تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الحادي عشر


المقصد الرابع

في صلاة المسافر

لا خلاف نصا وفتوى في سقوط اخيرتي الرباعية في السفر الجامع للشرائط الآتية، وكذا لا خلاف في سقوط نافلتها إلا الوتيرة فان المشهور سقوطها والاظهر العدم، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في مقدمات هذا الكتاب. روى الصدوق (عطر الله مرقده) في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) انهما قالا: " قلنا لابي جعفر عليه السلام ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ فقال ان الله عزوجل يقول: " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة " (2) فصار التقصير في قالا قلنا إنما قال الله عزوجل " فليس عليكم جناح " ولم يقل " افعلوا " فكيف اوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر ؟ فقال عليه السلام أو ليس قد قال الله عزوجل " ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما " (3) ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض لان الله عزوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه صلى الله عليه واله ؟ وكذلك التقصير شئ صنعه النبي صلى الله عليه واله وذكره الله في كتابه. قالا قلنا فمن صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا ؟ قال ان كان قد قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى اربعا أعاد وان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه. والصلاة كلها في السفر الفريضة ركعتان كل صلاة إلا المغرب فانها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول الله صلى الله عليه واله في السفر والحضر ثلاث ركعات. وقد سافر رسول الله صلى الله عليه واله الى ذى خشب وهى مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان اربعة وعشرون ميلا فقصر وافطر فصارت سنة. وقد سمى رسول الله صلى الله عليه واله قوما صاموا حين افطر " العصاة " قال فهم العصاة الى يوم القيمة وانا لنعرف ابناءهم وابناء ابنائهم الى يومنا هذا ".


(1) الفقيه ج 1 ص 278 وفى الوسائل الباب 22 و 17 و 1 من صلاة المسافر (2) سورة النساء الآية 102 (3) سورة البقرة الآية 153


[ 297 ]

وروى الصدوق في كتاب الخصال بسنده عن الاعمش عن الصادق عليه السلام (1) في حديث قال: " ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته لانه قد زاد في فرض الله عزوجل ". وروى في كتاب ثواب الاعمال بسنده فيه عن على بن ابى طالب عليه السلام (2) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله خياركم الذين إذا سافروا قصروا وافطروا ". ومنه في الصحيح عن محمد بن احمد الاشعري رفعه الى ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " من صلى في سفره أربع ركعات متعمدا فانا الى الله عزو جل منه برئ) وفى المقنع مرسلا مثله ومثل الخبر السابق (4). وروى ثقة الاسلام عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب فان بعدها أربع ركعات.. الحديث ". وعن سماعة في الموثق (6) قال: " سألته عن الصلاة في السفر قال ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا انه ينبغى للمسافر أن يصلى بعد المغرب أربع ركعات.. الخبر ". وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (7) قال: " سألته عن الصلاة تطوعا في السفر قال لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا ". وعن حذيفة بن منصور في الصحيح عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (8) انهما قالا: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ ".


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 22 من صلاة المسافر. (5) و (6) الوسائل الباب 24 من اعداد الفرائض (7) و (8) الوسائل الباب 21 من اعداد الفرائض


[ 298 ]

وعن ابى يحيى الحناط (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر قال يا بنى لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة ". وأما ما ورد في شواذ الاخبار (2) - من قضاء صلاة النهار في السفر بالليل - فحمله الشيخ على محامل بعيدة والاقرب خروجه مخرج التقية (3). إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذا المقصد يقع في مطلبين:

الاول - في شروط هذه الصلاة وهى على ما صرح به الاصحاب ستة إلا انها في التحقيق - وبه نطقت النصوص - سبعة. الاول - اعتبار المسافة والكلام هنا يقع في مقامين:

الاول: أجمع العلماء من الخاصة والعامة على ان المسافة شرط في التقصير (4) وانما الخلاف في قدرها، فذهب علماؤنا أجمع (رضوان الله عليهم) الى ان القصر انما يجب في مسيرة يوم تام بريدين ثمانية فراسخ أربعة وعشرون ميلا، حكى اجماعهم على ذلك المحقق في المعتبر وغيره في غيره. ويدل عليه من الاخبار صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة (5) وما رواه


(1) الوسائل الباب 21 من اعداد الفرائض (2) الوسائل الباب 22 من اعداد الفرائض. (3) لم نقف على المسألة بعنوانها في كتبهم نعم في المغنى ج 2 ص 294 قال احمد ارجو ان لا يكون بالتطوع في السفر بأس، وروى عن الحسن قال كان اصحاب رسول الله (ص) يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، روى ذلك عن عمر وعلى وابن مسعود وجابر وانس وابن عباس وابى ذر وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك والشافعي واسحاق وابى ثور وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلى بن الحسين. (4) في عمدة القارئ ج 3 ص 531 " اختلف العلماء في المسألة التى تقصر فيها الصلاة.. " والظاهر منه ان اعتبار المسألة اتفاقى. (5) ص 296


[ 299 ]

الشيخ في الصحيح عن ابى ايوب عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن التقصير فقال في بريدين أو بياض يوم ". وعن على بن يقطين في الصحيح (2) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام الاول عن الرجل يخرج في سفره وهو مسيرة يوم قال يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم وان كان يدور في عمله ". وعن ابى بصير في الصحيح (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام في كم يقصر الرجل ؟ قال في بياض يوم أو بريدين ". وعن عبد الله بن يحيى الكاهلى في الحسن (4) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في التقصير في الصلاة قال بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا ". وعن سماعة في الموثق (5) قال: " سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة ؟ قال في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ.. الحديث ". وعن عيص بن القاسم في الحسن أو الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (6) قال: " في التقصير حده اربعة وعشرون ميلا ". وروى الصدوق بسند معتبر عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (7) قال " وانما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والاثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم. قال: ولو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة الف سنة وذلك لان كل يوم يكون بعد هذا اليوم فانما هو نظير هذا اليوم فلولم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره ". وأما ما رواه الصدوق في الصحيح عن زكريا بن آدم (8) - " انه سأل ابا الحسن الرضا عليه السلام عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته وامره جائز فيها يسير في الضياع يومين وليلتين وثلاثة أيام ولياليهن ؟ فكتب: التقصير في مسيرة يوم وليلة " وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر


