تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء السادس عشر


الباب الرابع

في الحج

وفيه مقاصد:

المقصد الأول

في الوقوف بعرفات

والبحث عن مقدماته وكيفيته وأحكامه يقع في فصول ثلاثة:

الفصل الأول

في المقدمات

وفيه مسائل:

المسألة الاولى - المشهور بين الاصحاب استحباب الاحرام للحج يوم التروية، ونقل في المختلف عن ابن حمزة القول بالوجوب إذا امكنه الاحلال والاحرام بالحج ولم يتضيق الوقت، مستندا إلى الامر بالاحرام يوم التروية في جملة من الاخبار الاتية، وحمله الاصحاب على الاستحباب، استنادا إلى اشتمال تلك الاخبار على جملة من المستحباب. اقول: ومن ما يدل على جواز وقوعه في غير يوم التروية ما تقدم قريبا (1) في حديث أبي الحسن (عليه السلام) من انه دخل ليلة عرفة معتمرا فاتى بافعال العمرة واحل وجامع بعض جواريه ثم اهل بالحج وخرج إلى منى.


(1) ص 303.


[ 346 ]

وما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن بعض اصحابه عن ابي الحسن (عليه السلام) في حديث قال فيه: (وموسع للرجل أن يخرج إلى منى من وقت الزوال من يوم التروية إلى ان يصبح حيث يعلم انه لا يفوته الموقف). وفي الصحيح عن علي بن يقطين (2) قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يريد ان يتقدم فيه الذي ليس له وقت اول منه. قال: إذا زالت الشمس. وعن الذي يريد ان يتخلف بمكة عشية التروية، إلى اية ساعة يسعه ان يتخلف ؟ قال: ذلك موسع له حتى يصبح بمنى) ومعناه ان اول وقت الخروج إلى منى زوال الشمس من يوم التروية وآخره آخر ليلة عرفة بان يصبح في منى لا يتقدم على هذا ولا يتأخر عن هذا. هذا هو الاصل في افضلية الوقت وان جاز التقديم والتأخير على خلاف الفضل، ولذوي الاعذار كما سيأتي ان شاء الله تعالى. والظاهر ان ما ذكره علماء الرجال من ان علي بن يقطين روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديثا واحدا هو هذا الحديث.


(1) ج 5 ص 176، قد اعتبر في الوافي باب (الخروج إلى منى) هذا الكلام من تتمة حديث البزنطي عن بعض اصحابه الذي اورده في الوسائل الباب 3 من احرام الحج والوقوف بعرفة، ولم يعتبره من الحديث المزبور بل من كلام الشيخ (قدس سره)، وقد جرى المصنف (قدس سره) على نهج الوافي حيث اعتبره من الحديث. وسيأتي منه نقل الحديث المذكور في المسألة الثالثة. (2) الوسائل الباب 3 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 347 ]

وهذه الاخبار ظاهرة في رد ما نقل عن ابن حمزة من القول بالوجوب في يوم التروية. ثم ان من المستحب في هذا ليوم ايضا قبل الاحرام الغسل وقص الاظفار وطلي العانة ونتف الابطين واخذ الشارب. ومن الاخبار في المقام ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (إذا كان يوم التروية ان شاء الله، فاغتسل، والبس ثوبيك، وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين احرمت من الشجرة، واحرم بالحج، ثم امض وعليك السكينة والوقار، فإذا انتهيت إلى الروحاء دون الردم فلب، فإذا انتهيت إلى الردم واشرفت على الابطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى) وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا اردت ان تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين اردت ان تحرم، وخذ من شاربك ومن اظفارك، واطل عانتك ان كان لك شعر، وانتف ابطيك، واغتسل، والبس ثوبيك، ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل ان تحرم، وتدعو الله تعالى وتسأله العون، وتقول:


(1) الفروع ج 4 ص 454 والتهذيب ج 5 ص 167 والوسائل الباب 1 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الفروع ج 4 ص 454 والتهذيب ج 5 ص 168 والوسائل الباب 52 من الاحرام.


[ 348 ]

اللهم اني اريد الحج فيسره لي وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. وتقول: احرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي من النساء والطيب والثياب، اريد بذلك وجهك والدار الاخرة، وتحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. ثم تلبي من المسجد الحرام كما لبيت حين احرمت، وتقول: لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك، فان قدرت ان يكون رواحك إلى منى زوال الشمس والا فمتى تيسر لك من يوم التروية). وما رواه الشيخ في التهذيب عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة، ثم صل ركتعين خلف المقام، ثم اهل بالحج، فان كنت ماشيا فلب عند المقام، وان كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك، وصل الظهر ان قدرت بمنى. واعلم انه واسع لك ان تحرم في دبر فريضة أو دبر نافلة أو ليل أو نهار). وعن ايوب بن الحر عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (قلت له: انا قد اطلينا ونتفنا وقلمنا اظفارنا بالمدينة فما نصنع عند الحج ؟ فقال: لا تطل ولا تنتف ولا تحرك شيئا). وهذا الخبر حمله الشيخ في التهذيب (3) على الحجة المفردة دون المتمتع بها قال: لان المفرد لا يجوز له شئ من ذلك حتى يفرغ من مناسك يوم


(1) التهذيب ج 5 ص 169 والوسائل الباب 46 و 15 و 18 من الاحرام والباب 2 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الوسائل الباب 7 من الاحرام. (3) ج 5 ص 168 والوسائل الباب 7 من الاحرام.


[ 349 ]

النحر، وليس في الخبر انا قد فعلنا ذلك ونحن متمتعون غير مفردين. وفي الاستبصار جمله عل الاخبار عن الجواز وان كان التنظيف افضل. قال في الوافي وهو الاظهر، لان المتبادر من قوله (عند الحج) الاحرام به فينبغي حمله على ما إذا كان قريب العهد بالاطلاء والنتف وكان اقل من خمسة عشر يوما الذي هو النصاب في ذلك. وهو جيد. فائدة روى الصدوق (قدس سره) في كتاب علل الشرائع والاحكام (1) في الحسن عن عبيد الله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته لم سمي يوم التروية يوم التروية ؟ قال: لانه لم يكن بعرفات ماء وكانوا يستقون من مكة من الماء لريهم، وكان بعضهم يقول لبعض ترويتم ترويتم: فسمي يوم التروية لذلك). ورواة في المحاسن (2) بالسند المذكور عن ابي عبد الله (عليه السلام) هكذا: قال: (لانه لم يكن بعرفات ماء وكان يستقون من مكة الماء لريهم، وكان يقول بعضهم لبعض: ترويتم من الماء، فسميت التروية) وروى في المحاسن (3) ايضا في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله. (عليه السلام) قال: (سميت التروية لان جبرئيل اتى


(1) ص 435 الطبعة الحديثة. (2) ج 2 ص 236. (3) ج 2 ص 336 وفي الوسائل الباب 19 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 350 ]

ابراهيم يوم التروية فقال: يا ابراهيم ارتو من الماء لك ولا هلك. ولم يكن بين مكة وعرفات ماء، ثم مضى به إلى الموقف فقال له: اعترف واعرف مناسكك. فلذلك سميت عرفة. ثم قال له: ازدلف إلى المشعر الحرام فسميت المزدلفة). وروى في الكافي (1) عن ابي بصير (انه سمع ابا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يذكران انه لما كان يوم التروية قال جبرئيل لا ابراهيم تروه من الماء. فسميت التروية. ثم اتي منى فأباته بها. ثم غدا به إلى عرفات فضرب خباءه بنمرة دون عرفة فبنى مسجدا باحجار بيض، وكان يعرف اثر مسجد ابراهيم حتى ادخل في هذا المسجد الذي بنمرة.. الحديث) وهو طويل يتضمن قضية ذبح اسماعيل. ونقل العلامة في المنتهى عن الجمهور (2) وجها آخر، وهوان ابراهيم راى في تلك الليلة التي راي فيها ذبح الولد رؤياه، فاصبح يروى في نفسه اهو حلم ام من الله تعالى ؟ فسمي يوم التروية، فلما كانت ليلة عرفة راى ذلك ايضا فعرف انه من الله تعالى، فسمى يوم عرفة.

الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) - بعد اتفاقهم على استحباب الاحرام أو وجوبه يوم التروية عند الزوال - في افضلية الصلاة المكتوبة في المسجد ووقوع الاحرام في دبرها أو تأخيرها إلى منى، فقال الشيخ في النهاية والمبسوط: وإذا اراد ان يحرم للحج فليكن ذلك عند زوال الشمس بعد ان يصلي الفرضين في مكة. وذهب الشيخ المفيد


(1) ج 4 ص 207 (2) المغني ج 3 ص 404 طبع عام 1368 والدر المنثور ج 5 ص 283.


[ 351 ]

والسيد المرتضى إلى تأخير الفرضين إلى منى. ونقل في المختلف عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه انه قال: وإذا كان يوم التروية، فاغتسل والبس ثياب احرامك، وات المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، وصل عند المقام الظهر والعصر، واعقد احرامك في دبر العصر، وان شئت في دبر الظهر، بالحج مفردا. وقال ابن الجنيد: الافضل ان يكون عقيب صلاة العصر المجموعة إلى الظهر، ويصلي ركعتين عند المقام أو في الحجر، وان صلى ست ركعات للاحرام كان افضل، وان صلى فريضة الظهر ثم احرم في دبرها كان أفضل. وظاهر هذه العبارات انه لا فرق في ذلك بين الامام وغيره. وقال الشيخ في التهذيب ان الخروج بعد الصلاة مختص بمن عدا الامام من الناس، فاما الامام نفسه فلا يجوز له ان يصلي الظهر والعصر يوم التروية الا بمنى. وحمل العلامة في المنتهى عبارته بعدم الجواز على شدة الاستحباب، والى هذا القول ذهب اكثر المتأخرين، والظاهر انه المشهور بينهم. واختار في المدارك التخيير لغير الامام بين الخروج قبل الصلاة أو بعدها، واما الامام فيستحب له التقدم والخروج قبل الزوال وايقاع الفرضين في منى. وهو جيد. وعليه تجتمع الاخبار. فمن الاخبار الواردة في المقام ما تقدم من صحيحة معاوية بن عمار أو حسنة، وهي دالة على استحباب الصلاة في المسجد، لكنها مطلقة شاملة باطلاقها للامام وغيره ورواية عمر بن يزيد وظاهرها افضلية التأخير إلى منى مطلقا.


[ 352 ]

ومنها: ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا انتهيت إلى منى فقل: اللهم ان هذه منى وهي من ما مننت به علينا من المناسك، فاسألك ان تمن علي بما مننت به على انبيائك، فانما انا عبدك وفي قبضتك. ثم تصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة والفجر، والامام يصلي بها الظهر لا يسعه الا ذلك. وموسع لك ان تصلي بغيرها ان لم تقدر ثم تدركهم بعرفات..). وهذا الخبر ظاهر في استثناء الامام وانه لا يسعه الا الصلاة بمنى ومفهومه ان غيره يسعه ذلك (ووجه الجمع بين هذه الاخبار بالنسبة إلى غير الامام هو التخيير. والظاهر ان الشيخ المفيد والسيد المرتضى قد استندا في ما ذهبا إليه من تأخير الفريضة إلى منى إلى صحيحة معاوية بن عمار الثانية، ورواية عمر ابن يزيد. وقال في كتاب الفقه الرضوي (2): وإذا كان يوم التروية فاغتسل والبس ثوبيك اللذين للاحرام، وات المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، وصل عند المقام الظهر والعصر، واعقد احرامك دبر العصر، وان شئت في دبر الظهر بالحج مفردا، تقول: اللهم اني اريد ما امرت به من الحج على كتابك وسنة نبيك (صلى الله عليه وآله) فان عرض لي عرض


(1) الفروع ج 4 ص 461 والتهذيب ج 5 ص 177 و 178 والوسائل الباب 6 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) ص 28


[ 353 ]

حبسني فحلني انت حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. ولب مثل ما لبيت في العمرة.. الحديث. ومنه يعلم ان ما تقدم نقله عن الشيخ علي ابن بابويه فهو مأخوذ من الكتاب على ما تكرر في غير موضع من ما قدمنا. ومن الاخبار الدالة على اختصاص الامام بتأخير الصلاة إلى منى زيادة على ما عرفت في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن وفي من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (على الامام ان يصلي الظهر بمنى، ثم يبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس، ثم يخرج إلى عرفات). وما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (ينبغي للامام ان يصلي الظهر من يوم التروية بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس، ثم يخرج). وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: ((لا ينبغي للامام ان يصلي الظهر يوم التروية إلا بمنى ويبيت بها إلى طلوع الشمس)). وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (على الامام ان يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف ويصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام).


(1) الفروع ج 4 ص 460 والفقيه ج 2 ص 280 والوسائل الباب 4 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 4 من احرام الحج والوقوف بعرفة


[ 354 ]

وما رواه في من لا يحضره الفقيه (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: (سألت ابا جعفر (عليه السلام) هل صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر بمنى يوم التروية ؟ فقال: نعم، والغداة بمنى يوم عرفة). اقول: وهذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة في الوجوب كما هو ظاهر كلام الشيخ المتقدم، والاصحاب تأولوه بالحمل على شده الاستحباب ولا يبعد ان مراد الشيخ إنما هو الوجوب حقيقة فان ظاهر هذه الاخبار كلها يساعده، ولا ينافي ذلك لفظ (ينبغي ولا ينبغي) في صحيحة جميل وصحيحة محمد بن مسلم، فان استعمال ذلك في الوجوب والتحريم في الاخبار اكثر من ان يحصى كما تقدم بيانه. وليس في شئ من هذه الاخبار أو غيرها من يوذن بجواز ذلك له في غير منى. فالقول بالوجوب ليس بالبعيد عملا بظاهرها كما لا يخفى. اقول: والمراد بالامام هنا هو من يجعله الخليفة واليا على الموسم لا الامام حقيقة وإن كان منتحلا. ويدل على ذلك ما رواه في الكافي (2) عن حفص المؤذن قال: (حج اسماعيل بن علي بالناس سنة اربعين ومائة، فسقط أبو عبد الله (عليه السلام) عن بغلته، فوقف عليه اسماعيل، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): سر فان الامام لا يقف).

