وقال في الذكرى: " يستحب تليين اصابعه برفق فان تعسر تركها وبعد الغسل لا تليين لعدم فائدته " ثم نقل عن ابن ابى عقيل انه نفاه مطلقا لخبر طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (3) " ولا يغمز له مفصل " وحمله الشيخ على ما بعد الغسل، قال في المدارك بعد نقل حمل الشيخ المذكور: " وهو حسن " اقول: قد روى الشيخ في الحسن عن حمران بن اعين (4) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إذا غسلتم الميت منكم فارفقوا به ولا تعصروه ولا تغمزوا له مفصلا... الحديث " وهو ظاهر في كون ذلك


(1) ص 442. (2) ص 438. (3) المروى في الوسائل في الباب 11 من ابواب غسل الميت. (4) رواه في الوسائل في الباب 9 و 11 من ابواب غسل الميت.


[ 462 ]

وقت الغسل لا بعده فلا يقبل تأويل الشيخ المذكور. ويمكن الجمع بين هذين الخبرين وما تقدمهما بحمل هذين الخبرين على ما ينافي الرفق المأمور به في صدر الخبر مع ما دل عليه الخبران الاولان من الامر بالتليين برفق فان امتنعت فدعها. ومنها - الرفق به حال الغسل كما تدل عليه حسنة حمران المذكورة، وما رواه الشيخ في الصحيح الى عثمان النوا (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اغسل الموتى. قال أو تحسن ؟ قلت اني اغسل. قال إذا غسلت ميتا فارفق به ولا تعصره ولا تقربن شيئا من مسامعه بكافور " وروي في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الرفق لم يوضع على شئ الا زانه ولا نزع من شئ إلا شانه ". ومنها - وضع الخرقة على يده حال الغسل كما تضمنته صحيحة عبد الله بن مسكان ونحوها عبارة كتاب الفقه الثانية (3) وان كان في بعضها التخصيص بغسل العورة كما في صحيحة الحلبي أو حسنته وموثقة عمار (4) قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: ولا خلاف في رجحان وضع الغاسل خرقة على يده عند غسل فرج الميت، قال في الذكرى: وهل يجب ؟ يحتمل ذلك لان المس كالنظر بل اقوى ومن ثم ينشر حرمة المصاهرة دون النظر، اما باقي بدنه فلا يجب فيه الخرقة قطعا وهل يستحب ؟ كلام الصادق (عليه السلام) يشعر به. انتهى. اقول: الظاهر انه لا وجه لنسبة الوجوب هنا الى الاحتمال كما ذكره مع ما علم من تحريم مس العورة نصا وفتوى في حال الحياة والحكم في الموت كذلك مؤيدا بما ذكره وبالجملة فالظاهر ان وضع الخرقة لغسل العورة واجب ولسائر البدن مستحب ومنها - كون الغسل تحت سقف لا في الفضاء وعليه تدل صحيحة علي بن جعفر


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب غسل الميت. (3) ص 441 و 442 (4) ص 438 و 440.


[ 463 ]

المتقدمة (1) ومثلها رواية طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان اباه (عليه السلام) كان يستحب ان يجعل بين الميت وبين السماء ستر يعني إذا غسل " وقوله: " يعني إذا غسل " الظاهر انه من كلام الراوي أو من كلام الصادق (عليه السلام)، ونقل في الذكرى ان عليه اتفاق علمائنا. قال في المعتبر: " ولعل الحكمة كراهة ان يقابل السماء بعورته ". ومنها - كثرة الماء ففي رواية الكاهلي (3) " واكثر من الماء " وفي موثقة عمار (4) " لكل من المياه الثلاثة جرة جرة " وفي صحيحة حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يا علي إذا انا مت فاغسلني بسبع قرب من بئر غرس " وفي آخر " ست قرب " اقول: وغرس بالغين المعجمة وسكون الراء بئر بالمدينة، ويؤيده اخبار التثليث المتقدمة، قال في الذكرى: " ولا حد في ماء الغسل غير التطهير كما مر، وظاهر المفيد صاع لغسل الرأس واللحية بالسدر ثم صاع لغسل البدن بالسدر، وفى المعتبر عن بعض الاصحاب ان لكل غسلة صاعا وهو مختار الفاضل في النهاية " وربما ظهر من هذه الاقوال عدم اجزاء ما دون ذلك، قال في المعتبر: قيل يغسل الميت بتسعة ارطال في كل غسلة كالجنب لما روى عنهم (عليهم السلام) (6) " ان غسل الميت كغسل الجنابة " والوجه انقاؤه بكل غسلة من غير تقدير، ثم استدل بما رواه محمد بن الحسن الصفار (7) قال: " كتبت الى ابي محمد (عليه السلام) كم حد الماء الذي يغسل به الميت كما رووا ان


(1) ص 442 (2) المروية في الوسائل في الباب 30 من ابواب غسل الميت. (3) ص 438 (4) ص 440. (5) المروية في الوسائل في الباب 28 من ابواب غسل الميت. (6) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل الميت. (7) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب غسل الميت.