[ 300 ]

ابى الحسن الرضا عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يريد السفر في كم يقصر ؟ قال في ثلاثة برد ". وعن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " لا بأس للمسافران يتم في السفر مسيرة يومين " - فالظاهر حملها على التقية كما أجاب به الشيخ عن الخبرين الاخيرين حيث قال انهما غير معمول عليهما لموافقتهما العامة. وهكذا ينبغى أن يقال في الخبر الاول. ولا بأس بالاشارة هنا الى اقوال العامة في اعتبار المسافة وعدمها وقدرها كما ذكره بعض مشايخنا المحدثين من متأخرى متأخرين. فنقول: اعلم ان بعضا منهم لم يشترط مسافة مخصوصة بل ذهب الى انه متى صدق عليه اسم المسافر فله القصر، ونقل ذلك عن داود ومحمد بن الحسن. والمشهور اعتبار المسافة لكن اختلفوا في قدرها فنقلوا عن دحية الكلبى انها فرسخ، ونقل عن بعض قدمائهم انها روحة أي ثمانية فراسخ، وعن آخر انها يوم وليلة، وعن بعض مسيرة ثلاثة أيام، ونسب هذا الى ابى حنيفة وجماعة (3) وستأتى هذه الاقوال الثلاثة في مرسلة محمد بن يحيى الخزاز، ومن هنا يعلم ان ما دل عليه صحيح زكريا بن آدم المذكور من التقدير بيوم وليلة موافق لبعض أقوالهم كما عرفت. وعن جمع منهم انها ثلاثة برد يعنى اثنى عشر فرسخا (4) ومنه يعلم ان ما تضمنه صحيح البزنطى من تفسيرها بذلك فانه موافق لهذا القول. وعن جملة منهم الشافعي ومالك كونها مسيرة يومين عبارة عن ستة عشر فرسخا (5) ومنه يعلم ان ما اشتملت عليه رواية ابى بصير من تحديدها بيومين فانها خرجت مخرج هذا القول. إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في موارد: أولها - قد عرفت ان المسافة الموجبة للتقصير ثمانية فراسخ، والفرسخ عندهم ثلاثة


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر (3) و (4) و (5) عمدة القارئ ج 3 ص 531 والمجموع للنووي ج 4 ص 325


[ 301 ]

أميال والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذى طوله أربعة وعشرون اصبعا والاصبع سبع شعيرات عرضا وقيل ست والشعيرة سبع شعرات من شعر البرذون. اما ان الفرسخ ثلاثة اميال فهو اتفاقى بينهم وعليه تدل الاخبار، واما ان الميل أربعة آلاف ذراع فهو المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف. قالوا: وفى كلام أهل اللغة دلالة عليه حيث قال في القاموس: الميل قدر مد البصر ومنار يبنى للمسافر أو مسافة من الارض متراخية بلا حد أو مائة الف اصبع إلا أربعة آلاف اصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنا عشر الفا بذراع المحدثين. انتهى. وقال احمد بن محمد الفيومى في كتاب المصباح المنير: الميل بالكسر في كلام العرب مقدار مد البصر من الارض قاله الازهرى، والميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظي فانهم اتفقوا على ان مقداره ست وتسعون الف اصبع، والاصبع سبع (1) شعيرات بطن كل واحدة الى ظهر الاخرى " ولكن القدماء يقولون الذراع اثنتان وثلاثون اصبعا والمحدثون يقولون اربع وعشرون اصبعا، فإذا قسم الميل على رأى القدماء كل ذراع اثنين وثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، وان قسم على رأى المحدثين اربعا وعشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع، والفرسخ عند الكل ثلاثة اميال. انتهى. اقول: ومن هذا الكلام يمكن أن يستنبط وجه جمع بين التقدير المشهور بالاربعة آلاف ذراع وبين ما يأتي في رواية الكليني من ثلاثة آلاف وخمسمائة بان يكون الاختلاف مبينا على اختلاف الاذرع. وقال السيد السند في المدارك: أما الميل فلم نقف في تقديره على رواية من طرق الاصحاب سوى ما رواه ابن بابويه مرسلا عن الصادق عليه السلام (2) انه الف وخمسمائة ذراع وهو متروك. انتهى. والظاهر انه من هنا قال المحقق في الشرائع


(1) في المصباح ج 2 ص 155 " ست " (2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر


[ 302 ]

أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذى طوله أربعة وعشرون اصبعا تعويلا على المشهور بين الناس، أو مد البصر من الارض. اقول: روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سئل عن حد الاميال التى يجب فيها التقصير فقال أبو عبد الله عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه واله جعل حد الاميال من ظل عير الى ظل وعير، وهما جبلان بالمدينة، فإذا طلعت الشمس وقع ظل عير الى ظل وعير وهو الميل الذى وضع رسول الله صلى الله عليه واله عليه التقصير ". وروى في الكتاب المذكور ايضا عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى الخزاز عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " بينا نحن جلوس وابى عند وال لبنى امية على المدينة إذ جاء ابى فجلس فقال كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم في ثلاث قال قائل منهم في يوم وليلة وقال قائل منهم روحة فسألني فقلت له ان رسول الله صلى الله عليه واله لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي صلى الله عليه واله في كم ذاك ؟ قال في بريد. قال واى شئ البريد ؟ قال ما بين ظل عير الى فئ وعير. قال ثم عبرنا زمانا ثم رأى بنو امية يعملون اعلاما على الطريق وانهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر عليه السلام فذرعوا ما بين ظل عير الى فئ وعير ثم جزأوه على اثنى عشر ميلا فكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كل ميل فوضعوا الاعلام، فلما ظهر بنى هاشم غيروا أمر بنى امية غيرة لان الحديث هاشمى فوضعوا الى جنب كل علم علما ". وهذا الخبر كما ترى واضح الدلالة على ان الميل شرعا عبارة عن ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، والعجب من غفلة السيد (قدس سره) عنه. قال المحدث الكاشانى في الوافى بعد نقل هذا الخبر أولا ثم نقل حديث الفقيه ثانية ما صورته: تقدير الميل في هذا الحديث بالف وخمسمائة ذراع ينافى