الثالثة - ما تقدم من استحباب الخروج بعد الزوال من يوم التروية


(1) ج 2 ص 280 والتهذيب ج 5 ص 177 والوسائل الباب 4 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الوسائل الباب 5 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 355 ]

مخصوص بغير ذوي الاعذار كما نبه عليه الاصحاب ودلت عليه الاخبار، كالمريض والشيخ الكبير ونحوهما ممن يخاف الزحام فانه يجوز لهم التعجيل رخصة من غير كراهة، بل يستحب بيوم أو يومين أو ثلاثة. ويدل على ذلك ما رواه ثقة الاسلام في الموثق عن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن الرجل يكون شيخنا كبيرا أو مريضا يخاف ضغط الناس وزحامهم، يحرم بالحج ويخرج إلى منى قبل يوم التروية ؟ قال: نعم. قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا ويتروح بذلك المكان ؟ قال: لا. قلت: يعجل بيوم ؟ قال: نعم قلت: بيومين ؟ قال: نعم. قلت: ثلاثة ؟ قال: نعم. قلت: اكثر من ذلك ؟ قال: لا). وروى في كتاب من لا يحضره الفقيه (2) عن اسحاق بن عمار قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام): يتعجل الرجل قبل التورية بيوم أو يومين من اجل الزحام وضغاط الناس ؟ فقال: لا بأس) وقال في خبر آخر: (لا يتعجل بأكثر من ثلاثة ايام). وروى الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض


(1) الفروع ج 4 ص 460 والوسائل الباب 3 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) ج 2 ص 280 عن أبي عبد الله (ع). وفي الوسائل الباب 3 من احرام الحج والوقوف بعرفة، والوافي باب (الخروج إلى منى) عن أبي الحسن (ع).


[ 356 ]

أصحابه (1) قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام): يتعجل الرجل قبل التروية بيوم أو يومين من أجل الزحام وضغاط الناس ؟ فقال: لا بأس... الحديث) وقد تقدم تمامه في صدر المسالة الاولى.

الرابعة - ما تقدم من الاحكام في المسائل المتقدمة كله مختص بحج التمتع، وأما الكلام في القارن والمفرد فلم يتعرض له اصحابنا في البحث. قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك - بعد نقل قول المصنف: فيستحب للمتمتع ان يخرج إلى عرفات يوم التروية - ما هذا نصه: خص المتمتع بالذكر لان استحباب الاحرام يوم التروية موضع وفاق بين المسلمين. وأما القارن والمفرد فليس فيه تصريح من الاكثر، وقد ذكر بعض الاصحاب انه كذلك وهو ظاهر اطلاق بعضهم. وفى التذكرة نقل الحكم في المتمتع عن الجميع ثم نقل خلاف العامة في وقت احرام الباقي هل هو كذلك ام في اول ذي الحجة (2). انتهى. اقول: وفي المنتهى نحو ما نقله في التذكرة، فانه قال بعد الكلام في المتمتع: اما المكي فذهب مالك إلى انه يستحب ان يهل بالحج من المسجد بهلال ذي الحجة، وروى عن ابن عمر وابن عباس وطاووس وسعيد بن


(1) التهذيب ج 5 ص 176 والوسائل الباب 3 من احرام الحج والوقوف بعرفة. وقول المصنف "... الحديث " يبتنى على ان للحديث تتمة وقد بينا ما في ذلك في التعليقة 1 ص 346. (2) راجع المغني ج 3 ص 404 طبع عام 1368.


[ 357 ]

جبير استحباب احرامه يوم التروية ايضا، وهو قول احمد... (1) إلى أن قال (قدس سره): ولا خلاف في انه لو احرم المتمتع أو المكي قبل ذلك في أيام الحج فانه يجزئه. انتهى. اقول: المستفاد من الاخبار ان المفرد متى كان من أهل الاقطار مقيما بمكة وانتقل حكمه إليهم أو اراد الحج مفردا استحبابا، فانه يحرم بالحج من أول ذي الحجة إن كان ضرورة، وإن كان قد حج سابقا فمن اليوم الخامس من ذي الحجة، وبعضها مطلق في الاحرام من اول االشهر، وأنه يخرج إلى التنعيم أو الجعرانة ويحرم منها لا من مكة. وقد تقدمت الاخبار في ذلك في المقدمة الرابعة، ولنشر هنا إلى بعضها: فمنها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اني أريد الجوار فكيف اصنع ؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فاحرم منها الحج... إلى ان قال: ثم قال: ان سفيان فقيهكم اتاني فقال: ما يحملك على ان تأمر أصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها ؟ فقلت له: هو وقت من مواقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال: وأي وقت من مواقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو ؟ فقلت له: احرم منها حين قسم غنائم حنين ومرجعه من


(1) المغني ج 3 ص 404 طبع عام 1368. (2) الفروع ج 4 ص 300 والوسائل الباب 9 من اقسام الحج.


[ 358 ]

الطائف... إلى أن قال: فقال: أما علمت أن اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) احرموا من المسجد. فقلت: ان اولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء وان هؤلاء قطنوا بمكة فصاروا كأنهم من اهل مكة واهل مكة لا متعة لهم، فأحببت أن يخرجوا من مكة إلى بعض المواقيت وان يستغبوا به أياما... الحديث). وعن صفوان عن أبي الفضل (1) قال: (كنت مجاورا بمكة، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام): من اين احرم بالحج ؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الجعرانة... فقلت: متى أخرج ؟ قال: ان كنت صرورة فإذا مضى من ذي الحجة يوم، وان كنت قد حججت قبل ذلك فإذا مضى من الشهر خمس). وروى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (2) قال: قال (عليه السلام): (ينبغي للمجاور بمكة إذا كان صرورة وأراد الحج أن يخرج إلى خارج الحرم فيحرم من أول يوم من العشر، وإن كان مجاورا وليس بصرورة فانه يخرج أيضا من الحرم ويحرم في خمس تمضي من العشر). وفي الصحيح إلى ابراهيم بن ميمون (3) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان أصحابنا مجاورون بمكة وهم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون ؟ قال: قل لهم: إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا إلى التنعيم فليحرموا


(1) الفروع ج 4 ص 302 والوسائل الباب 9 من أقسام الحج. وفي الخطية: " وفي الصحيح عن صفوان... ". (2) ص 71 و 72 والوسائل الباب 19 من المواقيت. (3) التهذيب ج 5 ص 446 والوسائل الباب 9 من أقسام الحج.


[ 359 ]

.. الحديث). وفي موثقة سماعة (1) في من اعتمر في غير اشهر الحج واقام بمكة: (فان هو احب ان يتمتع في اشهر الحج بالعمرة إلى الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج، فان هو احب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها). وهذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة في ان الاحرام بالحجة المفردة للمجاور من خارج الحرم من هذه المواضع وانها ميقات له، وان احرامه من هلال ذي الحجة أو بعد مضي خمسة ايام منه. ويفهم من بعض الاخبار ايضا انه يحرم يوم التروية ايضا. وهو ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير اشهر الحج: في رجب أو شعبان أو شهر رمضان أو غير ذلك من الشهور إلا اشهر الحج، فان اشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، من دخلها بعمرة في غير اشهر الحج ثم اراد ان يحرم، فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها ثم يأتي مكة، ولا يقطع التلبية حتى ينظر إلى البيت، ثم يطوف بالبيت ويصلي الركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) ثم يخرج إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما، ثم يقصر ويحل، ثم يعقد التلبية يوم التروية). والتقريب فيها ان هذه العمرة الثانية المشار إليها بقوله: (ثم اراد ان يحرم...) لا يجوز ان تكون عمرة تمتع لوجوب الاتيان بها من الميقات


(1) الفقيه ج 2 ص 274 والوسائل الباب 10 من أقسام الحج. (2) الوسائل الباب 8 من اقسام الحج.


[ 360 ]

كما اشارت إليه موثقة سماعة المتقدمة وصرح به غيرها، وهي اتفاق الاصحاب بل هي عمرة مفردة، فالحج المشار إليه بقولة: (ثم يعقد التلبية يوم التروية) حج افراد البتة. وقد صرح بانه يعقد احرامه يوم التروية، وهو ظاهر في كونه من مكة ايضا. واما غيره من اقسام المفردين فلا ريب في ان احرامهم من مكة للاخبار المستفيضة بان من كان منزله دون الميقات إلى مكة فان ميقاته منزله. واما انه اي يوم فلم اقف فيه على نص صريح كما اعترفوا به في ما قدمنا نقله عنهم، ولكن احدا منهم لم ينبه على هذا الفرد الذي ذكرناه ايضا.

الخامسة - الظاهر انه لا خلاف في ان احرام الحج من مكة وانها ميقات حج التمتع، وان اي موضع احرم فيه منها فهو مجزئ. ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن صفوان عن ابي احمد عمرو بن حريث الصيرفي (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام) من اين اهل بالحج ؟ فقال: ان شئت من رحلك وان شئت من الكعبة وان شئت من الطريق) إلا ان في التهذيب (2) (وهو بمكة) بعد قوله: (قلت لابي عبد الله السلام) وفيه (من المسجد) عوض قوله (من الكعبة). وقد وقع الاتفاق ايضا على افضليته من المسجد، وانما الخلاف في افضلية اي موضع منه. ومن ما يدل على حصول الفضلية من المسجد في اي جزء منه ما تقدم


(1) الوسائل الباب 21 من المواقيت. (2) ج 5 ص 166 و 477 والوسائل الباب 21 من المواقيت.


[ 361 ]

في صدر البحث من رواية ابى بصير وقوله (عليه السلام) فيها: (ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات.. إلى آخره). وما رواه في الكافي عن يونس بن يعقوب في الموثق (1) قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) من اي المسجد احرم يوم التروية ؟ فقال: من اي المسجد شئت). واما تعيين الافضل منه فقال الشيخ (قدس سره): افضل المواضع التي يحرم منها المسجد، وفي المسجد، عند المقام. وهو قول ابن ادريس، والظاهر من كلام ابن بابويه والمفيد والعلامة في المختلف، وبه صرح في الدروس ايضا فقال: والاقرب ان فعله في المقام افضل من الحجر تحت الميزاب. وقال في المنتهى: يحرم من مكة، والافضل ان يكون من تحت الميزاب ويجوز ان يحرم من اي موضع شاء من مكة، ولا نعلم فيه خلافا. انتهى. وظاهر كلام ابي الصلاح يشعر بان افضله تحت الميزاب أو عند المقام واستند الاولون إلى ما تقدم من رواية عمر بن يزيد المتقدمة (2) في صدر البحث من قوله (عليه السلام): (ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم اهل بالحج). ويدل عليه ايضا ما تقدم نقله عن كتاب الفقه الرضوي. وبه قال الشيخ علي بن بابويه كما تقدم نقل عبارته. ويدل على قول ابي الصلاح صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (3) ثمة ايضا وقوله (عليه السلام): (ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم أو في الحجر


(1) الفروع ج 4 ص 455 والتهذيب ج 5 ص 166 و 167 والوسائل الباب 21 من المواقيت. (2) ص 348 (3) ص 347.


[ 362 ]

ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك... إلى آخره). وقال في المختلف في الجواب عن هذه الرواية: والجواب: التخيير لا ينافي اولوية احد الامرين المخير فيهما بامر آخر غير امر التخيير كما في خصال الكفارة. انتهى. اقول: فيه انه مسلم لو دلت الرواية المذكورة على الاولوية، ومجرد الذكر لا يدل على الاولوية، لانه احد فردي المخير والاولوية امر آخر وراء مجرد ذكره كما لا يخفى. واما ما ذكره في المنتهى ومثله غيره ايضا من افضليته تحت الميزاب بالخصوص فلم اقف له على دليل، والموجود في الاخبار كما عرفت انما هو التخيير أو كونه في المقام.

السادسة - قال في المختلف: قال شيخنا المفيد: إذا كان يوم التروية فليأخذ من شاربه وليقلم اظفاره ويغتسل ويلبس ثوبيه، ثم يأ تي المسجد الحرام حافيا وعليه السكينة والوقار، فليطف اسبوعا ان شاء، ثم ليصل ركعتين لطوافه عند مقام ابراهيم (عليه السلام) ثم ليقعد حتى تزول الشمس فإذا زالت فليصل ست ركعات. وقال ابن الجنيد: من احل من متعته احرم يوم التروية للحج قبل خروجه إلى منى عقيب طواف اسبوع بالبيت وركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) أو غيره. وقال أبو الصلاح: ويطوف اسبوعا ثم يصلي ركعتي الطواف ثم يخرج بعدهما. ولم يذكر الشيخ هذا الطواف ولا السيد المرتضى ولا ابن ادريس ولا ابن بابويه. والشيخ عول على الحديث، فانه لم يذكر فيه الطواف، والمفيد عول على انه قادم على


[ 363 ]

المسجد، فاستحب له التحية، والطواف افضل من الصلاة، ولا نزاع بينهما حينئذ. بقي ان يقال: ان قصد المفيد استحباب هذا الطواف للاحرام فهو ممنوع، فان المجاور يستحب له الصلاة اكثر من الطواف إذا جاور ثلاث سنين. انتهى. اقول: قد ذكر هذا الطواف ايضا الصدوق في من لا يحضره الفقيه في باب سياق مناسك الحج (1) فقال: فإذا كان يوم التروية فاغتسل، والبس ثوبيك، وادخل المسجد الحرام حافيا وعليك السكينة والوقار، فطف بالبيت اسبوعا تطوعا.. إلى ان قال: واقعد حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فصل ست ركعات قبل الفريضة، ثم صل الفريضة، واعقد الاحرام في دبر الظهر وان شئت في دبر العصر. وحينئذ فما نقله (قدس سره) عن ابن بابويه من انه لم يذكر هذا الطواف ليس في محله الا ان يريد به اباه الشيخ علي بن الحسين، وهو خلاف المعروف من هذه العبارة في كلامهم ثم ان ظاهر الشيخ المفيد تقديم مستحبات الاحرام المذكورة على الزوال وقال أبو الصلاح: فإذا زالت الشمس من يوم التروية، فليغتسل، ويلبس ثوبي احرامه، وياتي المسجد الحرام حافيا وعليه السكينة والوقار، فيطوف بالبيت اسبوعا، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يحرم بعدهما. وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث صريحة الدلالة في ما ذكرة شيخنا المفيد. ثم إن ظاهر كلام ابي الصلاح المذكور ان الاحرام عقيب ركعتي الطواف، وهو ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدمة. وظاهر كلام الشيخ المفيد


(1) ج 2 ص 302.