[ 464 ]

الحائض تغتسل بتسعة ارطال فهل للميت حد ؟ فوقع: حده يغسل حتى يطهر ان شاء الله تعالى " اقول: قال الصدوق في الفقيه بعد نقل الخبر المذكور: " هذا التوقيع في جملة توقيعاته الى محمد بن الحسن الصفار عندي بخطه (عليه السلام) في صحيفته " ومنها - الدعاء في حال الغسل، ففي رواية سعد الاسكاف عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " ايما مؤمن غسل مؤمنا فقال إذا قلبه: " اللهم ان هذا بدن عبدك المؤمن قد اخرجت روحه منه وفرقت بينهما فعفوك عفوك " إلا غفر الله تعالى له ذنوب سنة إلا الكبائر " وفى صحيحة ابراهيم بن عمرو عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ما من مؤمن يغسل مؤمنا ويقول وهو يغسله: " يا رب عفوك عفوك " إلا عفا الله تعالى عنه ". ومنها - ان يوضع على ساجة وهو خشب مخصوص ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) قالوا والمراد هنا مطلق الخشب، قال في المبسوط: يجعل على ساجة أو سرير وقال في المدارك: " وينبغي كونه على مرتفع وان يكون مكان الرجلين اخفض حذرا من اجتماع الماء تحته " وعلل بماء فيه من صيانة الميت عن التلطخ. ولم اقف في شئ من الاخبار على ما فيه تعرض لذلك سوى رواية يونس (3) وقوله: " فضعه على المغتسل مستقبل القبلة " وكتاب الفقه وقوله (عليه السلام) فيه (4): " ثم ضعه على مغتسله " وقوله: " وتجعل باطن رجليه الى القبلة وهو على المغتسل " والظاهر ان الاجمال فيه لاستمرار السلف عليه ومعلوميته من غير ان يعتبر فيه نوع مخصوص ولا شئ معين، قال ابن الجنيد " يقدم اللوح الذي يغسل عليه الى الميت ولا يحمل الميت الى اللوح ". ومنها - ان يحفر للماء حفيرة أو يكون في بالوعة ولا يجعل في كنيف، ويدل عليه صحيحة محمد بن الحسن الصفار (5) " انه كتب الى ابي محمد (عليه السلام) هل


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 7 من ابواب غسل الميت. (3) ص 439 (4) ص 442. (5) المروية في الوسائل في الباب 29 من ابواب غسل الميت.


[ 465 ]

يجوز ان يغسل الميت ومأوه الذى يصب عليه يدخل الى بئر كنيف ؟ فوقع (عليه السلام) يكون ذلك في بلاليع " ويدل على الحفيرة قوله (عليه السلام) في حسنة سليمان بن خالد (1) " وكذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه ووجهه الى القبلة " وفى كتاب الفقه (2) " ولا يجوز ان يدخل ما ينصب عن الميت من غسله في كنيف ولكن يجوز ان يدخل في بلاليع لا يبال فيها أو في حفيرة " وظاهره التحريم كما ترى. ومنها - ان يجعل في دبره شئ من القطن قال في الخلاف: يستحب ان يدخل في سفل الميت شئ من القطن لئلا يخرج منه شئ. ونحوه قال ابن الجنيد وزاد القبل من المرأة واضاف الى القطن الذريرة وان يحشى كل منهما بمقدار ما يؤمن معه نزول شئ من الجوف. وقال سلار ويضع القطن على دبره. وقال ابن ادريس يحشو القطن على حلقة الدبر، وبعض اصحابنا يقول في كتاب له ويحشو القطن في دبره. والاول اظهر. اقول: مما دل على هذا الحكم قوله (عليه السلام) في رواية يونس (3) " واحش القطن في دبره لئلا يخرج منه شئ " وقوله (عليه السلام) في رواية عمار (4) " وتدخل في مقعدته من القطن ما دخل " وهما دالان على ما ذكره الشيخ من استدخال ذلك في الدبر لا وضعه عليه من خارج كما ذكره ابن ادريس. وفى كتاب الفقه (5) " وقبل ان تلبسه قميصه تأخذ شيئا من القطن وتجعل عليه حنوطا وتحشو به دبره " ونقل في المختلف الاحتجاج لسلار وابن ادريس بان للميت حرمة تمنع من حشو القطن في دبره كالحي، وبما رواه عمار عن الصادق (عليه السلام) (6): " وتجعل على مقعدته شيئا من القطن " ثم اجاب عن الاول بان حرمة الميت تقتضي ما ذكرناه. وعن الثاني بانه لا يمنع من المدعى.


(1) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب الاحتضار. (2) ص 17 (3) ص 439 (4) ص 440 (5) ص 17. (6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت.


[ 466 ]