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر


[ 303 ]

تقديره في الحديث السابق بثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع مع ان القصة واحدة فقد تطرق السهو الى أحد الحديثين، والظاهر ان السهو في الثاني لان الاول أقرب الى ما هو المشهور في تقديره بين الاصحاب وهو الاربعة آلاف ذراع والى ما قدره به أهل اللغة.. الى آخر كلامه زيد في اكرامه. اقول: والخبر المذكور في الفقيه (1) بهذه الصورة " قال الصادق عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه واله لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي صلى الله عليه واله في كم ذلك ؟ فقال في بريد. قال وكم البريد ؟ قال ما بين ظل عير الى فئ وعير. فذرعته بنو امية ثم جزأوه على اثنى عشر ميلا فكان كل ميل الفا وخمسمائة ذراع وهو اربعة فراسخ ". ثم انه من ما يؤيد ما ذكره في الوافى من تطرق السهو الى حديث الفقيه ما هو محسوس من البعد ما بين ظل الجبلين، فانه أزيد من فرسخ ونصف بكثير، على انه لا بعد في مثل هذا السقوط فقد تقدم التنبيه على امثال ذلك في كثير من الواضع. وأما تقدير الاصبع بسبع شعيرات والشعيرة بسبع شعرات فهو مأخوذ من كلام بعض أهل اللغة. إلا ان الظاهر ان أمثال هذه الامور في الشرع تقريبية لا تتوقف على هذه التدقيقات فان الذراع معروف بين عامة الناس، نعم لابد من البناء على مستوى الخلقة كما جروا عليه في غير موضع من الاحكام إذ هو الفرد الذى يحمل عليه الاطلاق. وثانيها - المستفاد من الاخبار المتقدمة ان المسافة تعلم بامرين (أحد هما) مسير يوم، و (ثانيهما) الاذرع. والمراد باليوم على ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) يوم الصوم، ويدل عليه ما تقدم في صحيحة ابى ايوب من قوله (عليه السلام) " في بريدين أو بياض يوم " ونحوه قوله في صحيحة ابى بصير ايضا " في بياض يوم أو بريدين " والمراد بالسير فيه ما هو المتعارف الغالب من سير الابل القطار وسير عامة


(1) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.


[ 304 ]

الناس فانه الذى يحمل عليه الاطلاق مضافا الى ما صرحت به الاخبار: ومنها - ما تقدم في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) من قوله " لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والاثقال ". ومنها - قول الصادق (عليه السلام) في حسنة الكاهلى المتقدمة (1) زيادة على ما قدمناه منها " ثم قال ان ابى كان يقول ان التقصير لم يوضع على البلغة السفواء والدابة الناجية وانما وضع على سير القطار " اقول: قال الجوهرى يقال بغلة سفواء بالسين المهملة خفيفة سريعة وقال ايضا: الناجية الناقة السريعة ينجو من ركبها. وفى رواية عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قلت له كم ادنى ما تقصر فية الصلاة ؟ فقال جرت السنة ببياض يوم. فقلت له ان بياض يوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم ويسير الآخر أربعة فراسخ في يوم ؟ فقال انه ليس الى ذلك ينظر اما رأيت سير هذه الاثقال بين مكة والمدينة ؟ ثم أومأ بيده أربعة وعشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ ". وبما دلت عليه هذه الاخبار قد صرح ايضا اصحابنا (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف. واعتبر الشهيدان اعتدال الوقت والسير والمكان، قال في المدارك: وهو جيد بالنسبة الى الوقت والسير، اما المكان فيحتمل قويا عدم اعتبار ذلك فيه لاطلاق النص وان اختلفت كمية المسافة في السهولة والحزونة. انتهى. اقول: ما ذكره من الاحتمال لاطلاق النص مع اعترافه باختلاف كمية المسافة في السهولة والحزونة يجرى في الوقت ايضا، فان النصوص مطلقة شاملة باطلاقها لجميع الاوقات، فقصير النهار وطويلة من ما تختلف به الكمية ايضا، فلا وجه لتسليمه لهما ذلك في الوقت ومناقشته في المكان. وبالجملة فان غاية ما يستفاد من النصوص هو اعتدال السير كما عرفت وما عداه فلا، فان حمل اطلاق النصوص على الحد الاوسط


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.


[ 305 ]

بين طرفي الزيادة والنقصان والافراط والتفريط ليكون ضابطا كليا لا يختلف بالزيادة والنقصان ففى الجميع وإلا فلا معنى لتسليم ذلك في فرد والمناقشة في الآخر. والى ما ذكرنا يشير كلام جده في الروض حيث قال: ولما كان ذلك يختلف باختلاف الارض والازمنة والسير حمل على الوسط في الثلاثة. انتهى. وهو جيد وثالثها - لا خلاف ولا إشكال في الاكتفاء بالسير كما تكاثرت به الاخبار، وكذا لا إشكال في ما لو اعتبرت المسافة بالتقدير فوافق السير. انما الاشكال في ما لو اختلفا فهل يتخير في العمل على ايهما كان ولزوم القصر ببلوغ المسافة باحدهما أو انه يقدم السير لانه أضبط أو يقدم التقدير ؟ احتمالات استظهر أولها في المدارك، والظاهر ان وجهه ورود النصوص بكل منهما. واحتمل في الروض تقديم السير، قال: لان دلالة النص عليه أقوى إذ ليس لاعتبارها بالاذرع على الوجه المذكور نص صريح بل ربما اختلفت فيه الاخبار وكلام الاصحاب، وقد صنف السيد السعيد جمال الدين احمد بن طاووس كتابا مفردا في تقدير الفراسخ وحاصله لا يوافق المشهور، ولان الاصل الذى اعتمد عليه المصنف وجماعة في تقدير الفرسخ يرجع الى اليوم، لانه استدل عليه في التذكرة بان المسافة تعتبر بمسير اليوم للابل السير العام وهو يناسب ذلك. انتهى. ويظهر من الذكرى تقديم التقدير ولعله لانه تحقيق والآخر تقريب. اقول: لاريب ان الاعتبار بكل منهما جيد بالنظر الى دلالة النصوص المتقدمة عليها، إلا ان الاشكال في التقدير من حيث الاختلاف في تفسير الفرسخ كما عرفت من اضطراب كلامهم في الميل، والرجوع الى الاحتياط بالجمع بين القصر والاتمام في موضع الاشتباه طريق السلامة. والله العالم. ورابعها - قد صرح غير واحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان مبدأ التقدير من آخر خطة البلد في المعتدل وآخر محلته في المتسع. ولم أقف له على دليل. وقيل مبدأ سيره بقصد السفر.