[ 364 ]

انه عقيب ست ركعات الاحرام. ونقل في المختلف عن الشيخين انهما جعلاه عقيب ست ركعات واقله ركعتان. وما في المختلف إلى ان الافضل عقيب فريضة الظهرين، وهو الذي صرح به الشيخ علي بن بابويه في ما قدمنا من عبارته، وهو الذي ذكره في كتاب الفقه الرضوي، ويدل عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة. وما تقدم في رواية ابي بصير من الاحرام عقيب الست ركعات، ورواية عمر بن يزيد من الاهلال عقيب الركعتين يمكن حملهما علي غير وقت الفريضة، فانهما مطلقتان لا تصريح فيهما بكون الاحرام في وقت مخصوص. واما ما ذكره الشيخ المفيد من الاحرام عقيب الست ركعات أو الركعتين فهو مبني على ما نقل عنه آنفا من تأخير صلاة الظهرين إلى منى. وقد تقدم الكلام فيه.

السابعة - قال الشيخ: ان كان ماشيا لبى من موضعه الذي صلى فيه وان كان راكبا إذا نهض به بعيره، فإذا انتهى إلى الردم فاشرف على الابطح رفع صوته بالتلبية، وقال الشيخ المفيد (قدس سره): ثم ليلب حين ينهض به بعيره ويستوي قائما، وان كان ماشيا فليلب عند الحجر الاسود، فإذا انتهى إلى الرقطاء دون الردم واشرف على الابطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى. وقال الشيخ علي بن بابويه: فإذا خرجت إلى الابطح فارفع صوتك بالتلبية. وقال ابن الجنيد: ويلبى ان شاء من المسجد أو من حيث يخرج من منزله بمكة، وان شاء ان يؤخر اجهاره بالتلبية إلى ان ينتهي إلى الابطح خارج مكة فعل. وهو يدل على اولوية الاجهار عند الاحرام. وقال ابن ادريس: فان كان ماشيا جهر بالتلبيه من موضعه الذي عقد الاحرام فيه، وان كان راكبا لبى إذا نهض به بعيره


[ 365 ]

فإذا انتهى إلى الردم واشرف على الابطح رفع صوته بالتلبيه. وقال أبو الصلاح: ثم يلبى مستسرا فإذا نهض به بعيره اعلن بالتلبيه، وان كان ماشيا فليجهر بها من عند الحجر الاسود، فإذ انتهى إلى الرقطاء دون الردم واشرف على الابطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى. أقول: والذي وقفت من الاخبار ما تقدم من صحيحة معاوية ابن عمار، وظاهرها ان مبدا التلبية إذا انتهى إلى الروحاء دون الردم فإذا انتهى إلى الردم واشرف على الابطح رفع صوته بها. وما تقدم من رواية ابي بصير، وفيها: انه يلبى من المسجد الحرام. وما تقدم من رواية عمر بن يزيد، وفيها: التفصيل بانه ان كان ماشيا فمن المقام وهو المكان الذي صلى فيه صلاة الاحرام، وان كان راكبا فإذا نهض به بعيره. وما رواه في الكافي والتهذيب عن زراره (1) قال:. (قلت لابي جعفر (عليه السلام) متى البي بالحج ؟ قال: إذا خرجت إلى منى ثم قال: إذا جعلت شعب الدب على يمينك والعقبة على يسارك فلب بالحج). وما رواه الصدوق في الصحيح عن حفص بن البختري ومعاوية بن عمار وعبد الرحمان بن الحجاج والحلبي جميعا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: (وان اهللت من المسجد الحرام للحج، فان شئت لبيت خلف


(1) الفروع ج 4 ص 455 والتهذيب ج 5 ص 167 والوسائل الباب 46 من الاحرام. وفي الخطية والمطبوعة " قلت لابي عبد الله (ع) ". (2) الوسائل الباب 46 من الاحرام.


[ 366 ]

المقام، وافضل ذلك ان تمضي حتى تأتي الرقطاء فتلبي قبل ان تصير إلى الابطح). أقول: وبهذه الصحيحة الاخيرة يجمع بين الاخبار المتقدمة، بان يقال انه يتخير بين التلبية من المسجد وبين تأخيرها إلى هذه المواضع المذكورة في الاخبار وهو الافضل. واما الجهر بها فهو إذا اشرف على الابطح. وما دلت عليه رواية عمر بن يزيد من التفصيل بين الراكب والماشي يحمل على انه إذا اختار التلبية من المسجد وان كان خلاف الافضل فليعمل بهذا التفصيل.

الثامنة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا طواف بالبيت بعد احرام الحج. وظاهر الحسن أبن أبى عقيل استحبابه في الصورة المذكورة، حيث قال: إذا اغتسل يوم التروية واحرم بالحج طاف بالبيت سبعة اشواط وخرج منها متوجها إلى منى، ولا يسعي بين الصفا والمروة حتى يزور البيت فيسعى بعد طواف الزيارة. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: ولم يذكر باقي اصحابنا هذا الطواف، فان قصد بذلك ما ذكره الشيخ المفيد وابن الجنيد فذلك قبل الاحرام. انتهى. اقول: اشار بما ذكره الشيخ المفيد وابن الجنيد إلى ما قدمنا نقله عنهما في المسألة السادسة. هذا. والمفهوم من كلام الشيخ وغيره من الاصحاب كراهة هذا الطواف، بل يفهم من كلام الشيخ تحريمه، حيث قال في النهاية والمبسوط: إذا احرم بالحج لم يجز له ان يطوف بالبيت إلى ان يرجع من منى، فان سها فطاف بالبيت لم ينتقض احرامه غير انه يعقده بتجديد التلبية. واختاره ابن حمزة وقال ابن ادريس: لا ينبغي ان يطوف بالبيت إلى ان يرجع من منى،


[ 367 ]

فان سها فطاف بالبيت لم ينتقض احرامه سواء جدد التلبية أو لم يجدد. واحرامه منعقد فلا حاجة إلى انعقاد المنعقد. وقال في التهذيب: لا يجوز لمن احرم بالحج ان يطوف بالبيت تطوعا إلى ان يعود من منى، فان فعل ذلك ناسيا فلا شئ عيله، وقال في المنتهى: ولا يسن له الطواف بعد احرامه. وقال في الدروس: ولا طواف بعد احرام الحج. واستحسنه الحسن. اقول: والاظهر ما هو المشهور من كراهته، لما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن الرجل ياتي المسجد الحرام وقد ازمع بالحج، يطوف بالبيت ؟ قال: نعم ما لم يحرم). وعن صفوان بن يحيى في الصحيح عن عبد الحميد بن سعيد عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن رجل احرم يوم التروية من عند المقام بالحج، ثم طاف بالبيت بعد احرامه، وهو لا يرى ان ذلك لا ينبغي، اينقض طوافه بالبيت احرامه. فقال: لا ولكن يمضى على احرامه). ثم ان ما ذكره الشيخ - من انه بعد الطواف سهوا يعقد احرامه بتجديد التلبية - مبنى على ما تقدم في المقدمة الرابعة (3) من ان من طاف بعد عقد احرامه ولو في حج التمتع طوافا مستحبا فانه يعقد احرامه بالتلبية


(1) الفروع ج 4 ص 455 والتهذيب ج 5 ص 169 والوسائل الباب 83 من الطواف. (2) الوسائل الباب 83 من الطواف. (3) ج 14 ص 384.


[ 368 ]

لئلا يحل. وما ذكره ابن ادريس هنا مبنى على ما ذكره في تلك المسألة ايضا من ان المحرم لا يحل بمجرد الطواف بل بالنية. وقد تقدم تحقيق القول في المسألة في الموضع المذكور. الا ان ظاهر رواية عبد الحميد المذكورة من ما يدل على عدم بطلان الاحرام بالنسبة إلى حج التمتع. ويعضده ان جملة الروايات المتقدمة (1) الدالة على تجديد التلبية موردها القارن والمفرد خاصة. الا ان مورد هذه الرواية الجاهل أو الناسي.

التاسعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان من نسى الاحرام بالحج إلى ان يحصل بعرفات جدد الاحرام منها وليس عليه شئ فان لم يذكر حتى يرجع إلى بلده، فان كان قد قضى مناسكه كلها فلا شئ عليه، قاله الشيخ (قدس سره) ومن تبعه من الاصحاب. وقال ابن ادريس في السرائر - بعد نقل عبارة الشيخ في النهاية بهذا المضمون الذي ذكرناه - ما صورته: وقال الشيخ في المبسوط: اما النية فهي ركن في الانواع الثلاثة من تركها فلا حج له عامدا أو ناسيا إذا كان من اهل النية. ثم قال بعد ذلك: وعلى هذا إذا فقد النية لكونه سكران هذا آخر كلامه. قال محمد بن ادريس: والذي يقتضيه اصول المذهب ما ذهب إليه في مبسوطه، لقوله تعالى: وما لا حد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الاعلى (2) وقول الرسول (صلى الله عليه وآله) (3)


(1) ج 14 ص 385. (2) سورة الليل الآية 19 و 20. (3) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، والباب 1 من النية في الصلاة، والباب 2 من وجوب الصوم.


[ 369 ]

(الاعمال بالنيات) و (انما لامرئ ما نوى) (1) وهذا الخبر مجمع عليه وبهذا افتي وعليه اعمل فلا يرجع عن الادلة باخبار الاحاد ان وجدت. قال في المختلف بعد نقل ذلك: والاقرب عندي انه ان تمكن من الرجوع إلى مكة للاحرام فيها وجب وان لم يتمكن احرم من موضعه ولو من عرفات، فان لم يذكر حتى اكمل مناسكه صح واجزأه، لنا: انه مع التمكن من الرجوع يكون قادرا على الاتيان به على وجهه، فيجب عليه فعله، ولا يجزئه الاحرام من غيره، لانه حينئذ يكون قد اتى بغير المأمور به فيبقى في عهده التكليف. ومع النسيان يكون معذورا، لقوله (صلى الله عليه وآله) (2): (رفع عن امتي الخطأ والنسيان) ولان الزام الاعادة مشقة عظيمة فيكون منفيا، لقوله تعالى (3): (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وما رواه العمركي بن علي الخراساني في الحسن عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) قال: (سألته عن رجل نسى الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله ؟ قال: يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك. فقد تم احرامه. فان جهل ان يحرم يوم


(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، والباب 1 من النية في الصلاة، والباب 2 من وجوب الصوم. (2) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة، والباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة، والباب 56 من جهاد النفس. واللفظ في بعضها: " وضع عن امتي.. ". (3) سورة الحج الآية 78، (4) الوسائل الباب 14 من المواقيت.


[ 370 ]

التروية بالحج حتى يرجع إلى بلده ان كان قضى مناسكه كلها فقدتم حجه) وحجة ابن ادريس غير مناسبة لدعواه. انتهى. وهو جيد. ويزيده بيانا ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن جميل ابن دارج عن بعض اصحابنا عن احدها (عليهما السلام) (1): (في رجل نسى ان يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى ؟ قال: تجزئه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل). وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ما حاله ؟ قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه). وقد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة بمزيد بسط في الكلام وبيان ما فيها من النقص والابرام في المسألة الثالثة من المقام الثاني من المقدمة الخامسة في المواقيت (3).

العاشرة - من المستحبات الدعاء بالمأثور عند الخروج إلى منى بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال (إذا توجهت إلى منى فقل: اللهم اياك ارجو واياك ادعو فبلغني املي وأصلح لي عملي).


(1) الوسائل الباب 20 من المواقيت. (2) التهذيب ج 5 ص 476 والوسائل الباب 20 من المواقيت. (3) ج 14 ص 466. (4) الوسائل الباب 6 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 371 ]

وإذا انتهيت إلى منى بما رواه ايضا في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقد تقدم في المسألة الثانية (1). وعند التوجه إلى عرفات بما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا غدوت إلى عرفة فقل وانت متوجه إليها: اللهم اليك صمدت واياك اعتمدت ووجهك اردت اسالك ان تبارك لي في رحلتي وان تقضى لي حاجتي وان تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو افضل مني. ثم تلبي وانت غاد إلى عرفات... الحديث). ومن المستحبات ان لا يخرج الامام من منى الابعد طلوع الشمس. ويدل عليه صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (على الامام ان يصلي الظهر بمنى ثم يبيت فيها ويصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج إلى عرفات). وموثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (ان من السنة ان لا يخرج الامام من منى إلى عرفة حتى تطلع الشمس).


(1) ص 352. (2) الفروع ج 4 ص 461 و 462 والتهذيب ج 5 ص 179 والوسائل الباب 8 و 9 و 10 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (3) الفروع ج 4 ص 460 والفقيه ج 2 ص 280 والوسائل الباب 4 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (4) الفروع ج 4 ص 461 والتهذيب ج 5 ص 178 وفيه: عن أبي اسحاق، والوسائل الباب 7 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 372 ]

واما غيره فالافضل له ان يفيض من منى بعد الفجر على المشهور، وقال أبو الصلاح: لا يجوز له ان يفيض منها قبل الفجر مختارا، وقال ابن البراج في اقسام التروك المفروضة: ولا يخرج احد من منى إلى عرفات الابعد طلوع الفجر. وظاهر هم تحريم الخروج قبل الفجر اختيارا. ولعلهما استندا إلى ما رواه الشيخ عن عبد الحميد الطائي (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا مشاة فكيف نصنع ؟ فقال: اما أصحاب الرحال فكانوا يصلون الغداة بمنى، واما انتم فامضوا حيث تصلون في الطريق). وقال في المدارك - بعد قول المصنف (ره): (ويكره الخروج قبل الفجر الا لضرورة): هذا هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ثم نقل قول أبي الصلاح وقال: وهو ضعيف، ثم قال: ويمكن المناقشة في الكراهة ايضا، لعدم الظفر بما يتضمن النهي عن ذلك. نعم لا ريب انه خلاف الاولى. أقول: ومن روايات المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم وغيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (في التقدم من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس به...). وما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) المتقدمة (3) في المسألة الثانية منقوله (عليه السلام): (ثم تصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة والفجر). والمفهوم من الاخبار المذكورة ان السنة في الخروج من منى بعد الفجر


(1) الفروع ج 4 ص 461، والتهذيب ج 5 ص 179، والوسائل الباب 7 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الوسائل الباب 7 من احرام الحج والوقوف بعرفة والباب 17 من الوقوف بالمشعر. (3) ص 352.