اقول: ولم اقف على هذه الرواية التى ذكرها إلا في رواية عمار التي اشتملت على ما ذكرناه فانه ذكر فيها في كيفية الغسل ما قدمناه وذكر في كيفية التكفين كما سيأتي نقله من الرواية المذكورة ما نقله العلامة هنا، ولا يخلو من تدافع، والقول باستحباب الامرين كما يعطيه ظاهر هذه الرواية لم اقف عليه في كلام احد من الاصحاب، ولا يبعد ان يكون هذا من الهفوات التي تكون في رواية عمار غالبا. ومنها - استحباب وقوف الغاسل عن يمينه ذكره جملة من الاصحاب، لقول الصادق (عليه السلام) في رواية عمار (1) عنه (عليه السلام): " لا يجعله بين رجليه في غسله بل يقف من جانبه " كذا استدل به العلامة في النهاية. وهو اعم من المدعى. ومنها - مسح بطنه في الغسلتين الاوليين وعليه تدل رواية الكاهلي (2) ويونس (3) واصرح منهما عبارة كتاب الفقه الثانية لقوله بعد ذكر المسح في الغسلتين الاوليين: " ولا تمسح بطنه في الثالثة " قال في المعتبر: " ويمسح بطنه امام الغسلتين الاوليين إلا الحامل، والمقصود من المسح خروج ما لعله بقى مع الميت فان مع مسح بطنه يخرج ذلك لاسترخاء اعضائه وخلوها من القوة الماسكة، وانما قصد ذلك لئلا يخرج بعد الغسل ما يؤذي الكفن ولا يمسح في الثالثة وهو اجماع فقهائنا " انتهى. اقول: دعوى المحقق الاجماع هنا اما غفلة عن خلاف ابن ادريس أو لعدم الاعتداد بخلافه فان المنقول عنه كما ذكره في الذكرى انه بعد ان جوزه في اول الباب انكره لما ثبت من مساواة الميت للحي في الحرمة، وما ذكرناه مبني على رجوع دعوى الاجماع الى اصل المسألة اما لو خص بعدم المسح في الثالثة فلا. بقي الكلام فيما إذا خرجت منه نجاسة بعد المسح في الاثناء أو بعد تمام الغسل، فالمشهور بين الاصحاب هو صحة الغسل وعدم انتقاضه وانما يجب ازالة النجاسة


(1) رواها في المعتبر ص 74. (2) ص 438 (3) ص 439.


[ 467 ]

خاصة، للامتثال، ولما تقدم في خبر يونس (1) من قوله (عليه السلام): " فان خرج منه شئ فانقه " وما رواه الشيخ في الموثق عن روح بن عبد الرحيم عن الصادق (عليه السلام) (2): " ان بدا من الميت شئ بعد غسله فاغسل الذي بدا منه ولا تعد الغسل " وعن عبد الله الكاهلي والحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (3) قالا: " سألناه عن الميت يخرج منه الشئ بعد ما يفرغ من غسله ؟ قال يغسل ذلك ولا يعاد عليه الغسل " ونحوهما ما رواه في الكافي عن سهل عن بعض اصحابه رفعه (4) وعن ابن ابي عقيل وجوب اعادة الغسل فانه قال: " إذا انتقض منه شئ استقبل به الغسل استقبالا ". ومنها - ان ينشف بثوب بعد الغسل لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي أو حسنته (5): " إذا فرغت من ثلاث غسلات جعلته في ثوب نظيف ثم جففته " ونحوها رواية يونس وموثقة عمار وعبارة كتاب الفقه الثانية (6).

(العاشرة) - من المكروهات في هذا الغسل اقعاد الميت على المشهور بين الاصحاب ذكره الشيخ وكثير ممن تأخر عنه وادعى في الخلاف اجماع الفرقة، قال: " وخالف جميع الفقهاء في ذلك " وانكره المحقق في المعتبر فقال بعد ذكر رواية ابي العباس الآتية: " قال الشيخ في الاستبصار هذا موافق للعامة ولسنا نعمل به. وانا اقول ليس العمل بهذه الاخبار بعيدا ولا معنى لحملها على التقية لكن لا بأس ان يعمل بما ذكره الشيخ من تجنب ذلك والاقتصار على ما اتفق على جوازه " ويدل على النهي عن الاقعاد قوله (عليه السلام) في رواية الكاهلي (7): " واياك ان تقعده أو تغمز بطنه " وجملة من اصحابنا انما استندوا في ذلك الى حسنة حمران ورواية عثمان النوا المتقدمتين في الرفق بالميت (8) حيث ان الاقعاد له خلاف الرفق به. واما ما يدل على الاقعاد فهو ما رواه


(1) ص 439. (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب غسل الميت. (5) و (7) ص 438 (6) ص 439 و 440 و 442 (8) ص 461 و 462.


[ 468 ]

الشيخ في الصحيح عن ابي العباس وهو الفضل بن عبد الملك البقباق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الميت فقال اقعده واغمز بطنه غمزا رفيقا ثم طهره من غمز البطن... الحديث " ولم اقف في كتب الاخبار المشهورة بينهم على ازيد من هذه الرواية ولم ينقل ناقل في المسألة سواها. فما ذكره في المدارك - من انه قد ورد في الامر بالاقعاد عدة روايات - لا اعرف له وجها، نعم وقع ذلك في عبارة كتاب الفقه الثانية. وكيف كان فما ذكره الشيخ من حمل هذه الرواية ونحوها على التقية جيد حيث ان العامة متفقون على استحباب اقعاده حال الغسل (2) وكلام صاحب المعتبر عليه لا وجه له لما علم من اخبار اهل البيت (عليهم السلام) من الحث الشديد والتأكيد الاكيد على مجانبتهم خذلهم الله تعالى وعرض الاخبار على مذهبهم والاخذ بخلافه وان لم يكن في مقام التعارض وانهم ليسوا من الحنيفية على شئ وانه ليس في يدهم إلا استقبال القبلة وانهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة ونحو ذلك مما بسطنا الكلام عليه في محل اليق، فكيف وقد دلت رواية الكاهلي على النهي المذكور. ومنها - حلق رأسه وعانته وتسريح لحيته وقلم اظفاره على المشهور، وحكم ابن حمزة بالتحريم، ونقل الشيخ الاجماع على انه لا يجوز قص الاظفار ولا تنظيفها من الوسخ بالخلال ولا تسريح اللحية، وهو مقتضى ظاهر النهي في الاخبار الواردة بذلك ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت. (2) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 457 " يبدأ الغاسل فيحنى الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به قريبا من الجلوس لان في الجلوس اذية له " وفى المهذب للشيرازي ج 1 ص 128 " المستحب ان يجلسه اجلاسا رفيقا ويمسح بطنه مسحا بليغا " وفى المنهاج للنووي ص 23 " ويجلسه الغاسل على المغتسل مائلا الى ورائه ثم يمسح بطنه " وفى الفروع للشيباني الحنبلى ج 1 ص 629 " يرفع رأسه الى قريب من جلوسه فيعصر بطنه برفق " وفى البحر الرائق ج 2 ص 172 والمبسوط للسرخسي ج 2 ص 59 " ويقعده فيمسح بطنه مسحا رفيقا ".