[ 306 ]

وخامسها - قال في الذكرى: لو قصد مسافة في زمان يخرج به عن اسم المسافر كالسنة فالاقرب عدم القصر لزوال التسمية. ومن هذا الباب لو قارب المسافر بلده فتعمد ترك الدخول إليه للترخص ولبث في قرى تقاربه مدة يخرج بها عن اسم المسافر. ولم أقف في هذين الموضعين على كلام للاصحاب وظاهر النظر يقتضى عدم الترخص. قال في المدارك بعد نقل ذلك: هذا كلامه (قدس سره) ويمكن المناقشة في عدم الترخص في الصورة الثانية بان السفر بعد استمراره الى انتهاء المسافة فانما ينقطع باحد القواطع المقررة من نية الاقامة أو التردد ثلاثين يوما أو الوصول الى الوطن وبدونه يجب البقاء على حكم القصر. أما ما ذكره من عدم الترخص في الصورة الاولى فجيد لان التقصير انما يثبت في السفر الجامع لشرائط القصر فمتى انتفى السفر أو أحد شرائطه قبل انتهاء المسافة انتفى التقصير. انتهى. أقول: حاصل كلام السيد (قدس سره) يرجع الى منع دخول هذه الصورة المفروضة في كلامه تحت القاعدة التى قدمها في صدر الكلام، حيث انه سلم له ما ذكره في تلك القاعدة وناقش في الصورة المذكورة بزعم انها ليست من قبيل ما ذكره أولا، لحصول الاستمرار على قصد السفر الى انتهاء المسافة في هذه الصورة فلا ينقطع إلا باحد القواطع المقررة بخلاف ما قدمه من القاعدة للخروج عن اسم المسافر بهذا القصد الذى قصده. وأنت خبير بانه يمكن الجواب بان ما ذكره - من أن السفر بعد استمراره الى انتهاء المسافة فانما ينقطع باحد القواطع المذكورة - جيد بالنسبة الى السفر المتعارف المتكرر، أما بالنسبة الى هذا الفرد النادر - وهو انه بعد قربه من البلد ترك الدخول فيه لقصد بقائه على التقصير وبقى مترددا في تلك القرى على وجه يخرج به عن كونه مسافرا - فان دخوله تحت حكم المسافر الذى ذكره بعيد، فانه وان وجب عليه التقصير في مدة سفره إلا انه بعد أن قصد هذا القصد الآخر بتأخره عن الدخول


[ 307 ]

وتردده في تلك القرى على وجه يخرج عن كونه مسافرا فلا يبعد أن يكون حكمه حينئذ هو التمام كما ذكره شيخنا المذكور ويكون هذا من قبيل القواطع الثلاثة المذكورة، ولا فرق بين هذا الفرد المذكور وبين ما ذكره أولا إلا باعتبار ان الاول قصد التطويل في المسافة بزمان يخرج به عن اسم المسافر في أول الامر وهذا انما تجدد له هذا القصد بعد أن حصلت المسافة ووجب التقصير عليه مدة سفره، فالواجب على الاول التمام من أول الامر لان قصده الذى قصده من أول الامر موجب لخروجه عن اسم المسافر فلا يكون حكمه التقصير، والواجب على الثاني هو التقصير مدة سفره وأما بعد تجدد هذا القصد الاخير على الوجه المذكور فانه لخروجه به عن اسم المسافر يزول عنه حكم التقصير ويجب عليه الاتمام. والظاهر ان بناء كلام شيخنا المذكور (قدس سره) على ما ذكرناه وإلا فهو لا يخفى عليه ان السفر بعد ثبوته لا ينقطع إلا باحد القواطع الثلاثة المذكورة، ولكن هذا قد خرج عن كونه مسافرا بما قصده وفعله فلا يدخل تحت المسافر المتصف بالسفر المعروف المتكرر الذى وردت فييه الاخبار بانه لا ينقطع سفره إلا باحد القواطع. والله العالم. وسادسها - قال في المنتهى: لو كان مسافرا في البحر كان حكمه حكم المسافر في البر من اعتبار المسافة سواء قطعها في زمان طويل أو قصير، لا نعرف فيه خلافا. انتهى. وهو كذلك لان وجوب التقصير ترتب على قصد المسافة التى قد ورد اعتبارها بالتقدير المتقدم ذكره وهى ثمانية فراسخ، وحينئذ فمتى قصد هذه المسافة في بر أو بحر فلا فرق بين ان يقطعها في ساعة أو يوم أو اكثر ما لم يتطاول الزمان على الوجه المتقدم في سابق هذا المورد. ومثل السفر في البحر السفر في البر من البريد الحثيث كما هو معمول الآن في بلاد العجم بحيث يقطع مسير اليوم في ربع نهار أو اقل وسابعها - قال في المدارك: انما يجب التقصير مع العلم ببلوغ المسافة بالاعتبار


[ 308 ]