[ 373 ]

الا مع الضرورة، ويلزم من ذلك مرجوحية الخروج قبل الفجر اختيارا، وبه تثبت الكراهة التي ذكرها الاصحاب. وبذلك تندفع المناقشة التي ذكرها في المدارك. وثبوت الكراهة لا يتوقف على النهي صريحا كما يفهم من كلامه (قدس سره) بل تثبت بكون ذلك خلاف الافضل، للزوم المرجوحية التي هي مقتضى الكراهة. ومن المستحبات ايضا ان لا يجوز وادي محسر الا بعد طلوع الشمس على المشهور. لما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن والشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال (لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس). ونقل عن الشيخ وابن البراج القول بالتحريم اخذا بظاهر النهي. ولا يخلو من قرب.

الفصل الثاني

في الكيفية

وهي تشتمل علي الواجب والندب، والكلام فيها يقع في مواضع:

الموضع الأول

النية

قال في المنتهي: وتجب فيه النية خلافا للجمهور (2)


(1) الوسائل الباب 7 من احرام الحج والوقوف بعرفة، والباب 15 من الوقوف بالمشعر. واللفظ في الثاني: " لا تجاوز... " (2) المغني ج 3 ص 416 طبع عام 1368.


[ 374 ]

لنا: قوله تعالى (1): (وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والوقوف عبادة. ولانه عمل فيفتقر إلى النية، لقوله (صلى الله عليه وآله) (2) (الاعمال بالنيات)) و (انما لكل امرى ما نوى) (3) إلى غير ذلك من الادلة الدالة على وجوب النية في العبادات، ولان الواجب ايقاعه على وجه الطاعة، وهو انما يتحقق بالنية، ويجب فيها نية الوجوب والتقرب إلى الله تعالى. وقال في الدروس: واما واجبه فخمسة: النية مقارنة لما بعد الزوال فلا يجوز تأخيرها عنه، فيأثم لو تعمده ويجزئ واستدامة حكمها إلى الفراغ. وقال في المسالك بعد قول المصنف: (ويجب كونها بعد الزوال) - ما صورته: في اول اوقات تحققه ليقع الوقوف الواجب - وهو ما بين الزوال والغروب بأسره بعد النية. ولو تأخرت عن ذلك اثم واجزأ. ويعتبر فيها قصد الفعل وتعيين نوع الحج، والوجه، والقربة، والاستدامة الحكمية. هذا هو المشهور. وفي اعتبار نيه الوجه هنا بحث. انتهى. وقال في المدارك: واعتبر الاصحاب في النية وقوعها عند تحقق الزوال ليقع الوقوف الواجب وهو ما بين الزوال والغروب - باسره بعد النية. وما وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة لا يعطى ذلك، بل ربما ظهر


(1) سورة البينة الآية 5. (2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، والباب 1 من النية في الصلاة والباب 2 من وجوب الصوم. (3) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، والباب 1 من النية في الصلاة، والباب 2 من وجوب الصوم. واللفظ: " انما لامرئ ما نوى ".


[ 375 ]

من بعضها خلافه، كقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الواردة في صفة حج النبي (صلى الله عليه وآله) (1): (انه انتهى إلى نمره وهي بطن عرفه بحيال الاراك فضربت قبته وضرب الناس اخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وله) ومعه فرسه وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وامر هم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر باذان واحد واقامتين، ثم مضى إلى الموقف فوقف به). وفي رواية اخرى لمعاوية بن عمار (2) (ثم تلبي وانت غاد إلى عرفات، فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، وهي بطن عرفة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر باذان واحد واقاميتن، وانما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة. قال: وحد عرفة من بطن عرفة وثوية ونمرة إلى ذات المجاز، وخلف الجبل موقف) وتشهد له رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (لا ينبغي الوقوف تحت الاراك، فاما النزول تحته حتى تزول الشمس وتنهض إلى الموقف فلا بأس، والمسألة محل اشكال، ولا ريب ان ما اعتبره الاصحاب اولى واحوط. انتهى. اقول: لااشكال بحمد الملك المتعال بعد اتفاق الاخبار الواردة في


(1) الفروع ج 4 ص 247 والتهذيب ج 5 ص 456 والوسائل الباب 2 من اقسام الحج. وفي الفروع " قريش " بدل " فرسه " (2) الفروع چ 4 ص 461 و 462 والتهذيب ج 5 ص 179 والوسائل الباب 8 و 9 و 10 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (3) الوسائل الباب 10 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 376 ]

هذا المجال على الحكم المذكور. وأولوية ما ذكره الاصحاب واحوطيته مع عدم دليل عليه - بل دلالة الاخبار على خلافه - ممنوعة. على انه لم يتحقق الاجماع على ذلك، وانما ذكر هذا الحكم جملة من المتأخرين بناء علي مزيد تدقيقهم في امر النية التي لا اثر لها في الاخبار بالكلية وبنحو هذه الاخبار عبر الشيخ في النهاية، فقال: فإذا زالت الشمس اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا يجمع بينهما ثم يقف بالموقف ويدعو لنفسه ولوالديه... إلى آخره. وبهذه العبارة عبر في المبسوط ايضا. وبنحو ذلك عبر ابن ادريس في السرائر فقال: فإذا زالت اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا، يجمع بينهما باذان واحد واقامتين لا جل البقعة، ثم يقف بالموقف ويدعو... إلى آخره. وقال في المقنعة: فإذا زالت الشمس يوم عرفة فليغتسل ويقطع التلبية ويكثر من التهليل والتحميد والتكبير، ثم يصلي الظهر والعصر باذان واحد واقاميتن.. إلى ان قال: ثم ياتي الموقف. وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه نحو ذلك ايضا في باب سياق مناسك الحج. وهذه العبارات جارية على نهج الاخبار لا تعرض فيها للنية فضلا عن مقارنتها لاول الزوال كما ذكره جملة من المتأخرين، وهو من ما ينبهك على ما قدمنا تحقيقه واوسعنا مضيقه من ان النية امر جبلي وحكم طبيعي لا تنفك عنه افعال العقلاء في عبادة ولا غيرها. واما ما ذكروه من المقارنة فلا وجه له ولا دليل عليه، إذ النية عندنا مستصحبة لا ينفك عنها في حال من الاحوال، وهو انما يتمشى على ما تخيلوه من النية بالمعنى الذي صاروا إليه الذي هو عبارة عن الحديث النفسي والتصوير الفكري بما يترجمه قول القائل: (افعل كذا لوجوبه قربة إلى الله تعالى) وهذا كما تقدم تحقيقه بمعزل عن


[ 377 ]

النية الحقيقة. بقى الكلام في ان وقت الوقوف الواجب من مبدا الزوال كما ذكروه، فيجب على هذا الكون في الموقف من ذلك الوقت، والاخبار - كما ترى - لا تساعده، والظاهر ان المراد من كونه من الزوال انه يقطع التلبية من ذلك الوقت كما تكاثرت به الاخبار، ويشتغل بالوقوف ومقدماته من الغسل اولا ثم الصلاة الواجبة والخطبة واستماعها - كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار من انه (صلى الله عليه وآله) وعظ الناس - ثم الوقوف بعرفة. هذا ما يستفاد من الاخبار وكلام متقدمي الاصحاب كما سمعت. وبذلك يظهر انه لا اشكال في هذا المجال بحمد الله المتعال وبركة الآل (عليهم صلوات ذي الجلال).

الموضع الثاني

وجوب الكون فيها إلى الغروب فلا يجزئ الوقوف في حدودها، وحدها - كما ذكره في الدروس والمسالك وغيرهما - نمرة بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء، وثوية بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وتشديد الياء المثناة من تحت، وذو المجاز، والاراك كسحاب، وهو موضع بعرنة قرب نمرة، قال في القاموس: وعرفة بضم العين وفتح الراء والنون. قال في الدروس: وحدها نمرة وثوية وذو المجاز والاراك، ولا يجوز الوقوف بالحدود. وقال في المسالك بعد ذكر الاماكن الخمسة المتقدمة: وهذه الاماكن الخمسة حدود عرفة وهي راجعة إلى اربعة كما هو المعروف من الحدود، لان نمرة بطن عرفة كما روى في حديث معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) ولا يقدح ذلك في كون كل واحد منهما


(1) الوسائل الباب 9 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 378 ]

حدا فان احدهما الصق من الآخر، وغير هما وان شاركهما باعتبار اتساعه في امكان جعله كذلك لكن ليس لاجزائه اسماء خاصه بخلاف نمرة وعرنة. ونقل في الدروس عن الحسن وابن الجنيد والحلبي ان حدها من المازمين إلى الموقف. اقول: والكل مروى وحدود وان كان من جهات متعددة. روى الكليني والشيخ في الصحيح عن أبي بصير - وهو ليث المرادي بقرينة ابن مسكان عنه - عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (حد عرفات من المأزمين إلى اقصى الموقف). وروى في من لا يحضره الفقيه (2) عن معاوية بن عمار وأبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (حد منى عن العقبة إلى وادي محسر، وحد عرفات من المأزمين إلى اقصى الموقف. قال: وقال (عليه السلام): حد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة وذي المجاز، وخلف الجبل موقف إلى وراء الجبل) قال في الوافي (3): ولعل المراد بوراء الجبل ما خرج من سفحه. من خلفه. وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا


(1) الوسائل الباب 10 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) ج 2 ص 280 والوسائل الباب 6 و 10 من احرام الحج والوقوف، والوافي باب (حدود عرفات). (3) باب (حدود عرفات). (4) الفروع ج 4 ص 461 و 462 والتهذيب ج 5 ص 179 والوسائل ب 8 و 9 و 10 من احرام الحج والوقوف بفرفة.


[ 379 ]

انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة - إلى ان قال -: وحد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز، وخلف الجبل موقف). وروى في الكافي عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (فعرفات كلها موقف، وافضل الموقف سفح الجبل). وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب والهضاب هي الجبال، فان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ان اصحاب الاراك لا حج لهم، يعني: الذين يقفون عند الاراك). وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة. وقال: ان اصحاب الاراك لا حج لهم). وروى في التهذيب عن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارتفعوا عن وادي عرنة بعرفات). وعن سماعة في الموثق في حديث (5) قال: (قلت: فإذا كانوا


(1) الفروع ج 4 ص 463 والوسائل الباب 11 من احرام الحج والوقوف بعرفة، راجع التعليق على هذا الحديث في الطبعة الحديثة من الوسائل. (2) و (3) الفروع ج 4 ص 463 والتهذيب ج 5 ص 287 والوسائل الباب 19 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (4) الوسائل الباب 10 من احرام الحج والوقوف بفرفة. (5) التهذيب ج 5 ص 180 والوسائل الباب 11 و 10 من احرام الحج والوقوف بفرفة، والوافي باب (حدود عرفات).


[ 380 ]

بالموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يضعون ؟ قال: يرفعون إلى الجبل، وقف في ميسرة الجبل، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف بعرفات، فجعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته يقفون إلى جانبها فنحاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعلوا مثل ذلك. فقال: ايها الناس انه ليس موضع اخفاف ناقتي بالموقف ولكن هذا كله موقف. اشار بيده إلى الموقف وقال: هذا كله موقف. فتفرق الناس. وفعل مثل ذلك بالمزدلفة. وإذا رأيت خللا فتقدم فسده بنفسك وراحلتك، فان الله يحب ان تسد تلك الخلال. وانتقل عن الهضاب واتق الاراك ونمرة - وهي بطن عرنه - وثوية وذا المجاز، فانه ليس من عرفة فلا تقف فيه). اقول: وهذه الاخبار - كلها كما - ترى صريحة في عدم جواز الوقوف في حدودها. واما انه يجب الوقوف فيها إلى الغروب الذي هو عبارة عن زوال الحمرة المشرقية إلى ناحية المغرب على الاشهر الاظهر فيدل عليه مضافا إلى اتفاق الاصحاب جملة من الاخبار. ومنها: ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال: (قال: أبو عبد الله (عليه السلام): ان المشركين كانوا يفيضون قبل ان تغيب الشمس فخالفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأفاض بعد غروب الشمس). وما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب في الموثق (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): متى تفيض من عرفات ؟ قال: إذا ذهبت


(1) و (2) الوسائل الباب 22 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 381 ]

الحمرة من ههنا واشار بيده إلى المشرق والى مطلع الشمس). وما رواه في الكافي عن يونس المذكور ايضا في الموثق (1) قال: (قلت لا بي عبد الله (عليه السلام): متى الافاضة من عرفات ؟ قال: إذا ذهبت الحمرة، يعنى من الجانب الشرقي). وحيث ثبت ان الواجب الوقوف إلى الغروب فلو أفاض قبل الغروب فان كان جاهلا أو ناسيا فلا شئ عليه اجماعا منا، كما ادعاة في التذكرة والمنتهى بل قال: انه قول كافة العلماء. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الحسن عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) (في رجل افاض من عرفات قبل غروب الشمس ؟ قال: ان كان جاهلا فلا شئ عليه، وان كان متعمدا فعليه بدنة) ووصف في المدارك هذه الرواية بالصحة مع طعنه في روايات مسمع في غير موضع بانه غير موثق كما في مسألة كفارة من نظر إلى امرأته فأمنى، ومنها في كفارة من قبل امرأته. بل صرح في هذا الموضع بضعف روايته بسببه. وبالجملة فان له فيه ااضطرابا عظيما، فتارة يصف روايته بالصحة كما هنا، ومثله في كفارة القنفذ والضب واليربوع، وتارة بالحسن وتارة بالضعف. والمعصوم من عصمه الله تعالى. وان كان عامدا جبره ببدنة، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما ولا خلاف في صحة حجه وان وجب جبره، وانما اختلف الاصحاب في ما يجب جبره به، فالاشهر الاظهر وجوب جبره ببدنة.