[ 469 ]

عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا يمس من الميت شعر ولا ظفر وان سقط منه شئ فاجعله في كفنه " وعن غياث عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " كره امير المؤمنين (عليه السلام) ان يحلق عانة الميت إذا غسل أو يقلم له ظفر أو يجز له شعر " وعن عبد الرحمان ابن ابي عبد الله (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الميت يكون عليه الشعر فيحلق عنه أو يقلم ظفره ؟ قال لا يمس منه شئ اغسله وادفنه " وعن طلحة ابن زيد عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " كره ان يقص من الميت ظفر أو يقص له شعر أو يحلق له عانة أو يغمز له مفصل " وما رواه الصدوق عن ابي الجارود (5) " انه سأل الباقر (عليه السلام) عن الرجل يتوفى أتقلم اظافيره وينتف ابطه وتحلق عانته ان طالت به من المرض ؟ فقال لا " ولفظ الكراهة في هذين الخبرين لا ينافي التحريم فانه قد شاع استعماله في التحريم في الاخبار، وبالجملة فالتحريم قريب لعدم المعارض لهذه الاخبار الدالة بظاهرها على ذلك ولاسيما مع استحباب هذه الاشياء عند العامة واتفاقهم على ذلك (6) ونقل في الذكرى عن العلامة انه يخرج الوسخ من اظفاره بعود عليه قطن مبالغة في التنظيف، ثم رده بانه مدفوع بنقل الاجماع مع النهي عنه في خبر الكاهلي السابق (7) واما ما ذكروه من انه لو قص شيئا من هذه الاشياء وجب جعله


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب غسل الميت. (6) في الفروع فقه الحنابلة ج 1 ص 631 " يجز شاربه ويقلم اظفاره ويؤخذ شعر ابطه وعانته " وفى المنهاج للنووي ص 23 " في الجديد لا يكره في غير المحرم اخذ ظفره وشعر ابطه وعانته وشاربه. وفى الوجيز للغزالي ص 45 غير المحرم هل يقلم ظفره ويحلق شعره الذى يستحب في الحياة حلقه ؟ فيه قولان " وفى البداية لابن رشد المالكى ج 1 ص 212 " اختلفوا في تقليم اظفار الميت والاخذ من شعره فقيل تقلم اظفاره ويؤخذ من شعره وقيل لا وليس فيه اثر " وفي المهذب للشيرازي ج 1 ص 129 " في تقليم اظفاره وحف شاربه وحلق عانته قولان احدهما يفعل به ذلك لانه تنظيف كازالة الوسخ والثانى يكره وهو قول المزني لانه قطع جزء منه " وفى المبسوط للسرخسي ج 2 ص 59 المنع من ذلك كله. (7) ص 438.


[ 470 ]

مع الميت في كفنه فيدل عليه مرسلة ابن ابي عمير المذكورة. ومنها - غسله بالماء المسخن بالنار، وحكى في المنتهى الاجماع على كراهته، وقال الشيخ لو خشي الغاسل من البرد انتفت الكراهة، وقيده المفيد (رحمه الله) بالقلة فقال يسخن قليلا، وتبعهما في الاستثناء جمع من الاصحاب، والصدوقان ايضا استثنيا حال شدة البرد، والظاهر من كلامهما ان ذلك لرعاية حال الميت لا حال الغاسل. والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) لا يسخن الماء للميت " وفى الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن رجل عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (2): " قالا لا يقرب الميت ماء حميما " وما رواه في الكافي عن يعقوب بن يزيد عن عدة من اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا يسخن للميت الماء لا تعجل له النار ولا يحنط بمسك " وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (4) قال قال الباقر (عليه السلام): " لا يسخن الماء للميت " وروى في حديث آخر: " إلا ان يكون شتاء باردا فتوقى الميت مما توقى منه نفسك " اقول: الظاهر ان الصدوق اشار بهذه الرواية الى ما تقدم في كتاب الفقه الرضوي (5) حيث قال: " ولا تسخن له ماء إلا ان يكون باردا جدا فتوقى الميت مما توقي منه نفسك ولا يكون الماء حارا شديدا وليكن فاترا " انتهى. ومن هذه العبارة اخذ الصدوقان، والظاهر ان المراد بقوله: " فتوقى الميت مما توقى منه نفسك " ما ذكره بعض مشايخنا يعني توقى نفسك وتوقي الميت بتبعية توقى نفسك لان الميت يتضرر بذلك وتوقيه منه. ومنها - جعل الميت حال الغسل بين رجليه لما تقدم من رواية عمار (6) وقوله (عليه السلام): " لا يجعل الميت بين رجليه في غسله بل يقف من جانبه " واما ما رواه الشيخ


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب غسل الميت (5) ص 17 (6) رواها المحقق في المعتبر ص 74.