أو الشياع أو شهادة العدلين ومع انتفاء الامرين يجب الاتمام. وفى وجوب الاعتبار مع الشك اشكال منشأه اصالة البراءة وتوقف الواجب عليه. ولو سافر مع الجهل ببلوغ المسافة ثم ظهر ان المقصد مسافة وجب التقصير حينئذ وان قصر الباقي عن مسافة، ولا يجب عليه اعادة ما صلاه تماما قبل ذلك لانها صلاته المأمور بها فكانت مجزئة. انتهى. اقول: أما ما ذكره - من توقف وجوب التقصير على العلم ببلوغ المسافة باحد الوجهين ومع عدمه يجب الاتمام - فهو من ما لا ريب فيه ولا إشكال، لان العلم ببلوغ المسافة شرط في وجوب التقصير كما عرفت والمشروط عدم عند عدم شرطه. والحكم المذكور مقطوع به في كلام الاصحاب. وبذلك يظهر ان ما أطال به في الذخيرة - من الاستدلال على ذلك بما ذكره ثم المناقشة في ذلك - من ما لا طائل تحته، على انها لا تقصر عن التأييد لما ذكرناه، ومنها قول ابى جعفر عليه السلام في صحيح زرارة (1) " لا تنقض اليقين بالشك ابدا " بناء على ان الحكم الثابت اصالة هو الاتمام والقصر مشكوك فيه مع الجهل ببلوغ المسافة أو الشك فيها للشك في سببه وهو واضح. وما ذكره - من ان الاستدلال بالخبر المذكور لا يصفو عن المنازعة - لا أعرف له وجها بعد ما عرفت. وأما ما ذكره في المدارك - من الاشكال في وجوب الاعتبار مع الشك - فهو في محله. وأما ما ذكره - من انه لو سافر مع الجهل ببلوغ المسافة ثم ظهر ان المقصد مسافة فانه يجب التقصير حينئذ وان قصر الباقي عن مسافة - فهو عندي محل اشكال وان كان قد تقدمه في ذلك الشهيد في الذكرى، لان من جملة الشروط - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - قصد المسافة وهو السفر الشرعي وهذا في حال خروجه والحال هذه لم يحصل له هذا القصد، ولهذا ان فرضه التمام وقد صلى تماما بناء على ذلك فهو


(1) الوسائل الباب 1 من نواقض الوضوء و 37 و 41 و 44 من النجاسات


[ 309 ]

حاضر غير مسافر، وقصد السفر بعد ظهور كون المقصد مسافة مع نقصان الباقي عن المسافة غير مجد ولا مسوغ للقصر لعدم المسافة في الباقي، والبناء على ما مضى مع عدم نية قصد المسافة فيه مشكل كما عرفت. وما نحن فيه في الحقيقة مثل طالب الآبق والحاجة الذى سار مسافة أو أقل من غير قصد المسافة ثم ظهر له ان حاجته في مكان يقصر عن المسافة الشرعية، فانه لا ريب ولا إشكال في انه يتم في سفره المذكور بعد خروجه وبعد ظهور كون حاجته في محل كذا من ما يقصر عن المسافة، ولا يضم ما تقدم الى هذه المسافة الباقية ويجب عليه التقصير حينئذ بل الواجب عليه هو الاتمام. نعم متى أراد الرجوع فان الواجب عليه التقصير ان بلغ المسافة وهو شئ آخر. وبالجملة فان ما ذكره هنا غير خال عندي من الاشكال. ثم ان ظاهره في الذخيرة المناقشة في شهادة العدلين في هذا المقام مدعيا انه لا يعلم نصا يدل على ان شهادة العدلين متبعة كلية. وفيه انه وان كان ما ذكره - من عدم وجود نص دال على وجوب العمل بشهادة العدلين في كل أمر - كذلك إلا ان جملة من النصوص المعتبرة كما قدمناه في باب التطهير من النجاسات من كتاب الطهارة قد دلت على العمل بخبر العدل الواحد بل انه مفيد للعلم وان لم يسم ذلك شهادة، وحينئذ لاريب في قبول خبر العدلين هنا ولا اشكال وثامنها - قال في الذكرى: لو كان لبلد طريقان أحدهما خاصة مسافة فسلك الاقرب أتم وان سلك الابعد لعلة غير الترخص قصر، وان كان للترخص لا غير فالاقرب التقصير للاباحة، وقال ابن البراج يتم لانه كاللاهى بصيده. ولو رجع قاصد الاقرب بالبعد قصر في رجوعه لا غير. ولو رجع قاصد الابعد بالاقرب قصر في ذهابه وايابه. انتهى. اقول: الظاهر ضعف ما ذكره ابن البراج لان السفر بقصد الترخص غير محرم بل هو مباح، وقياسه على اللاهى بصيده قياس مع الفارق مع ان القياس غير صحيح في مذهبنا، وحينئذ فيجب عليه التقصير.


[ 310 ]

واما ما ذكره في الذكرى - من ان قاصد الاقرب متى رجع بالابعد فانه يتم في ذهابه ويقصر في رجوعه خاصة - فهو مبنى على ما هو المشهور بينهم من عدم ضم الذهاب الى الاياب إلا في قصد الاربعة. وفيه ما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضعه من أنه لا دليل عليه غير مجرد الشهرة بينهم. وتاسعها - قال في الذخيرة: لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ ذاهبا وجائيا، فان بلغ في الرجوع الى موضع سماع الاذان ومشاهدة الجدران فالظاهر انه لا خلاف في عدم القصر، وان يبلغ فالمقطوع به في كلام اكثر الاصحاب انه لم يجز القصر وخالف فيه المصنف في التحرير، واستدل على الاول بوجهين: (احدهما) ان من هذا شأنه ينقطع سفره بالرجوع وان كان في رجوعه لم ينته الى الحد المذكور وإلا لزم القصر لو تردد في ثمانية فراسخ خمس مرات (1) وبان مقتضى الاصل لزوم الاتمام خرج منه قاصد الثمانية والاربعة التى لا تكون ملفقة من الذهاب والاياب لانه المتبادر من اللفظ فيبقى الباقي على الاصل. وللتأمل في الوجهين طريق. انتهى.

اقول: الظاهر ان ما ذكره من هذا التفصيل والاستدلال في المقام وما وقع له فيه من النقض والابرام من متفرداته (قدس سره) وتخريجاته، ومقتضى ما صرح به الاصحاب هنا كالعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى هو ان التردد في ثلاثة فراسخ ذاهبا وجائيا غير موجب للقصر ثلاث مرات وازيد بلغ محل الترخص أم لم يبلغ لعدم المسافر عليه، وهو التحقيق في المقام الذى لا يعتريه نقض ولا ابرام، لان وجوب التقصير تابع لصدق السفر مع استكمال شروطه، ومثل هذا لا يسمى مسافرا عرفا ولا شرعا. قال في المنتهى: لو كانت المسافة ثلاثة فراسخ وتردد فيها ثلاث مرات لم


(1) في الذخيرة في التنبيه السابع من تنبيهات الشرط الاول هكذا: " ولو تردد في فرسخ واحد ثمانى مرات ".