(1) الوسائل الباب 22 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الوسائل الباب 23 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 382 ]

ويدل عليه حسنة مسمع المتقدمة. وصحيحة ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن رجل افاض من عرفات قبل ان تغيب الشمس. قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في اهله). ورواية الحسن بن محبوب عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (في رجل افاض من عرفات قبل ان تغرب الشمس ؟ قال: عليه بدنة، فان لم يقدر على بدنة صام ثمانية عشر يوما). ونقل عن ابني بابويه ان الكفارة شاة. قال في المدارك ولم نقف لهما على مستند. اقول: الظاهران مستندهما كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (3): (واياك ان تفيض قبل الغروب فيلزمك دم) وقال ايضا (4) بعد ذكر المشعر: (واياك ان تفيض منها قبل طلوع الشمس، ولا من عرفات قبل غروبها فيلزمك الدم). والدم حيث يطلق في الاخبار وكلام الاصحاب فالمراد به دم شاة، وينبهك على ذلك ان العلامة في المختلف نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: الافضل ان يقف إلى غروب الشمس في النهار ويدفع عن الموقف بعد غروبها، فان دفع قبل الغروب لزمه دم. ثم اعترضه في موضعين من هذا الكلام: الاول: قوله: (الافضل) فانه يوهم جواز الافاضة قبل الغروب مع انه لا خلاف بيننا انه يجب الوقوف إلى الغروب ولا يجوز قبله، والاخبار


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من احرام الحج والوقوف بفرفة (3) و (4) ص 28


[ 383 ]

دالة على ذلك كما تقدم... إلى ان قال: الثاني: انه اوجب الدم، وقد عرفت ان الدم إذا اطلق حمل على اقل مراتبه وهو الشاة، عملا باصالة البراءة، وقد بينا في المسألة السابقة ان الواجب بدنة، خلافا لا بني بابويه انتهى. قالوا: ولو افاض عامداو عاد قبل الغروب لم يلزمه الجبر، لاصالة البراءة ولانه لو لم يقف اولا ثم اتى قبل غروب الشمس ووقف حتى تغرب الشمس لم يجب عليه شئ، فكذا هنا. وحكى العلامة في المنتهى عن بعض العامة قولا باللزوم (1) لحصول الافاضة المحرمة المقتضية للزوم الدم فلا يسقط الا بدليل. قال في المدارك: وهو غير بعيد وان كان الاقرب السقوط. اقول: المسألة عندي محل توقف، لفقد النص في المقام، والتعليلات التي ذكروها عليلة لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، والقول العامي لا يخلو من قوة. بقى الكلام في ان مورد رواية مسمع الجاهل والعامد. واما حكم الناسي فهو غير مذكور فيها، والاصحاب قد ادرجوه في حكم الجاهل وجعلوا حكمه حكم الجاهل، كما قدمنا نقله عنهم، ودعوى الاجماع عليه وكانهم بنوا في ذلك على اشتراكهما في العذر وعدم توجه الخطاب. وفيه منع ظاهر فان المفهوم من تتبع الاخبار ان الجاهل اعذر، وان الناسي بسبب تذكره اولا وعلمه سابقا لا يساوي الجاهل الذي لا علم له اصلا، ولهذا استفاضت الاخبار بعدم وجوب قضاء الصلاة على جاهل النجاسة (2) وتكاثرت بوجوب القضاء على الناسي، حتى علل في بعضها بانه عقوبة له لنسيانه وعدم


(1) المغني ج 3 ص 414 و 415 طبع عام 1368. (2) الوسائل الباب 40 من النجاسات.


[ 384 ]

تذكره (1) وبالجملة فان الحكم بمساواتهما لا دليل عليه ان لم يكن الدليل قائما على خلافه. والله اعلم.

الموضع الثالث - من المستحبات االغسل بعد الزوال في هذا اليوم للوقوف ويدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (2): (فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر باذان واحد واقامتين فانما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فانه يوم دعاء ومسألة). وفي صحيحة الحلبي أو حسنته (3) قال: (أبو عبد الله (عليه السلام): الغسل يوم عرفة إذا زالت الشمس، وتجمع بين الظهر) والعصر باذان واقامتين). وفي صحيحة عمربن يزيد (4) قال: (إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية واغتسل وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح والثناء على الله. وصل الظهر والعصر باذان واحد واقامتين)).

ومنها: الجمع بين الظهر والعصر، وقد عرفت ذلك من الاخبار المذكورة، ونحوها غيرها ايضا.

ومنها: الدعاء ولاسيما بالمأثور عن اهل العصمة (صلوات الله عليهم). فروى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار


(1) الوسائل الباب 42 من النجاسات. (2) و (3) الوسائل الباب 9 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (4) التهذيب ج 5 ص 182 والوسائل الباب 9 من احرام الحج والوقوف بعرفة. والرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام).


[ 385 ]

عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث (1) قد تقدم صدره غير مرة قال (عليه السلام): (فإذا وقفت بعرفات فاحمد الله وهلله ومجده واثن عليه وكبره (مائة مرة) واقرا قل هو الله احد (مائة مرة) وتخير لنفسك من الدعاء ما احببت، واجتهد فانه يوم دعاء ومسألة، وتعوذ بالله من الشيطان، فان الشيطان لن يذهلك في موطن قط احب إليه من ان يذهلك في ذلك الموطن، واياك ان تشتغل بالنظر إلى الناس واقبل قبل نفسك، وليكن في ما تقول: اللهم رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار، واوسع علي من رزقك الحلال، وادرأ عنى شر فسقة الجن والانس، اللهم لا تمكر بي ولا تخدعني ولا تستدرجني يا اسمع السامعين ويا ابصر الناظرين ويا اسرع الحاسبين ويا ارحم الراحمين، اسالك ان تصلي على محمد وآل محمد وان تفعل بي كذا وكذا. وليكن في ما تقول وانت رافع يديك إلى السماء: اللهم حاجتي اليك التي ان اعطيتنيها لم يضرني ما منعتني والتي ان منعتنيها لم ينفعني ما اعطيتني، اسالك خلاص رقبتي من النار، اللهم اني عبدك وملك يدك وناصيتي بيدك، وأجلى بعلمك، اسالك ان توقفني لما يرضيك عني، وان تسلم مني مناسكي التي اريتها خليلك ابراهيم (عليه السلام) ودللت عليها نبيك محمدا (صلى الله عليه وآله) وليكن في ما تقول: اللهم اجعلني ممن رضيت عمله واطلت عمره واحييته بعد الموت حياة طيبة). وروى الشيخ في التهذيب (2) عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام)


(1) الفروع ج 4 ص 463 و 464 والوسائل الباب 11 و 13 و 14 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) ج 5 ص 182 والوسائل الباب 14 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 386 ]

نحو ذلك وساق الحديث إلى ان قال: (وليكن في ما تقول: اللهم اني عبدك فلا تجعلني من اخيب وفدك، وارحم مسيري اليك من الفج العميق. وليكن فيما تقول: اللهم رب المشاعر كلها... - ثم ساقه كما تقدم إلى قوله -: ولا تستدرجني - ثم قال -: وتقول: اللهم اني اسالك بحولك وجودك وكرمك ومنك وفضلك يا اسمع السامعين ويا ابصر الناظرين... الحديث) كما تقدم إلى آخره. وروى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): الا اعلمك دعاء يوم عرفة وهو دعاء من كان قبلي من الانبياء (عليهم السلام) ؟ قال: تقول: لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير، اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا من ما نقول وفوق ما يقول القائلون، اللهم لك صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، ولك براءتي (2) وبك حولي ومنك قوتي، اللهم اني اعوذ بك مى الفقر ومن وساوس الصدور ومن شتات الامر ومن عذاب القبر، اللهم اني اسالك خير الرياح واعوذ بك من شر ما تجئ به الرياح واسالك خير الليل وخير النهار، اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي وبصري نورا، وفي لحمي ودمي


(1) التهذيب ج 5 ص 183 والوسائل الباب 14 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) وفي بعض النسخ (تراثي) بدل (براءتي) ويرجع في تفسير الكلمتين إلى بيان الوافي باب (الوقوف بعرفات والدعاء عنده).


[ 387 ]

وعظامي وعروقي ومقعدي ومقامي ومدخلي ومخرجي نورا واعظم لي نورا يا رب يوم القاك انك على كل شئ قدير). ورواه في الفقيه (1) عن معاوية بن عمار إلى قوله: (وخير النهار) وقال (2): وفي رواية عبد الله بن سنان: (اللهم اجعل في قلبي نورا... الدعاء). وروى في من لا يحضره الفقيه (3) عن زرعة عن ابي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا اتيت الموقف فاستقبل البيت وسبح الله (مائة مرة) وكبر الله (مائة مرة) وتقول: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله (مائة مرة) وتقول: اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت ويميت ويحيى وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شئ قدير (مائة مرة) ثم تقرا عشر آيات من اول سورة البقرة، ثم تقرا قل هو الله احد (ثلاث مرات) وتقرأ آية الكرسي حتى تفرغ منها، ثم تقرا اية السخرة، ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام... إلى قوله: قريب من المحسنين (4) ثم تقرا قل اعوذ برب الفلق وقل اعوذ برب الناس حتى تفرغ منهما، ثم تحمد الله على كل نعمة انعم عليك وتذكر النعمة واحدة واحدة ما احصيت منها، وتحمده على ما انعم عليك


(1) و (2) ج 2 ص 324 والوسائل الباب 14 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (3) ج 2 ص 322 و 323 والوسائل الباب 14 من احرام الحج والوقوف بعرفة، والوافي باب (الوقوف بعرفات والدعاء عنده). (4) سورة الاعراف، الآية 54 و 55 و 56.


[ 388 ]

من اهل ومال، وتحمد الله علي ما ابلاك، وتقول: اللهم لك الحمد على نعمائك التي لا تحصى بعدد ولا تكافأ بعمل، وتحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه في القرآن وتسبحه بكل تسبيح ذكر به نفسه في القرآن، وتكبره بكل تكبير كبر به نفسه في القرآن، وتهلله بكل تهليل هلل به نفسه في القرآن، وتصلي على محمد وآل محمد وتكثر منه وتجتهد فيه، وتدعو الله بكل اسم سمى به نفسه في القرآن وبكل اسم تحسنه، وتدعوه باسمائه التي في آخر الحشر (1) وتقول: اسالك - يا الله يا رحمان بكل اسم هو لك، واسالك بقوتك وقدرتك وعزتك وبجميع ما احاط به علمك وبجمعك واركانك كلها، وبحق رسولك) صلى الله عليه وآله) وباسمك الاكبر الاكبر، وباسمك العظيم الذي من دعاك به كان حقا عليك ان تجيبه، وباسمك الاعظم الاعظم الذي من دعاك به كان حقا عليك ان لا ترده وان تعطيه ما سأل - ان تغفر لي جميع ذنوبي في جميع علمك في. وتسأل الله حاجتك كلها من الاخرة والدنيا، وترغب إليه في الوفادة في المستقبل وفي كل عام، وتسأل الله الجنة (سبعين مره) وتتوب إليه (سبعين مرة). وليكن من دعائك: اللهم فكني من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب، وادرأ عني شرفسقة الجن والانس وشر فسقة العرب والعجم. فان نفد هذا الدعاء ولم تغرب الشمس فاعده من اوله إلى آخره ولا تمل من الدعاء والتضرع والمسألة). وروى في الكافي في الصحيح عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن ميمون القداح (2)


(1) الآية 22 و 23 و 24. (2) الفروع ج 4 ص 464 والوسائل الباب 24 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 389 ]

قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف بعرفات، فلما همت الشمس ان تغيب قبل ان تندفع قال: اللهم اني اعوذ بك من الفقر ومن تشتت الامر ومن شر ما يحدث بالليل والنهار امسى ظلمي مستجيرا بعفوك وامسي خوفى مستجيرا، بامانك، وامسي ذلي مستجيرا بعزك، وامسي وجهي الفاني مستجيرا بوجهك الباقي، ياخير من سئل ويا اجود من اعطى، جللني برحمتك، والبسني عافيتك واصرف عني شر جميع خلقك. قال عبد الله بن ميمون: وسمعت ابي يقول: ياخير من سئل، ويا أو سع من اعطى، ويا ارحم من استرحم. ثم سل حاجتك). اقول: لعل المراد بقوله: (سمعت أبي...) ان اباه روى الحديث بهذه الزيادة. وروى الشيخ باسنادة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (إذا غربت الشمس فقل: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف وارزقنيه من قابل ابدا ما بقيتني واقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بافضل ما ينقلب به اليوم احد من وفدك عليك، واعطني افضل ما اعطيت احدا منهم من الخير والبركة والرحمة والرضوان والمغفرة وبارك لي في ما ارجع إليه من اهل أو مال أو قليل أو كثير وبارك لهم في) ورواه الصدوق (قدس سره) باسناده عن زرعة (2).


(1) التهذيب ج 5 ص 187 والوسائل الباب 24 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الفقيه ج 2 ص 325 والوسائل الباب 24 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 390 ]

ومن المستحب الدعاء في هذا اليوم ايضا بدعاء الحسين (عليه السلام وهو مشهور (1) ودعاء ابنه زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة الكاملة (2). وقال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة (3) بعد ذكر ما في رواية أبي بصير المتقدمة: (ثم يدعو بدعاء الموقف فيقول: لا اله الا الله الحليم الكريم لا اله الا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخير تك من خلقك وعبادك الذي اصطفيته لرسالتك، واجعله الهي اول شافع واول شفيع واول قائل وانجح سائل، اللهم صل علي محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، افضل ما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم، انك حميد مجيد، اللهم انك تجيب المضطر إذا دعاك، وتكشف السوء، تغيث المكروب وتشفي السقيم، وتغنى الفقير، وتجير الكسير، وترحم الصغير وتعين الكبير، وليس فوقك امير انت العلي الكبير يا مطلق المكبل الاسير ويارارزق الطفل الصغير، ويا عصمة الخائف المستجير، يا من لا شريك له ولا وزير، اللهم انك اقرب من دعى، واسرع من اجاب، واكرم من عفى، وخير من اعطى، واوسع


(1) ويرويه المحدث الثقة الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان في اعمال يوم عرفة ص 261. (2) وهو الدعاء السابع والاربعون من الصجيقة السجادية. (3) ص 64.