[ 471 ]

عن العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (1) - قال: " لا بأس ان تجعل الميت بين رجليك وان تقوم من فوقه فتغسله إذا قلبته يمينا وشمالا تضبطه برجليك لكيلا يسقط لوجهه " - فقد حمله في التهذيبين على الجواز وان كان الافضل ان لا يركب الغاسل الميت، والاظهر تخصيصه بحال الضرورة وعدم التمكن من الغسل إلا بذلك كما هو ظاهر سياق الخبر المذكور فلا تنافي. ومنها - الدخنة على المشهور، قال في المعتبر: ولا يعرف اصحابنا استحباب الدخنة بالعود ولا بغيره عند الغسل واستحبه الفقهاء، لنا - ان الاستحباب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع والتقدير عدمها (لا يقال) ذلك لدفع الرائحة الكريهة (لانا نقول) ليست الرائحة دائمة مع كل ميت ولان ذلك قد يندفع بغيره وكما سقط اعتبار غير العود من الاطياب فكذا التجمير، ويؤيده رواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا تجمروا الاكفان ولا تمسوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم " انتهى. اقول: لم اقف في الاخبار على ما يدل على حكم الدخنة حال الغسل لا نفيا ولا اثباتا لكن لا يبعد من حيث اتفاق العامة على استحباب ذلك واشتهاره بينهم (3) ان يقال بالكراهة للاخبار الدالة على الاخذ بخلافهم مطلقا.

(الحادية عشرة) - ما تضمنته رواية عمرو بن خالد المتقدمة (4) - من الامر بتيمم المجدور وكذا مثله ممن يخاف من تغسيله تناثر جلده كالمحترق - مما لا خلاف فيه


(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب غسل الميت. (2) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب التكفين. (3) في شرح الزرقاني على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 2 ص 106 " يستحب تجمير الدار بالبخور عند خروج روحه وغسله " وفى البحر الرائق ج 2 ص 177 " يجمر الميت في ثلاثة مواضع: عند خروج روحه وعند غسله وعند تكفينه " وفى مجمع الانهر ج 1 ص 179 " يوضع حول سريره الذى يغسل عليه مجمر ". (4) ص 442.


[ 472 ]

بين الاصحاب بل قال في التهذيب ان به قال جميع الفقهاء الا الاوزاعي، والمستند في الحكم المذكور هو الرواية المذكورة، وقال الصدوق في الفقيه: " والمجدور إذا مات يصب عليه الماء صبا إذا خيف ان يسقط من جلده شئ عند المس وكذلك الكسير والمحترق والذي به القروح " وظاهر هذا الكلام ان الحكم في المجدور ونحوه انما هو الصب دون التيمم كما هو المشهور. ويدل عليه رواية عمرو بن خالد الاخرى المتقدمة ايضا (1) ورواية ضريس عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أو الباقر (عليه السلام) (2) قال: " المجدور والكسير والذي به القروح يصب عليه الماء صبا " وما في الفقه الرضوي (3) حيث قال: (عليه السلام): " وان كان الميت مجدورا أو محترقا فخشيت ان مسسته سقط من جلوده شئ فلا تمسه ولكن صب عليه الماء صبا فان سقط منه شئ فاجعله في اكفانه " انتهى وظاهر ما بين الكلامين من التدافع، إلا ان يقال ان الواجب في المجدور ونحوه هو الصب اولا دون المس باليد فان خيف بالصب تناثر لحمه فالحكم التيمم وهو ظاهر المحقق في المعتبر وقد جعله وجه جمع بين رواية ضريس ورواية عمرو بن خالد الدالة على التيمم، وفقال: " يستحب امرار اليد على جسد الميت فان خيف من ذلك لكونه مجدورا أو محترقا اقتصر الغاسل على صب الماء من غير امرار، ولو خيف من الصب لم يغسل ويمم، ذكر ذلك الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة وابن الجنيد. اما الاولى فلان الامرار مستحب وتقطيع جلد الميت محظور فيتعين العدول الى ما يؤمن معه تناثر الجسد، ويؤيد هذا الاعتبار ما رواه، ثم ساق رواية ضريس ثم قال: واما الثانية فلان التيمم طهارة لمن تعذر عليه استعمال الماء قال الشيخ في الخلاف: وبه قال جميع الفقهاء إلا الاوزاعي. وعلى قول الشيخ تكون المسألة اجماعية لان خلاف الاوزاعي منقرض، ويؤيد ذلك ما رواه عمرو بن خالد " ثم ساق روايته المتضمنة للتيمم وحاصل كلامه انه


(1) ص 442 (2) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب غسل الميت. (3) ص 18.