[ 311 ]

يقصر، لانه بالعود انقطع سفره، ولعدم الدليل على القصر مع وجود المقتضى لشغل الذمة. وقال في الذكرى: ولو كان القصد زيادة على الاربعة فكالاربعة، ولو نقص كالثلاثة يتردد فيها ثلاث مرات لم يترخص لخروجه عن اسم المسافر وإلا لزم تقصير المتردد في أقل من ميل وهو باطل. انتهى. والجميع كما ترى ظاهر في ما قلناه واضح في ما نقلناه، وبه يظهر ان ما ذكره مجرد توهم وخيال ضعيف، فان ظهور عدم صدق المسافر على مثل هذا لا يمكن انكاره عرفا ولا شرعا. والله العالم. وعاشرها - لو تعارضت البينتان في المسافة بالنفى والاثبات، قال في الذكرى: الاقرب العمل ببينة الاثبات لان شهادة النفى غير مسموعة. وقال في المعتبر: أخذ بالمثبتة وقصر. قال في المدارك بعد ذكر كلام المعتبر: وهو جيد مع اطلاق البينتين أما لو كان النفى متضمنا للاثبات كدعوى الاعتبار وتبين القصور فالمتجه تقديم بينة النفى لاعتضادها باصالة التمام. اقول: لا يخفى ما في الاعتضاد هنا باصالة التمام من الاشكال لقيام البينة المثبتة للمسافة التى بالنظر إليها يجب التقصير شرعا والخروج عن هذا الاصل. والحق ان المسألة لا تخلو من الاشكال إلا أن يقال بالرجوع الى الترجيح بين البينتين قال في الذكرى: ولا يكفى اخبار الواحد بها، ويحتمل الاكتفاء به إذا كان عدلا جعلا لذلك من باب الرواية لا من باب الشهادة. أقول: ما ذكره من الاحتمال جيد لما اشرنا إليه قريبا من دلالة الاخبار على قبول قول الثقة وانه مفيد للعلم الشرعي. ثم قال في الذكرى: فعلى هذا لو سافر اثنان أحدهما يعتقد المسافة والآخر لا يعتقدها فالظاهر ان لكل منهما أن يقتدى بالآخر لصحة صلاته بالنسبة إليه.


[ 312 ]

وقال في المدارك بعد ذكر التعارض بين البينتين: ويتعلق بكل من البينتين حكم ما يعتقده فيقصر المثبت ويتم النافي، وفى جواز اقتداء أحدهما بالآخر وجهان من حكم كل منهما بخطأ الآخر، ومن ان كلا من الصلاتين محكوم بصحتها شرعا لاتيان كل منهما بما هو فرضه فينتفى المانع من الاقتداء، ورجح الشهيدان الجواز وهو حسن لكنهما منعا من الاقتداء مع المخالفة في الفروع، والفرق بين المسألتين مشكل. انتهى. أقول: قد قدمنا في بحث القبلة من التحقيق في هذا المقام ما يندفع به هذا الاشكال الذى ذكره (قدس سره) ومرجعه الى الفرق بين الاحكام الشرعية وموضوعاتها فيمتنع الاقتداء على الاول دون الثاني. واقول هنا: انه لا يخفى ان ما ذكروه من جواز الاقتداء في الصورة المذكورة ان اريد به الاقتداء في مجموع الصلاة - بحيث ان من فرضه منهما التمام يصلى قصرا وبالعكس كما هو الظاهر من كلامهم، وقوله في الذكرى لانها صحيحة بالنسبة إليه. وقوله في المدارك ان كلا من الصلاتين محكوم بصحتها شرعا.. الى آخره - فالظاهر عدمه لانها وان صحت من هذه الجهة التى ذكرها إلا ان هذا مكلف شرعا بالعمل بعلمه وما أدى إليه اعتقاده، فلو تابع الامام في صلاته قصرا أو تماما والحال ان اعتقاده خلاف اعتقاد الامام فقد خالف ما هو تكليفه شرعا ومأمول به من جهته سبحانه فكيف يجزئ عنه، وان اريد به الاقتداء في ما يتفق معه فيه كاقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس فالظاهر انه لا بأس به لما ذكروه من التعليل، ولان هذا من باب موضوعات الاحكام الشرعية التى قد أشرنا الى انه يجوز الاقتداء فيها مع الاختلاف من حيث ان صلاته صحيحة شرعية، ونحن انما منعنا من الاقتداء في الفرض الاول من حيث مخالفته لما هو مكلف به شرعا لا من حيث حكمنا ببطلان الامام، والفرق بحمد الله سبحانه ظاهر. فاشرب بكأس هذا التحقيق الذى هو بان يكتب بالنور على وجنات الحور جدير وحقيق، ولا تكاد تجد مثل


[ 313 ]

هذه التحقيقات في غير كتبنا وزبرنا. ولله سبحانه الحمد والمنة والله الهادى لمن يشاء.

المقام الثاني - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو كانت المسافة أربعة فراسخ فصاعدا الى ما دون الثمانية على أقوال: أحدهما - وهو المشهور سيما بين المتأخرين وبه صرح المرتضى وابن ادريس - انه يجب التقصير إذا أراد الرجوع ليومه والمنع من التقصير ان لم يرد الرجوع ليومه وثانيها - ما ذهب إليه الصدوق (قدس سره) في الفقيه قال: إذا كان سفره اربعة فراسخ واراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب وان كان سفره اربعة فراسخ ولم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار ان شاء أتم وان شاء قصر. ونحوه قال الشيخ المفيد، ونقله الاصحاب عن والد الصدوق ايضا وسلار، وبه صرح الشيخ في النهاية إلا انه منع من التقصير في الصوم، فصار هذا قولا ثالثا. وما ذهبوا إليه ظاهر في وجوب التقصير مع الرجوع ليومه كما هو المشهور والتخيير في ما لم يرد الرجوع ليومه خلافا للمشهور حيث أوجبوا التمام هنا حتما، فهذا القول يوافق المشهور من جهة ويخالفه من اخرى. وينبغى أن يعلم ان مرادهم بقولهم في صورة التخيير " ومن لم يرد الرجوع من يومه " انه أعم من أن لم يرد الرجوع بالكلية فالنفي متوجه الى القيد والمقيد، أو اراد الرجوع ولكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجه الى القيد خاصة. وما ربما يتوهم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض كما لا يخفى على المتأمل. وثالثها - ما ذهب إليه في النهاية من ما قدمنا الاشارة إليه. ورابعها - ما نقله شيخنا الشهيد في لذكرى عن الشيخ في التهذيب والمبسوط وابن بابويه في كتابه الكبير وقواه من التخيير في قصد الاربعة بشرط الرجوع ليومه قال في الذكرى: واعلم ان الشيخ في التهذيب ذهب الى التخيير لو قصد أربعة فراسخ وأراد الرجوع ليومه، وكذا في المبسوط وذكره ابن بابويه في كتابه الكبير، وهو قوى لكثرة الاخبار الصحيحة بالتحديد باربعة فراسخ فلا أقل من الجواز.