[ 391 ]

من سئل، رحمان الدنيا والاخرة ورحيمهما، ليس كمثلك شئ مسؤول ولا معط، دعوتك فأجبتني، وسألتك فاعطيتني، وفرعت اليك فرحمتني، واسلمت لك نفسي فاغفر لي ذنوبي ولوالدي ولا هلي وولدي ولكل سبب ونسب في الاسلام لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات. اللهم اني اسالك - بعظيم ما سأل: به احد من خلقك من كريم اسمائك وجميل ثنائك وخاصة الائك، ان تصلي علي محمد وال محمد، وان تجعل عشيتي هذه اعظم عشية مرت علي منذ انزلتني إلى الدنيا بركة، في عصمة ديني، وخاصة نفسي، وقضاء حاجتي، وتشفيعي في مسائلي، واتمام النعمة علي، وصرف السوء عني والبسني العافية، وان تجعلني ممن نظرت إليه في هذه العشية برحمتك، إنك جواد كريم. اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا تجعل هذه العشية آخر العهد مني حتى تبلغنيها من قابل مع حاج بيتك الحرام والزوار لقبر نبيك (عليه وآله السلام) في اعفي عافيتك، واتم نعمتك، واو سع رحمتك وأجزل قسمك، واسبغ رزقك، وأفضل الرجاء، وانا لك على احسن الوفاء انك سميع الدعاء. اللهم صل على محمد وال محمد، واسمع دعائي، وارحم تضرعي وتذللي واستكانتي وتوكلي عليك، فانالك سلم، لا ارجو نجاحا ولا معافاة ولا تشريفا الا بك ومنك، فامنن علي بتبليغي هذه العشية من قابل وانا معافى من كل مكروه محذور ومن جميع البوائق. واعني على طاعتك وطاعه اوليا ئك الذين اصطفيتهم من خلقك لخلقك، اللهم صل على محمد وال محمد، وسلمني في ديني، وامدد لي في اجلي، واصح لي جسمي، يا من رحمني واعطاني سؤلي، فاغفر لي ذنبي انك على كل شئ قديراللهم صل على محمد وال محمد، وتمم علي نعمتك في ما بقى من اجلي حتى تتوفاني وانت عني راض. اللهم صل على محمد وال محمد، ولا تخرجني من ملة الاسلام، فاني


[ 392 ]

اعتصمت بحبلك، ولا تكلني إلى غيرك. اللهم صل على محمد وال محمد، وعلمني ما ينفعني، واملا قلبي علما وخوفا من سطوتك ونقمتك. اللهم اني اسألك - مسألة المضطر اليك، المشفق من عذابك، الخائف من عقوبتك - ان تغفر لي وتعيذني بعفوك وتحنن علي برحمتك، وتجود علي بمغفرتك وتؤدي عني فريضتك، وتغنيني بفضلك عن سؤال احد من خلقك، وان تجيرني من النار برحمتك. اللهم صل على محمد وال محمد، وافتح له فتحا يسيرا، وانصرني نصرا عزيزا، واجعل له من لدنك سلطانا نصيرا. اللهم صل على محمد وال محمد، واظهر حجته بوليك، واحي سنته بظهوره، حتى تستقيم بظهوره جميع عبادك وبلادك، ولا يستخفي احد بشئ من الحق مخافة احد من الخلق. اللهم اني ارغب اليك في دولته الشريفة الكريمة التي تعزبها الاسلام واهله وتذل بها الشرك واهله. اللهم صل على محمد وال محمد، واجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والعابرين في سبيلك، وارزقنا فيها كرامة الدنيا، الاخرة. اللهم ما انكرنا من الحق فعرفناه وما قصرنا عنه فبلغناه. اللهم صل على محمد وال محمد، واستجب لنا جميع ما دعوناك وسألناك. واجعلنا ممن يذكر فتنفعه الذكرى. واعطني اللهم سؤلي في الدنيا والاخرة. انك على كل شئ قدير). اقول قال الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه (1) - بعدما أورد ما قدمناه قبل هذا الدعاء - ما صورته: وقد اخرجت دعاء جامعا لموقف عرفة في كتاب دعاء الموقف، فمن احب ان يدعو به دعا به ان شاء الله تعالى. انتهى. والظاهر انه اشار إلى هذا الدعاء الذي ذكره شيخنا المذكور. والله العالم.


(1) ج 2 ص 324.


[ 393 ]

ومنها: الدعاء للاخوان، روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن علي بن ابراهيم عن ابيه قال: (رايت عبد الله بن جندب بالموقف، فلم ار موقفا كان احسن من موقفه، ما زال مادا يديه إلى السماء ودموعه تسيل علي خديه حتى تبلغ الارض، فلما انصرف الناس قلت: يا ابا محمد ما رايت موقفا قط احسن من موقفك. قال: والله ما دعوت الا لاخواني وذلك لان أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) اخبرني انه من دعا لاخيه بظهر الغيب نودى من العرش: (ولك مائة الف ضعف مثله)) فكرهت ان ادع مائة الف ضعف مضمونة الواحدة لا ادري تستجاب ام لا) ورواه الصدوق مرسلا نحوه. (2) وعن ابي عمير (3) قال: (كان عيسى بن اعين إذا حج فصار إلى الموقف اقبل على الدعاء لاخوانه حتى يفيض الناس. قال: قلت له: تنفق مالك وتتعب بدنك حتى إذا صرت إلى الموضع الذي تبث فيه الحوائج إلى الله (عزوجل) اقبلت على الدعاء لاخوانك وتركت نفسك ؟ قال: اني على ثقة من دعوة الملك لى وفي شك من الدعاء لنفسي). وفي الموثق عن ابراهيم بن ابي البلاد أو عبد الله بن جندب (4) قال: (كنت في الموقف فلما افضت لقيت ابراهيم بن شعيب فسلمت عليه، وكان مصابا باحدى عينيه، وذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم،


(1) و (3) و (4) الفروع ج 4 ص 465 والوسائل الباب 17 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الفقيه ج 2 ص 137 والوسائل الباب 17 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 394 ]

فقلت له: قد اصبت باحدى عينيك وانا والله مشفق على عينك الاخرى، فلو قصرت من البكاء قليلا. قال: لا والله يا ابا محمد ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة، فقلت: فلمن دعوت ؟ فقال: دعوت لاخواني، فاني سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من دعا لا خيه بظهر الغيب وكل الله به ملكا يقول: (ولك مثلاة) فاردت ان اكون انا ادعو لاخواني ويكون الملك يدعو لي، لاني في شك من دعائي لنفسي ولست في شك من دعاء الملك لي).

ومنها: ان يضرب خباءه بنمرة، لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1): (فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل... الحديث). وفي صحيحته الاخرى الواردة في حج النبي (صلى الله عليه وآله) (2) (انه انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الاراك، فضربت قبته وضرب الناس اخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه فرسه وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس... الحديث) وقد تقدم في المقام (3). واستشكل في المسالك هنا بفوات جزء من الوقوف الواجب عند الزوال قال: والذي ينبغي انه لا تزول الشمس عليه الا بها. انتهى. وهو مبني على


(1) ص 375. (2) الوسائل الباب 2 من اقسام الحج. (3) ص 375 وذكرنا هناك ان لفظ الكافي " قريش " بدل " فرسه ".


[ 395 ]

ما قدمنا نقله عنه وعن امثاله من المتأخرين من ايجابهم الوقوف بعرفة من اول الزوال ومقارنة النية لاوله وقد عرفت الكلام فيه في الموضع الاول مستوفى.

ومنها: سد الخلل بنفسه أو برحله، لما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار (1) من قوله (عليه السلام): (فإذا رايت خللا فسده بنفسك وراحلتك، فان الله (عزوجل) يحب ان تسد تلك الخلال). وربما علل استحباب سد الفرج الكائنة على الارض بانها إذا بقيت فربما يطمع اجنبي في دخولها، فيشتغلون بالتحفظ منه عن الدعاء، ويؤذيهم في شئ من امورهم. واحتمل بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) كون متعلق الجار في (بنفسك وراحلتك) محذوفا صفة للخلل، والمعنى انه يسد الخلل الكائن بنفسه وبرحلة، بان ياكل ان كان جائعا، ويشرب ان كان عطشانا، وهكذا يصنع ببعيره، ويزيل الشواغل المانعة من الاقبال والتوجه في الدعاء. وهو معنى حسن في حد ذاته الا انه بعيد عن لفظ الخبر والمستفاد من غيره، بل المراد انما هو الفرج الواقعة في الارض. كما يدل عليه صريحا ما رواه في الكافي عن سعيد بن يسار (2) قال: (قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) عشية من العشيات ونحن بمنى - وهو يحثني على الحج ويرغبني فيه -: يا سعيد ايما عبد رزقه الله رزقا من رزقه


(1) و (2) الفروع ج 4 ص 263 والوسائل الباب 13 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 396 ]

فاخذ ذلك الرزق فانفقه على نفسه وعلى عياله، ثم اخرجهم قد ضحاهم بالشمس حتى يقدم بهم عشية عرفة إلى الموقف فيقيل، الم تر فرجا تكون هناك فيها خلل وليس فيها احد ؟ فقلت: بلى جعلت فداك. فقال: يجئ بهم قد ضحاهم حتى يشعب بهم تلك الفرج، فيقول الله (تبارك وتعالى لا شريك له): عبدي رزقته من رزقي فاخذ ذلك الرزق فانفقه فضحى به نفسه وعياله ثم جاء بهم حتى شعب بهم هذه الفرجة التماس مغفرتي، اغفر له ذنبه، واكفيه ما اهمه، وارزقه... الحديث). قال في الوافي (1) بعد ذكر الخبر: (قد ضحاهم بالشمس)) اي ابرزهم لحرها، والضحى بالضم والقصر: الشمس. قوله: (الم تر) جملة معترضة والتقدير فيقيل بهم حتى يشعب بهم تلك الفرج والفرجة بالضم: الثلمه في الحائط ونحوه. والخلل: منفرج ما بين الشيئين. والشعب: الرتق والجمع والاصلاح، يعني: عمر تلك المواضع بعبادته وعبادة اهل بيته وملاها بهم وسدها)) انتهى.

ومنها: الوقوف بميسرة الجبل بعرفة، فانه الافضل وان اجزأ الوقوف باي موضع منها. فروى في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (قف في ميسرة الجبل، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف بعرفات في ميسرة الجبل، فلما وقف جعل الناس


(1) باب (فضل الحج والعمرة وثوابهما) (2) الفروع ج 4 ص 463 والوسائل الباب 11 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 397 ]

يبتدرون اخفاف ناقته فيقفون إلى جانبه، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: ايها الناس انه ليس موضع اخفاف ناقتي الموقف ولكن هذا كله موقف. واشار بيده إلى الموقف. وقال: هذا كله موقف. وفعل مثل ذلك بالمزدلفة. الحديث). وعن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (عرفات كلها موقف، وافضل الموقف سفح الجبل... إلى ان قال: وانتقل عن الهضبات واتق الاراك). وعن محمد بن سماعة (2) عن سماعة قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم فكيف يصنعون ؟ فقال: يرتفعون إلى وادي محسر. قلت: فإذا كثروا بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون ؟ فقال: يرتفعون إلى المأزمين. قلت: فإذا كانوا بالموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يصنعون ؟ قال: يرتفعون إلى الجبل ويوقف في ميسرة الجبل، فان رسول الله (صلى اله عليه وآله) وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته... الحديث) كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار.

ومنها: القيام، ذكره جملة من الاصحاب، وعللوه بانه اشق، وافضل


(1) الفروع ج 4 ص 463 والوافي باب (حدود عرفات) والوسائل الباب 11 من احرام الحج والوقوف بعرفة. راجع التعليقة (2) على هذا الحديث في الطبعة الحديثة من الوسائل. (2) التهذيب ج 5 ص 180 والوسائل الباب 11 و 13 و 10 من احرام الحج والوقوف بعرفة وفي النسخ المخطوطة والمطبوعة اسناد الرواية إلى محمد بن سماعة.


[ 398 ]

الاعمال احمزها (1). وقال الشيخ في الخلاف: يجوز الوقوف بعرفة راكبا وقائما سواء. وفي المبسوط القيام افضل. قال في المختلف: وهو الحق، لنا: انه اشق، وقال (صلى الله عليه وآله): (افضل الاعمال احمزها) (2) ثم نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال في استدلاله: وايضا القيام اشق من الركوب، فينبغي ان يكون افضل. وقال في المدارك بعد ان اختار ذلك وعلله بما ذكره الاصحاب ايضا: وينبغي ان يكون ذلك حيث لا ينافي الخشوع لشدة التعب ونحوه، والا سقطت وظيفة القيام. وقال في المدارك بعدان نقل عن المصنف كراهة الركوب والقعود: لم اقف على رواية تتضمن النهي عن ذلك نعم لا ريب انه خلاف الاولى، لاستحباب القيام. وقام بعض العامة: ان الركوب افضل من القيام، لما رووه من ان النبي (صل الله عليه وآله) وقف راكبا (3) وهو ضعيف. انتهى. اقول: والمسألة عندي لا تخلو من شوب التردد، فان ما ذكروه من استحباب القيام لم يرد في شئ من اخبار عرفة على كثرتها واشتمالها على جملة من المندوبات، مع ان هذا الحكم من اهمها لو كان كذلك. وما عللوه به


(1) في نهاية ابن الاثير مادة (حمز): " في حديث ابن عباس: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله: اي الاعمال افضل ؟ فقال:: احمزها اي اقواها واشدها " وفي مجمع البحرين ايضا نسبته إلى حديث ابن عباس. (2) نفس المصدر. (3) المغني ج 3 ص 428 طبع مطبعة المنار.