[ 473 ]

متى علم تناثر جسده بالمس اكتفى بالصب إذا لم يتناثر جسده بالصب ومتى علم تناثر جسده بالصب اكتفى بالتيمم. وهو جمع حسن بين الروايتين المذكورتين، الا ان في قبول عبارة الصدوق وعبارة كتاب الفقه التي منها اخذت عبارة الصدوق وان كان بالمعنى اشكالا، حيث ان ظاهر الاولى وصريح الثانية انه مع خوف التناثر بالمس ينتقل الى الصب وان حصل به التناثر، ولهذا امر (عليه السلام) بجعل ما يسقط منه مع الصب في اكفانه ولم يأمر بالتيمم، والمراد بالصب هنا هو ما يعبر عنه بالنضح تارة والرش اخرى وهو مقابل للغسل الذي يحصل به الجريان. وكيف كان فالظاهر ان الاحوط بل الاقوى ما هو المشهور من التفصيل الذي ذكره في المعتبر. بقي هنا شئ وهو ان السيد السند قال في المدارك بعد الطعن في رواية عمرو ابن خالد التي هي مستند الحكم بالتيمم في المسألة بضعف السند باشتماله على جماعة من الزيدية: فان كانت المسألة اجماعية على وجه لا يجوز مخالفته فلا بحث وإلا امكن التوقف في ذلك، لان ايجاب التيمم زيادة تكليف والاصل عدمه خصوصا ان قلنا ان الغسل ازالة النجاسة كما يقوله المرتضى، وربما ظهر من بعض الروايات عدم الوجوب ايضا كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) في الجنب والمحدث والميت إذا حضرت الصلاة ولم يكن معهم من الماء إلا بقدر ما يكفي احدهم، قال: " يغتسل الجنب يدفن الميت ويتيمم الذي هو على غير وضوء لان الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت سنة والتيمم للآخر جائز " انتهى. اقول: لا يخفى ان الراوي لهذه الرواية في كتب الاخبار انما هو عبد الرحمان بن ابي نجران لا عبد الرحمان بن الحجاج كما ذكره هنا، وهو ايضا قد ذكر هذه الرواية في بحث التيمم في مسألة اجتماع الجنب والميت والمحدث ونقلها عن عبد الرحمان بن ابي نجران. واما ما وصفها به من صحة السند فان كان نقله لها من التهذيب فهي ليست بصحيحة لان في طريقها في الكتاب المذكور محمد بن عيسى


(1) المروية في الوسائل في الباب 18 من ابواب التيمم.


[ 474 ]

وهو مشترك وفيه عبد الرحمان عمن حدثه، وان كان من الفقه فهي صحيحة لانه رواها فيه عن عبد الرحمان بن ابي نجران وطريقه إليه صحيح في المشيخة، إلا ان متنها فيه ليس كما ذكره بل الذي فيه " ويدفن الميت بتيمم ويتيمم الذي هو على غير وضوء... الى آخره " وهي صريحة في تيمم الميت خلافا لما يدعيه، وبالجملة فان كان نقله لها من التهذيب فمتنها فيه على ما ذكره إلا ان السند غير صحيح وان كان من الفقه فالسند صحيح كما وصفه إلا ان متنها ليس كما ذكره. إلا ان صاحب الوافي والوسائل قد نقلا ايضا هذه الرواية من التهذيب بهذا المتن الذي ذكره ثم نقلاها عن الفقيه واحالا المتن على ما نقلاه عن التهذيب ولم ينبها على الزيادة التي ذكرناها. وهو محتمل لاتحاد هذا المتن في الكتابين كما ذكره السيد ومحتمل لوقوع السهو منهما عن التنبيه على ذلك فانه قد جرى لهما مثل ذلك في مواضع عديدة، وبالجملة فاني قد تتبعت نسخا عديدة مضبوطة من الفقيه فوجدت الرواية فيها كما ذكرته من الزيادة المذكورة. والله العالم.

(الثانية عشرة) - إذا مات الجنب أو الحائض أو النفساء كفى غسل الميت على المعروف من مذهب الاصحاب ولا يجب غسلان بل ولا يستحب، قال في المعتبر: وهو مذهب اكثر اهل العلم. اقول: ويدل على ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ميت مات وهو جنب كيف يغسل وما يجزئه من الماء ؟ قال يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة " ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله. وعن عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) " انه سئل عن المرأة إذا ماتت في نفاسها كيف تغسل ؟ قال مثل غسل الطاهر وكذلك الحائض وكذلك الجنب انما يغسل غسلا واحدا فقط " ورواه الصدوق باسناده عن عمار مثله. وعن علي عن ابي ابراهيم (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الميت يموت وهو جنب ؟ قال غسل واحد "


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب غسل الميت.