[ 314 ]

اقول: عبارة الشيخ في التهذيب هكذا: ان المسافر إذا أراد الرجوع من يومه فقد وجب عليه التقصير في اربعة فراسخ. ثم قال: ان الذى نقوله في ذلك انه انما يجب التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ وإذا كان اربعة فراسخ كان بالخيار في ذلك ان شاء أتم وان شاء قصر. وانت خبير بان ظاهر هذه العبارة العدول عن القول الاول الموافق للمشهور الى ان مجرد قصد الاربعة موجب للتخيير اراد الرجوع ليومه أم لا، وحينئذ فما نقله عنه هنا من قوله بالتخيير بشرط الرجوع ليومه ان اراد من حيث عموم كلامه وشموله لهذا الفرد فهو مسلم إلا انه بعيد عن ظاهر عبارته، وان أراد تخصيص عبارته بما ذكره فهو خلاف ظاهر كلام الشيخ كما عرفت. واما عبارته في المبسوط فهى ايضا لا تساعد ما ادعاه حيث ان عبارة المبسوط هكذا: حد المسافة التى يجب فيها التقصير ثمانية فراسخ أربعة وعشرون ميلا، فان كانت أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه وجب ايضا التقصير وان لم يرد الرجوع من يومه كان مخيرا بين التقصير والاتمام. وهذه العبارة كما ترى صريحة الانطباق على ما قدمنا نقله عن الصدوق والشيخ المفيد وهو القول الثاني لا في ما ذكره وادعاه. والعجب أن الاصحاب لم يتنبهوا لموافقة الشيخ للصدوق في هذا الكتاب بل خصوا ذلك بالنهاية مع منعه فيها التقصير في الصوم، وهذه العبارة ظاهرة في الانطباق على ذلك القول من جميع جهاته. واعجب من ذلك نقل شيخنا المشار إليه عن المبسوط ما ادعاه والحال ان العبارة كما ترى، ولعل النقل عن ابن بابويه في كتابه الكبير من هذا القبيل. وكيف كان فهو قول مرغوب عنه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. وخامسها - ما ذهب إليه ابن ابى عقيل (قدس سره) حيث قال: كل سفر كان مبلغه بريدين وهو ثمانية فراسخ أو بريدا ذاهبا وبريدا جائيا وهو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافر عند آل الرسول صلى الله عليه واله أن يصلى


[ 315 ]

صلاة السفر ركعتين. والى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخرى المتأخرين وهو الظاهر عندي من الاخبار كما سيسفر عنه ان شاء الله تعالى صبح التحقيق أي اسفار إلا ان عبارة الشيخ ابن ابى عقيل لا تخلو عن مسامحة أو غفلة، وذلك فان الحق في هذا المقام أن يقال انه لا ريب ان المسافة الموجبة للتقصير انما هي ثمانية فراسخ لكنها أعم من أن تكون ممتدة في الذهاب خاصة أو ملفقة من الذهاب والاياب، وحينئذ فمن قصد أربعة فراسخ مريدا للرجوع من غير ان يقطع سفره باقامة العشرة ولا بالمرور على منزل يقطع سفره ولا مضى ثلاثين يوما مترددا فانه يجب عليه التقصير ويصدق عليه ان مسافة سفره ثمانية فراسخ لان السفر لا خصوصية له بالذهاب خاصة. ونظيره من قصد ثمانية فراسخ وهى المسافة المتفق على وجوب التقصير فيها ثم اتفق جلوسه على رأس أربعة فراسخ أياما لبعض المطالب والاغراض، فان جلوسه تلك المدة ما لم ينقطع سفره باحد القواطع المذكورة لا يخرجه عن كونه مسافرا ولا كون سفره ثمانية فراسخ. وحينئذ فان كان ما ذكره ابن ابى عقيل في هذه العبارة من قوله: " أو ما دون عشرة أيام " إنما وقع على وجه التمثيل اشارة الى انه يقصر ما لم ينقطع سفره باحد القواطع التى من جملتها العشرة أيام فهو يرجع الى ما ذكرناه ونسبته الى آل الرسول صلى الله عليه واله في محله، لانه الظاهر من أخبارهم كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وإلا كان هذا قولا آخر ولا وجه لنسبته إليهم (صلوات الله عليهم) باعتبار التخصيص بالعشرة، إذ يمكن ان يرجع بعد عشرين يوما ولم ينقطع سفره باقامة العشرة في موضع. وسادسها - ما ذهب إليه السيد السند (قدس سره) في المدارك من القول بالتخيير بمجرد قصد الاربعة أراد الرجوع أو لم يرد، ونقله عن الشيخ في التهذيب وجده. قال (قدس سره) بعد البحث في المسألة: وجمع الشيخ في كتابي الاخبار بين هذه الروايات بوجه آخر وهو تنزيل اخبار الثمانية على الوجوب واخبار


[ 316 ]