[ 399 ]

من الخبر لا يخلو من شئ مع ان الظاهر من صحيحه معاوية بن عمار في حكاية وقوفه (صل الله عليه وآله) (1) وقوله فيها: (فلما وقف جعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته فيقفون إلى جانبه، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك) ان وقوفه (صل الله عليه وآله) كان على الناقة واصرح منه اظهر ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى عن حماد بن عيسى (2) قال: (رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) في الموقف على بغلة رافعا يده إلى السماء عن يسار والى الموسم حتى انصرف، وكان في موقف النبي (صل الله عليه وآله وظاهر كفيه إلى السماء وهو يلوذ ساعة بعد ساعة بسبابتيه)

ومنها: عدم الوقوف في اعلى الجبل مع الضرورة. لما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار (3) قال: (سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الوقوف بعرفات فوق الجبل احب اليك ام على الارض ؟ فقال: على الارض) ونقل عن ابن البراج وابن ادريس انهما حرما الوقف على الجبل الا لضروره، ولم اقف لذلك على دليل سوى الرواية المذكورة. وكيف كان فمع الضرورة كالز حام ونحوه تنتفي الكراهة أو التحريم.


(1) الوسائل الباب 11 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (2) الوسائل الباب 12 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (3) الوسائل الباب 10 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 400 ]

لما تقدم في رواية محمد بن سماعة (1). وما رواه في الكافي عن سماعة (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إذا ضاقت عرفة كيف يصنعون ؟ قال: يرتفعون إلى الجبل).

ومنها: الوقوف على طهارة لما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) (قال: سألته عن الرجل هل يصلح له ان يقف بعرفات على غير وضوء ؟ قال: لا يصلح له الا وهو على وضوء) وانما حملناه على الاستحباب لما تقدم في احاديث السعي والطواف من ما يدل على جواز اداء المناسك بغير طهارة الا الطواف. وينبغي تقييد ذلك ايضا بما إذا لم يكن وقوفه على غسل والا فالغسل مجزئ عنه، كما هو القول المختار من اجزاء الغسل مطلقا عن الوضوء كما تقدم تحقيقه في كتاب الطاهرة.

الموضع الرابع - المشهور بين الاصحاب ان الدعاء يوم عرفة مستحب، قال في المنتهى: وهذه الادعية مستحبة وليست بواجبه انما الواجب الوقوف ولا نعلم في ذلك خلافا. ثم اورد الخبرين الآتيين اقول: وربما اشعر كلام بعضهم بالوجوب، ونقل في الدروس عن الحلبي انه اوجب الدعاء والاستغفار. وعن ابن زهرة ايجاب الذكر. وقال في المختلف: قال أبو الصلاح: يلزم افتتاحه بالنية، وقطع زمانه


(1) تقدم انها رواية محمد بن سماعة عن سماعة. (2) الوسائل الباب 11 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (3) الوسائل الباب 20 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 401 ]

بالدعاء والتوبة والاستغفار. قال: وهذا يوهم وجوب هذه الاشياء. والحق ان الواجب النية والكون به خاصة دون وجوب شئ من الاذكار. وكذا قال في المشعر. وهو اختيار ابن البراج. لنا الاصل براءة الذمة وما رواه عبد الله بن جذاعه الازدي (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل وقف بالموقف فاصابته دهشة الناس، فبقى ينظر إلى الناس ولا يدعو حتى افاض الناس ؟ قال: يجزئه وقوفه. ثم قال: اليس قد صل بعرفات الظهر والعصر وقنت ودعا ؟ قلت: بلى قال: فعرفات كلها موقف، وما قرب من الجبل فهو افضل " وعن أبي يحيى ركريا الموصلي (2) قال: (سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي ابيه أو نعي بعض ولد، قبل ان يذكر الله بشئ أو يدعو فاشتغل بالجزع والبكا عن الدعاء، ثم افاض الناس. فقال: لا ارى عليه شيئا وقد اساء، فليستغفر الله، اما لو صبر واحتسب لا فاض من الموقف بحسنات اهل الموقف جميعا من غير ان ينقص من حسناتهم شئ)


(1) التهذيب ج 5 ص 184 والوسائل الباب 16 من احرام الحج والوقوف بعرفة. والسند في التهذيب والوافي باب (الوقوف بعرفات والدعاء عنده) هكذا: عن جعفر بن عامر بن عبد الله بن جذاعة الازدي عن ابيه. وفي الوسائل عن جعفر بن عامر عن عبد الله بن جذاعة الازدي عن ابيه. (2) التهذيب ج 5 ص 184 والوسائل الباب 16 من احرام الحج والوقوف بعرفة.


[ 402 ]

الفصل الثالث

في الأحكام

وفيه مسائل:

الاولى - لا خلاف بين الاصحاب بل بين علماء الاسلام (1) في ان الوقوف بعرفة ركن من تركه عامدا فلا حج له. ويدل عليه ما تقدم في جملة من الاخبار: ان اهل الاراك لا حج لهم (2) وإذا بطل الحج بالوقوف في غير الموقف فبعدم الوقوف بالكلية بطريق اولى. فاما ما رواه الشيخ عن ابن فضال عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) - قال: (الوقوف بالمشعر فريضة، والوقوف بعرفة سنة) -. فقد رده المتأخرون بالطعن في السند بالارسال، وضعف المرسل. واجاب عنه الشيخ بحمل السنة على ما ثبت فرضه من جهة السنة دون النص بظاهر القرآن، قال: وما عرف فرضه من جهة السنة جاز ان يطلق عليه الاسم بانه سنة، وقد بينا ذلك في غير موضع، وليس كذلك الوقوف بالمشعر، لان فرضه علم بظاهر القرآن، قال الله تعالى: فإذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام (4) انتهى. وهو جيد.


(1) المغني ج 3 ص 428 طبع مطبعة المنار. (2) الوسائل الباب 10 و 11 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (3) الوسائل الباب 19 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (4) سورة البقرة الآية 197.


[ 403 ]

وقال في الدروس: ورواية ابن فضال - انه سنة - مزيفة بالارسال. ومعارضة بالاجماع. ومأولة بالثبوت بالسنة. وينبغي ان يعلم ان الركن منه هو المسمى خاصة، وما عداه فيتصف بالوجوب، ومن ثم صح حج المفيض قبل الغروب عمدا وان وجب عليه جبره بالبدنة أو الشاة على القولين المتقدمين، وصح ايضا حج من اخل به اول الوقت. ولا يختص الركن بجزء معين منه بل الامر الكلي، كما قالوا في الركن الركوعي من انه المقارن للركوع. الثانية - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الوقت الاختياري لوقوف عرفة من زوال الشمس إلى الغروب، من تركه عامدا فسد حجه ومن تركه ناسيا تداركه ما دام وقته باقيا ولو قبل طلوع الفجر من يوم النحر. ولو فاته اكتفى بالوقوف بالمشعر، والوقت الاضطراري إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وتفصيل هذا الاجمال وما يتلق به من الاستدلال يقع في مواضع. فاما بيان ان الوقت الاختياري من زوال الشمس إلى الغروب فقد تقدمت الاخبار الدالة عليه في بيان كيفية الوقوف (1). واما ان من ترك الوقوف في هذا الوقت عامدا فسد حجه فقد تقدم بيانه في سابق هذه المسألة. واما بيان الوقت الاضطراري وانه يجزئ لمن لم يدرك الاختياري فيدل عليه جملة من الاخبار: منها: ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار والكليني


(1) ص 380.


[ 404 ]

في الصحيح أو الحسن عنه ايضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: (وقال في رجل ادرك الامام وهو بجمع. فقال: ان ظن انه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، وان ظن انه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها وليقم بجمع، فقد تم حجه). وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات. فقال: ان كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل ان يفيضوا فلايتم حجه حتى يأتي عرفات، وان قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله تعالى اعذر لعبده، فقد تم حجه إذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل ان يفيض فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل). وعن ادريس بن عبد الله (3) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ادرك الناس بجمع وخشى ان مضى إلى عرفات ان يفيض الناس من جمع قبل ان يدركها. فقال: ان ظن ان يدرك الناس بجمع قبل


(1) الفقيه ج 2 ص 284 والفروع ج 4 ص 476 والوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر. راجع التعليقة (1) على هذا الحديث في الطبعة الحديثة من الوسائل. (2) و (3) التهذيب ج 5 ص 289 والوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.


[ 405 ]

طلوع الشمس فليأت عرفات فان خشي ان لا يدرك جمعا فليقف بجمع ثم ليفض مع الناس، فقد تم حجه). وعن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر، فإذا شيخ كبير فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما تقول في رجل ادرك الامام بجمع ؟ فقال له: ان ظن انه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، وان ظن انه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا ياتها، وقد تم حجه). واما انه لو فاته الوقوف الا ضطراري اكتفى بالوقوف بالمشعر فقد دلت عليه الاخبار المذكورة. بقى الكلام في ان الاصحاب (رضو ان الله عليهم) استدلوا بهذه الروايات على ما قدمنا نقله عنهم من حكم الناسي، وهي - كما ترى - لا تعرض فيها لذكر الناسي ولو بالاشارة فضلا عن التصريح وانما موردها ضيق الوقت على القادم للحج. واما ما ذكره في المدارك بعد ان اورد عليهم نحو ما اوردناه - حيث قال: ويمكن استفادته من التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي: (الله اعذر لعبده) فان النسيان من اقوى الاعذار. بل يمكن الاستدلال بذلك على عذر الجاهل ايضا كما هو ظاهر اختيار الشهيد في الدروس -. فهو محل نظر. وكأنه بناء منه على ما قدمنا نقله عنه في كتاب الصيام


(1) التهذيب ج 5 ص 290 والوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.


[ 406 ]

من دعواه ان النسيان من الله (تعالى). وقد بينا ثمة ضعفه، وان النسيان انما هو من الشيطان كما تكررت به آيات القرآن. وبالجملة فان الناسي من حيث حصول العلم له اولا فعروض النسيان له انما هو لاهماله التذكر وعدم الاعتناء باجرائه على البال. ومن اجل ذلك يضعف القول بمعذوريته، وان كان ظاهر كلامه هنا وكذا كلام غيره زيادة معذوريته على الجاهل. وهو غلط محض، فان الاخبار قد استفاضت بمعذورية الجاهل ولا سيما في باب الحج عموما وخصوصا. والوجه فيه ظاهر، كما تقدم تحقيقه في غير مقام ولاسيما في مقدمات الكتاب. وهم في اكثر المواضع انما استندوا في معذورية الناسي إلى اخبار معذورية الجاهل، فلو عكسوا لاصابوا. وظاهر الاخبار المذكورة الاكتفاء في الوقوف الاضطراري بمسمى الكون بعرفة، وبذلك صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا، قال في المنتهي: لو لم يقف بعرفة نهارا ووقف بها ليلا اجزأه على ما بيناه، وجاز له ان يدفع من عرفات اي وقت شاء بلا خلاف. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه اطلق ان وقت الوقوف بعرفة من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وحمله جملة من الاصحاب على ان مراده بيان مجموع وقتي الاختيار والاضطرار، لا ان ذلك وقت اختياري لتصريحه في سائر كتبه بالتفصيل المذكور. وحمله ابن ادريس على ان مراده الوقت الاختياري، فاعترضه بان هذا القول مخالف لا قوال علمائنا وانما هو قول لبعض المخالفين (1) اورده الشيخ


(1) المغني ج 3 ص 433 و 434 طبع مطبعة المنار.


[ 407 ]

في كتابه ايرادا لا اعتقادا. وقال العلامة في المختلف - ونعم ما قال -: والتحقيق ان النزاع هنا لفظي، فان الشيخ قصد الوقوف الشامل للاختياري وهو من زوال الشمس إلى غروبها، والاضطراري وهو من الزوال إلى طلوع الفجر، فتوهم ابن ادريس ان الشيخ قصد بذلك الوقت الاختياري، فأخطأ في اعتقاده ونسب الشيخ إلى تقليد بعض المخالفين، مع ان الشيخ اعظم المجتهدين وكبيرهم. ولا ريب في تحريم التقليد للمحق من المجتهدين فكيف المخالف الذي يعتقد المقلد انه مخطئ، وهل هذا الا جهالة منه واجتراء على الشيخ (رحمه الله). ويستفاد من الاخبار المذكورة انه لا يجب عليه المضي إلى عرفات في الصورة المذكورة الا مع ظن ادراك اختياري المشعر، فلو تردد في ذلك لم يجب عليه المضي واجتزأ باختياري المشعر، وهو الظاهر ايضا من كلام الاصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ونقل عن الشيخ انه احتمل وجوب المضى إلى عرفات مع التردد تقديما للوجوب الحاضر. وضعفه ظاهر، ومنه يستفاد ايضا ان اختياري المشعر مقدم على اضطراري عرفة. وسيأتي تحقيق ذلك في المقام ان شاء الله تعالى.

الثالثة - اعلم ان اقسام الوقوفين بالنسبة إلى الاختياري والاضطراري ثمانية: اربعة مفردة، وهي كل واحد من الاختياريين والاضطراريين، واربعة مركبة، وهي الاختياريان والاضطراريان واختياري عرفة مع اضطراري المشعر وبالعكس. قالوا: وكلها مجزئة الا اضطراري عرفة، قولا واحدا كما نقله في الدروس وقد وقع الخلاف في اخيتاري عرفة ايضا، وكذا في


[ 408 ]

الا ضطراريين، وكذا في اضطراري المشعر وحده.

وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:

الاول ان يقال: اما الاختياريان واضطراري عرفة مع اختياري المشعر، وكذا اخيتاري المشعر خاصة، وكذا اختياري عرفة مع اضطراري المشعر، فهي مجزئة قولا واحدا. ويدل على الاول منها انه الحج المأمور به وقد اتي به، وعلى الثاني والثالث الاخبار المتقدمة في المسألة الثانية (1). وعلى الرابع ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل افاض من عرفات فأتى منى ؟ قال: فليرجع فيأتي جمعا فيقف بها وان كان الناس قد افاضوا من جمع). وفي الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل افاض من عرفات بالمشعر. فلم يفق حتى انتهى إلى منى ور مى الجمرة ولم يعلم حتى ارتفع النهار ؟ قال: يرجع إلى المشعر فيقف ثم يرجع فيرمى الجمرة). وما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (من افاض من عرفات إلى منى فليرجع وليأت جمعا وليقف بها وان كان قد وجد الناس قد افاضوا من جمع).