[ 475 ]

وعن ابي بصير عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في الجنب إذا مات ؟ قال ليس عليه إلا غسلة واحدة ". واما ما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل مات وهو جنب ؟ قال يغسل غسلة واحدة بماء ثم يغسل بعد ذلك " وعن عيص عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا مات الميت فخذ في جهازه وعجله وإذا مات الميت وهو جنب غسل غسلا واحدا ثم يغسل بعد ذلك " وعن عيص بن القاسم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " إذا مات الميت وهو جنب غسل غسلا واحدا ثم اغتسل بعد ذلك " فقد اجاب الشيخ (قدس سره) بحملها على الاستحباب بعد ان طعن فيها بان الاصل فيها كلها عيص وهو واحد لا يعارض به جماعة كثيرة ثم وجهها بتوجيه الغسل الاخير الى الغاسل كما هو ظاهر الخبر الاخير ويكون ذلك غلطا من الراوي أو الناسخ في البواقي يعني في جعل " يغسل " مكان " يغتسل " اقول: قد تقدم البحث في تداخل الاغسال في نية الوضوء (5) وبسطنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه وبينا صحة القول بالتداخل، وهذه الاخبار الثلاثة لا تقوم بمعارضة جملة اخبار المسألة فيتعين حملها على ما ذكره الشيخ وان بعد وإلا فطرحها وارجاعها الى قائلها، وحملها على التقية غير بعيد وان كان القائل بها من العامة غير معلوم فانه متى كان علماء الطائفة سلفا وخلفا على القول بالاكتفاء بغسل واحد كما دلت عليه الاخبار الكثيرة فمن الظاهر حمل ما خالف ذلك على التقية (6) وان لم يكن به قائل كما


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب غسل الميت. (3) روى صدره في الوسائل في الباب 47 من ابواب الاحتضار وذيله في الباب 31 من ابواب غسل الميت. (5) ج 2 ص 196. (6) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 463 " الحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل، قال ابن المنذر هذا قول من تحفظ عنه من علماء الامصار، وقيل عن الحسن يغسل الجنب للجنابة والحائض ثم يغسلون للموت ".


[ 476 ]

عرفت في مقدمات الكتاب، وايضا فقد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة (1) " خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر " ولا ريب ان الرواية بالتداخل اشهر لتعدد نقلتها وكثرتهم وشذوذ هذه الروايات لانحصار رواتها في رجل واحد. والله العالم. تتمة تشتمل على فائدتين (الاولى) - قد صرح الاصحاب بان الحامل إذا ماتت والولد حي في بطنها فانه يشق بطنها من الجانب الايسر ويخرج الولد ويخاط الموضع ثم تغسل وتكفن بعد ذلك. ويدل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي في الموثق عن علي ابن يقطين (2) قال: " سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن المرأة تموت وولدها في بطنها ؟ قال يشق بطنها ويخرج ولدها " وعن علي بن ابي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن المرأة تموت ويتحرك الولد في بطنها أيشق بطنها ويستخرج ولدها ؟ قال: نعم " ورواها في الكافي ايضا في الحسن أو الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) مثله وزاد " ويخاط بطنها " وما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) عن المرأة تموت وولدها في بطنها يتحرك ؟ قال يشق عن الولد " قال في المدارك: " واطلاق الروايات يقتضي عدم الفرق في الجانب بين الايمن والايسر، وقيده الشيخان في المقنعة والنهاية وابن بابويه بالايسر ولا اعرف وجهه " اقول: وجهه قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (6) حيث قال: " وإذا ماتت المرأة وهي حاملة وولدها يتحرك في بطنها شق بطنها من الجانب الايسر واخرج الولد " وبهذه العبارة بعينها عبر الصدوق في الفقيه


(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 46 من ابواب الاحتضار (6) ص 19.


[ 477 ]

جريا على ما عرفت في غير موضع، وكذا ما بعد العبارة المذكورة، والظاهر ان من تأخر عن الصدوق قد تبعه في ذلك أو اخذه من الكتاب المذكور. والمفيد ايضا كثير الرواية منه وقال في المدارك ايضا: " واما خياطة المحل بعد القطع فقد نص عليه المفيد في المقنعة والشيخ في المبسوط واتباعهما وهو رواية ابن ابي عمير عن ابن اذينة (1) وردها المصنف في المعتبر بالقطع وبانه لا ضرورة الى ذلك فان المصير الى البلا. وهو حسن لكن الخياطة اولى لما فيها من ستر الميت وحفظه عن التبدد وهو اولى من وضع القطن على الدبر " انتهى اقول: ما ذكره في المعتبر من رد الرواية غير معتبر وما استحسنه السيد من ذلك غير حسن، فان الدليل غير منحصر فيما ذكره من مقطوعة ابن اذينة وهي ما رواه الشيخ عن ابن ابي عمير بطريقه إليه عن عمر بن اذينة (2) قال: " يخرج الولد ويخاط بطنها " بل قد روى ذلك في الكافي ايضا - كما عرفت - عن الصادق (عليه السلام) والحديث صحيح أو حسن ليس فيه ما ربما يطعن عليه، ولكن الظاهر انهما لم يقفا على رواية ابن ابي عمير المذكورة والا لما خصوا الاستدلال بالمقطوعة المشار إليها وطعنوا فيها بذلك واما لو مات الولد في بطنها وهي حية ادخلت القابلة أو غيرها ممن يحسن ذلك يدها في فرج المرأة وقطعت الولد واخرجته قطعة قطعة، قال في الخلاف بعد ذكر الحكم المذكور: " ولم اعرف فيه للفقهاء نصا " واستدل باجماع الفرقة وكأنه قد غاب عن خاطره الرواية الآتية. وقال في المعتبر: " ويتولى ذلك النساء فالرجال المحارم فان تعذر جاز ان يتولاه غيرهم " ويدل عليه ما رواه في الكافي عن وهب بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) إذا ماتت المرأة وفى بطنها ولد يتحرك يشق بطنها ويخرج الولد، وقال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها ؟ قالا لا بأس ان يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه " ورواه في موضع آخر وزاد في آخرها " إذا لم ترفق به النساء " وقال في الفقه الرضوي (4) في


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 46 من ابواب الاحتضار. (4) ص 19.