الثاني - اختياري عرفة خاصة، والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم)


(1) ص 404 و 405. (2) و (3) الفروع ج 4 ص 472 والوسائل الباب 21 من الوقوف بالمشعر. (4) الوسائل الباب 4 و 21 من الوقوف بالمشعر.


[ 409 ]

الاجتزاء به حتى انه ادعى في المسالك عدم الخلاف فيه، حيث قال: انه لا خلاف في الاجتزاء باحد الاختياريين. واعترضه سبطه في المدارك بانه مشكل جدا، لا نتفاء ما يدل على الاجتزاء باختياري عرفة خاصة مع ان الخلاف في المسألة متحقق، فان العلامة في المنتهي صرح بعدم الاجتزاء بذلك، وهذه عبارته: ولو ادرك احد الموقفين اختيارا وفاته الاخر مطلقا فان كان الفائت هو عرفات فقد صح حجه لادراك المشعر، وان كان هو المشعر ففيه تردد... ونحوة قال في التذكرة، فعلم من ذلك ان الاجتزاء بادراك اختياري عرفة ليس اجماعيا كما ذكره الشارح وان المتجه فيه عدم الاجزاء لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، وانتفاء ما يدل على الصحة مع هذا الاخلال. والله العالم بحقيقة الحال. انتهى. اقول: روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال (في رجل لم يقف بالمزدلفه ولم يبت بها حتى اتي منى. فقال: ألم ير الناس لم يكونوا بمنى حين دخلها ؟ قلت: فانه جهل ذلك. قال: يرجع. قلت: ان ذلك قد فاته. قال: لا بأس). وروى في التهذيب في الصحيح ايضا عن محمد بن يحى الخثعمي عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) (في من جهل ولم يقف بالمزدلفة ولم يبت بها حتى اتى منى. قال: يرجع. قلت: ان ذلك قد


(1) الفروع ج 4 ص 473 والتهذيب ج 5 ص 293 والوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر راجع التعليقة (1) على الحديث في التهذيب (2) التهذيب ج 5 ص 292 والوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر.


[ 410 ]

فاته. قال: لا بأس به). وهذان الخبران ظاهرا الدلالة على الاجتزاء باختياري عرفة، والتقريب فيهما ان من الظاهر ان مروره بالمزدلفة والاتيان إلى منى انما هو من عرفات بعد الوقوف الاختياري بها، والامام (عليه السلام) قد امر بالرجوع إلى المزدلفة للوقوف بها ولو الاضطراري، ولما اخبره السائل بفوات الوقت حكم بصحة الحج في الصورة المذكورة. والشيخ (رحمه الله تعالى) حملهما في التهذيبين - بعد الطعن في الرواي بانه عامي، وانه رواه تارة بواسطة واخرى بدونها - على من وقف بالمزدلفة شيئا يسيرا دون الوقوف التام. وما ادري ما الموجب لتأويلهما ؟ سيما مع قولهم بالاجتزاء باختياري عرفة كما عرفت، ودلالة الخبرين على ذلك من غير معارض في البين. والخبران ظاهران في ان ترك الوقوف كان عن جهل، فلا يمكن حينئذ حملهما على ترك الوقوف عمدا، ليكون ذلك موجبا البطلان الحج كما ربما يتوهم. وبالجملة فاني لا اعرف وجها في ردهما والحال كما عرفت. وما ذكره من ان محمد بن يحيى الخثعمي عامي، فلم يذكره الا في هذا الموضع من الاستبصار، واما في كتب الرجال فانه لم يتعرض للقدح فيه بذلك. مع ان النجاشي قد وثقه، فحديثه صحيح كما ذكرناه. ولم اعثر على من تنبه لما قلناه من الاستدلال بالخبرين المذكورين على هذه الصورة مع ان دلالتهما ظاهرة بالتقريب المذكور. وقال في الدروس - بعد ان اختار اجزاء الثمانية المتقدمة الا الاضطراري الواحد منهما، نسب اجزاء اضطراري المشعر إلى رواية صحيحة - ما صورته:


[ 411 ]

وخرج الفاضل وجها باجزاء اختياري المشعر وحده دون اختياري عرفة وحده، ولعلة لقول الصادق (عليه السلام) (1): (الوقوف بالمشعر فريضة وبعرفة سنة) وقوله (عليه السلام) (2): (إذا فاتتك المزدلفة فاتك الحج) ويعارض بما اشتهر من قول النبي (صلى الله عليه وآله): (الحج عرفة) (3) و (اصحاب الاراك لا حج لهم) (4) اقول: ومن هذا الكلام يظهر ان مستندهم في القول بالا جتزاء باختياري عرفة انما هو الخبر المذكور عنه (صلى الله عليه وآله) في الموضعين. ولا يخفى ما فيه من الاجمال الموجب لضعف الاستدلال. وما ذكرناه من الخبرين المتقدمين اظهر دلالة واوضح مقاله.

الثالث - الاضطراريان، والاظهر ادراك الحج بادراكهما، كما صرح به الشيخ في كتابي الاخبار، واستقربه في المختلف واختاره المحقق في الشرائع، والسيد السند في المدارك. لما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن العطار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: (إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر،


(1) الوسائل الباب 19 من احرام الحج والوقوف بعرفة. واللفظ: "... والوقوف بعرفة سنة ". (2) الوسائل الباب 23 و 25 من الوقوف بالمشعر واللفظ: " فقد فاتك الحج ". (3) مستدرك الوسائل الباب 18 من احرام الحج وسنن البيهقي ج 5 ص 173. (4) الوسائل الباب 19 من احرام الحج والوقوف بعرفة. (5) الوسائل الباب 24 من الوقوف بالمشعر.


[ 412 ]

فاقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد افاضوا، فليقف قليلا بالمشعر الحرام، وليلحق الناس بمنى، ولا شئ عليه). وهي صريحة الدلالة في ادراك الحج بادراك الاضطراريين، ولا ينافيها صحيحة حريز الاتية ونحوها من مادل على فوات الحج بادراك المشعر بعد طلوع الشمس، لانها محمولة على من لم يدرك عرفة بالمرة وانما ادرك اضطراري المشعر خاصة، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. ولا يخفى انه على القول بادراك الحج بادراك اضطراري المشعر خاصة يتعين القول بالصحة بادراكهما معا بطريق اولى، وانما تصير ثمرة الخلاف في هذا القول بناء على القول الاخر من عدم ادراك الحج في الصورة المذكورة. ثم العجب من المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في منسك الحج حيث قال بعد ذكر عدم الاجزاء في صورة اضطراري المشعر: ومثله القول في الثالث، فان الخلاف فيه واقع، وبالاجزاء حديث من مشهوري الصحيح واضح الدلالة، الا ان الاعتماد على مثله في حكم مخالف للاصل مشكل. انتهى. واشار بالثالث إلى صورة ادراك الاضطراريين. وبالحديث إلى صحيحة الحسن المذكورة ولا يخفى ما فيه من المجازفة بناء على اعتمادهم على القواعد الاصولية زيادة على الاخبار المعصومية، فان الاصل يجب الخروج عنه بالدليل ولا معارض له من الاخبار، فيجب القول به على كل حال.

الرابع - اضطراري المشعر خاصة، وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ادراك الحج بادراكه وعدمه، فالمشهور العدم، بل ادعي عليه في المنتهى انه موضع وفاق، وقال ابن الجنيد والمرتضى والصدوق في كتاب علل الشرائع والاحكام بالاول، واختاره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك وسبطه


[ 413 ]

السيد السند في المدارك. قال: (قدس سره) بعد نقل ذلك عن الجماعة المذكورين: وهو المعتمد لنا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن المغيرة (1) قال: (جاءنا رجل بمنى فقال اني لم ادرك الناس بالموقفين جميعا. فقال له عبد الله بن المغيرة: فلا حج لك. وسأل اسحاق بن عمار فلم يجبه فدخل اسحاق على أبي الحسن (عليه السلام) فسأله عن ذلك، فقال: إذا ادرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس يوم النحر فقد ادرك الحج)) وفي الحسن عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (من ادرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد ادرك الحج) وقد روى نحو هذه الرواية ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه بطريق صحيح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (من ادرك الموقف بجمع يوم النحر من قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج) وقال في كتاب علل الشرائع والاحكام (4): والذي أفتى به واعتمده في هذا المعنى ما حدثنا به شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله تعالى عنه) قال حدثني محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 5 ص 291 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (2) الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (3) الفقيه ج 2 ص 243 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (4) ص 451 طبعة النجف سنة 1382 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.


[ 414 ]

ونقل الرواية بعينها. وهذه الرواية مع صحتها واضحة الدلالة على المطلوب، ويدل عليه ايضا ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن اسحاق ابن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (من ادرك المشعر الحرام قبل أن تزول الشمس فقد ادرك الحج) وفي الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: (قال لي أبو عبد الله (عليه السلام):: إذا ادرك الزوال فقد ادرك الموقف) واستدل الشارح (قدس سره) على هذا القول بصحيحة عبد الله ابن مسكان عن الكاظم (عليه السلام) (إذا ادرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج) وتقدمه في ذلك الشيخ فخر الدين في شرح القواعد. ولم نقف على هذه الرواية في شئ من الاصول ولا نقلها احد غيرهما في ما اعلم. والظاهر انها رواية عبد الله بن المغيرة فوقع السهو في ذكر الاب. والعجب ان الكشي قال (3) روى: ان عبد الله بن مسكان لم يسمع من الصادق (عليه السلام) الا حديث: (من ادرك المشعر فقد ادرك الحج) انتهى. اقول: فيه انه وان دلت هذه الاخبار المذكورة على ما ادعاه من القول للمذكور الا ان بازائها ايضا ما يدل على القول المشهور، فكان الواجب في مقام التحقيق ذكرها والجواب عنها بوجه يحسم مادة الاشكال والنزاع، والا فان المسألة تبقى في قالب التعويق الموجب لعدم الفائدة في ما ذكره والانتفاع.


(1) الفقيه ج 2 ص 243 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (2) الفقيه ج 2 ص 243 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (3) الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.


[ 415 ]

ومن الاخبار المشار إليها ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز (1) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مفرد للحج فاته الوقفان جميعا. فقال: له إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فان طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حج، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل) والرواية مع صحة سندها صريحة الدلالة في القول المذكور. ومن ما يدل على ذلك ايضا ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة في المسألة الثانية (2) لقوله (عليه السلام) فيها: (وان قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله تعالى اعذر لعبده، فقد تم حجه إذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل ان يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل) والتقريب فيها ان الظاهر من قوله (عليه السلام): (وان لم يدرك المشعر) يعني: على الوجه الذي ذكره اولا من كونه قبل طلوع الشمس وقبل ان يفيض الناس، كما هو ظاهر السياق المتبادر من هذا الاطلاق. ونحوها ايضا صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ثمة (3) وقوله (صلى الله عليه وآله) لذلك الشيخ: (ان ظن انه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها... الخبر) الا ان للاحتمال فيه مجالا.


(1) التهذيب ج 5 ص 291 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (2) التهذيب ج 5 ص 289 والوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر. (3) التهذيب ج 5 ص 290 والوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.


[ 416 ]

ومن ما يدل على ذلك ما رواه الشيخ عن محمد بن سنان (1) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الذي إذا ادركه الانسان فقد ادرك الحج. فقال: إذا اتى جمعا والناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج ولا عمرة له، وان ادرك جمعا بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حج له، فان شاء ان يقيم بمكة اقام وان شاء ان يرجع إلى اهله رجع، وعليه الحج من قابل). وعن محمد بن فضيل (2) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحد الذي إذا ادركه الرجل ادرك الحج. فقال: إذا اتى جمعا والناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد ادرك الحج ولا عمرة له، وان لم يات جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حج له، فان شاء اقام وان شاء رجع، وعليه الحج من قابل). وعن اسحاق بن عبد الله (3) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكة مفردا للحج فخشى ان يقوته الموقفان. فقال: له يومه إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حج فقلت: كيف يصنع باحرامه ؟ فقال ياتي مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد ؟ قال: ان شاء اقام بمكة وان شاء رجع إلى الناس بمنى، وليس منهم في شئ، وان


(1) التهذيب ج 5 ص 290 والاستبصار ج 2 ص 303 و 306 والوسائل الباب 23 من والوقوف بالمشعر. (2) التهذيب ج 5 ص 291 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر. (3) التهذيب ج 5 ص 290 والوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.


[ 417 ]

شاء رجع إلى اهله، وعليه الحج من قابل). فهذه جملة من الاخبار الدالة على القول المشهور كما ذكرنا. وهو وان اجاب عن بعضها بضعف السند بناء على اصطلاحه الغير المعتمد الا ان فيها الصحيح كما عرفت، فيجب عليه التصدي للجواب عنه. والشيخ (رحمه الله) قد اجاب عن الروايات الاولى تارة بالحمل على ادراك الفضيلة والثواب دون ان تسقط عنه حجة السلام، وتارة بتخصيصها بمن ادرك عرفات ثم جاء إلى المشعر قبل الزوال. ولا يخفى ما فيهما من البعد عن سياق الاخبار المذكورة والحق ان الروايات من الطرفين صريحه في كل من القولين، وما تكلفه المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المتقى هنا - من الجمع بين الاخبار وارتكاب التأويل وان زاد في التطويل في جانب اخبار القول بغير المشهور - فهو لا يخلو من تكلف مع انه لا يجرى في جميع اخبار المسألة كما لا يخفى على من تأمله. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف واشكال. والله العالم بحقيقة الحال. ثم ان ما ذكره (قدس سره) في الرواية المنقولة عن عبد الله بن مسكان عن الكاظم (عليه السلام) جيد، فانا لم نقف عليها بعد التتبع في ما وصل الينا من كتب الاخبار. واما رواية الكشي المذكورة فقد روى مثلها النجاشي في كتابه، ولعل هذه الرواية كانت مشهورة على ألسنتهم وان لم تنقل اصولهم، أو انها لم تصل الينا.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>