[ 478 ]

تتمة العبارة المتقدمة: " وان مات الولد في جوفها ولم يخرج ادخل انسان يده في فرجها وقطع الولد بيده واخرجه، وروى انها تدفن مع ولدها إذا مات في بطنها " اقول: الظاهر تعلق هذه الرواية بصدر كلامه (عليه السلام) فيما إذا ماتت الام بان يقال الحكم في الولد ان كان حيا الشق كما تقدم وان كان ميتا دفن معها.

فروع:

(الاول) - قال في المنتهى: " لو ماتت ومات الولد بعد خروج بعضه اخرج الباقي وغسل وكفن ودفن، وان لم يمكن اخراجه إلا بالشق على تلك الحال وغسل مع امه لان الشق هتك حرمة الميت من غير ضرورة " اقول: ما ذكره وان لم يرد بخصوصه نص إلا انه مطابق لمقتضى الاصول والنصوص العامة، وعلل الحكم الثاني وهو التغسيل مع امه بان الخارج له حكم من مات بعد خروجه في وجوب التغسيل وما بطن له حكم من مات في بطن امه.

(الثاني) - قال ايضا في الكتاب المذكور: " لو بلع الميت مالا فان كان له لم يشق بطنه لانه اتلفه في حياته ولا يستعقب الغرم على نفسه، ويحتمل ان يقال ان كان كثيرا ساغ الشق واخراجه لان فيه حفظا للمال عن الضياع وعونا للورثة، وان كان لغيره فان كان باذنه فهو كماله وان كان بغير اذنه كان كالغاصب، فيمكن ان يقال لا يشق بطنه ويؤخد من تركته احتراما للميت وتركا للمثلة به، ويمكن ان يقال بالشق لان فيه حفظا للمال ونفعا لصاحبه ".

(الثالث) - قال (قدس سره) ايضا: " لو كان في اصبع الميت أو اذنه أو يده شئ من الحلي وجب اخذه فان لم يمكن ذلك برد واخذ من غير تمثيل بالميت ".

(الفائدة الثانية) - قال الصدوق في الفقيه: " ومن كان جنبا واراد ان يغسل الميت فليتوضأ وضوء الصلاة ثم يغسله، ومن اراد الجماع بعد غسله للميت فليتوضأ ثم


[ 479 ]

ليجامع " انتهى. وهذا الحكم مما ذكره جملة من الاصحاب في هذا المقام. والمستند فيه حسنة شهاب بن عبد ربه (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب أيغسل الميت أو من غسل ميتا أله ان يأتي اهله ثم يغتسل ؟ فقال: هما سواء لا بأس بذلك، إذا كان جنبا غسل يديه وتوضأ وغسل الميت وهو جنب، وان غسل ميتا توضأ ثم اتى اهله ويجزئه غسل واحد لهما " وكذلك يدل عليه ما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): " وإذا اردت ان تغسل ميتا وانت جنب فتوضأ وضوء الصلاة ثم اغسله وإذا اردت الجماع بعد غسلك الميت من قبل ان تغتسل من غسله فتوضأ ثم جامع " انتهى. وعبارة الصدوق مأخوذة من هذه العبارة بتغيير ما، وظاهر الخبرين المذكورين استحباب الوضوء لمريد تغسيل الميت إذا كان جنبا ولمريد الجماع إذا غسل ميتا ولما يغتسل غسل المس وان لم يكن جنبا، وبه يظهر ما في كلام السيد السند في المدارك حيث قال في ضمن جنبا غسل يديه وتوضأ وغسل الميت وهو جنب، وان غسل ميتا توضأ ثم اتى اهله ويجزئه غسل واحد لهما " وكذلك يدل عليه ما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): " وإذا اردت ان تغسل ميتا وانت جنب فتوضأ وضوء الصلاة ثم اغسله وإذا اردت الجماع بعد غسلك الميت من قبل ان تغتسل من غسله فتوضأ ثم جامع " انتهى. وعبارة الصدوق مأخوذة من هذه العبارة بتغيير ما، وظاهر الخبرين المذكورين استحباب الوضوء لمريد تغسيل الميت إذا كان جنبا ولمريد الجماع إذا غسل ميتا ولما يغتسل غسل المس وان لم يكن جنبا، وبه يظهر ما في كلام السيد السند في المدارك حيث قال في ضمن تعداد افراد الوضوء المستحب: " وجماع غاسل الميت ولما يغتسل إذا كان الغاسل جنبا " فقيد استحباب الوضوء لغاسل الميت إذا اراد الجماع بما إذا كان جنبا في حالة غسله للميت، وتبعه على هذا جمع ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا. والروايتان المذكورتان تناديان بخلافه. والله العالم. تم الجزء الثالث من كتاب الحدائق الناضرة في الاغسال ويتلوه الجزء الرابع من تكفين الميت. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين.


(1) المروى في الوسائل في الباب 34 من ابواب غسل الميت. (2) ص 18.


  الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>