الاربعة على الجواز، وحكاه بعض مشايخنا المعاصرين عن جدى (قدس سره) في الفتاوى، ومال إليه في روض الجنان حتى انه استوجه كون القصر أفضل من الاتمام. ولاريب في قوة هذا القول. ولا ينافى ما ذكرناه من التخيير رواية معاوية بن عمار المتضمنة لنهى أهل مكة عن الاتمام بعرفات (1) لانا نجيب عنها بالحمل على الكراهة أو على ان النهى عن الاتمام على وجه اللزوم. انتهى. وسابعها - ما ذهب إليه بعض فضلاء متأخرى المتأخرين من وجوب التقصير مع قصد الاربعة مطلقا ونسبه مذهبا لثقة الاسلام الكليني في الكافي حكى ذلك بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين، حيث قال بعد الكلام في المسألة وذكر اخبار الثمانية: ثم اختلفوا في نصف ذلك أي أربعة فراسخ على اقوال شتى، فمنهم من ظاهر كلامه كالكليني ان الاربعة هي المسافة حيث لم يذكر ما سوى احاديث الاربعة حتى ان بعض مشايخنا كان يدعى له هذا القول ويقويه استنادا الى عدم وجدان قائل بها من المخالفين (2) وجعل وجه الجمع بين هذه الاخبار واخبار الثمانية بان المراد بهذه الاخبار أقل ما يتحقق به تحتم القصر وانه مستلزم للتحتم بالزائد ايضا كما هو ظاهر، فيكون حينئذ تخصيص التعبير بالثمانية في اخبارها لاجل بعض المصالح كمراعاة التقية. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. ثم انه (قدس سره) رجح كون اعتقاد الكليني التخيير في قصد الاربعة مطلقا. اقول: لا يخفى ان حمل اخبار الاربعة على الوجوب - كما ذكره البعض المشار إليه وانه أقل ما يجب فيه التقصير - يدفعه ما اشتملت عليه جملة من أخبار الثمانية الفراسخ والبريدين من انها أقل مسافة القصر وانه لا يقصر في ما دونها وان المناط


(1) ص 319 و 320 (2) في المحلى ج 5 ص 8 عن شعبة قال: سمعت ميسرة بن عمران عن ابيه عن جده انه خرج مع عبد الله بن مسعود وهو رديفه على بغلة له مسيرة اربع فراسخ فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.


[ 317 ]

في ذلك بياض يوم أو سير الابل ونحو ذلك من ما اشتملت عليه الاخبار كما لا يخفى على من راجعها. إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في موضعين: الاول - في نقل اخبار المسألة كملا فنقول: اعلم ان الاخبار المتعلقة بهذه المسألة على ثلاثة أقسام: الاول - ما اشتمل على تحديد المسافة بما علم مخالفته لمذهب الامامية وموافقته لمذهب العامة كالاخبار الدالة على التحديد بفرسخ أو ثلاثة ابرد أو يوم وليلة ونحو ذلك، وقد تقدم شطر منها في صدر المسألة الاولى، وقد أوضحنا ثمة (1) خروجها مخرج التقية فلا حاجة الى ارتكاب التأويل فيها ولا تكلف الجواب عنها بعد ظهور ما قلناه فيها.

الثاني - الاخبار المشتملة على ما عليه اتفاق الامامية من ثمانية فراسخ أو بريدين أو بياض يوم، وقد مر منها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم في صدر المقصد وتقدم في صدر المقام الاول صحيحة ابى ايوب وفيها بريدين أو بياض يوم، وصحيحة على بن يقطين وفيها مسيرة يوم، وصحيحة ابى بصير وفيها بياض يوم أو بريدين وحسنة الكاهلى وفيها بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا، وموثقة سماعة وفيها مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ، وموثقة عيص بن القاسم أو حسنته وفيها حده أربعة وعشرون ميلا، ورواية الفضل بن شاذان وفيها ثمانية فراسخ مسير يوم، ومنها رواية صفوان الآتية ان شاء الله تعالى (2) في الموضع الثاني، ومنها موثقة عبد الرحمان بن الحجاج المتقدمة في المورد الثاني من موارد المقام المتقدم، الى غير ذلك من الاخبار التى لا ضرورة في التطويل بها مع الاتفاق على العمل بمضمونها.

الثالث - الاخبار المشتملة على التقصير في أربعة فراسخ أو بريد أو نحو ذلك التى هي محل الاشكال في المقام ومنفصل سهام النقض والابرام. وهذه الاخبار ايضا على ثلاثة أقسام: أحدها - ما ورد في التحديد


(1) ص 300 (2) ص 326


[ 318 ]

بالاربعة على الاطلاق من غير تقييد بالذهاب والاياب وغير ذلك بحيث يتبادر من ظواهرها التعارض بين اطلاقها واطلاق اخبار الثمانية: ومنها - مرسلة محمد بن يحيى الخزاز المتقدمة في صدر المسألة الاولى ومرسلة ابن ابى عمير المتقدمة ثمة ايضا. وصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " التقصير في بريد والبريد أربعة فراسخ ". وصحيحة زيد الشحام (2) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثنى عشر ميلا ". وصحيحة اسماعيل بن الفضل (3) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التقصير فقال في أربعة فراسخ ". ورواية ابى الجارود (4) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام في كم التقصير ؟ فقال في بريد ". وموثقة ابن بكير (5) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القادسية اخرج إليها أتم أم أقصر ؟ قال وكم هي ؟ قلت هي التى رأيت. قال قصر ". اقول: قال في المغرب، القادسية موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلا كذا نقله عنه في كتاب البحار، ثم قال: وهى تدل على وجوب التقصير في اربعة فراسخ لعدم القول بالفصل. انتهى. ومنها صحيحة ابى ايوب (6) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ادنى ما يقصر فيه المسافر ؟ فقال بريد ". وثانيها - ما ورد بالتحديد باربعة فراسخ مع التقييد بان ذلك حيث يضم الاياب الى الذهاب بحيث ان يحصل منهما جميعا ثمانية فراسخ: ومنها - صحيحة معاوية بن وهب (7) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ادنى


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر


[ 319 ]

ما يقصر فيه المسافر ؟ قال بريد ذاهبا وبريد جائيا ". ومنها - صحيحة زرارة المروية في الفقيه (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن التقصير فقال بريد ذاهبا وبريد جائيا، وكان رسول الله صلى الله عليه واله إذا أتى ذبابا قصر وذباب على بريد، وانما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " وموثقة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " سألته عن التقصير فقال في بريد. قال قلت بريد ؟ قال انه إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " ورواية سليمان بن حفص المروزى (3) قال: " قال الفقيه عليه السلام التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا وجائيا.. الحديث ". ورواية الفضل بن شاذان المروية في كتاب العلل والعيون عن الرضا عليه السلام (4) قال: " انما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا اكثر من ذلك لان ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا وبريد جائيا والبريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذى يجب فيه التقصير، وذلك انه يجئ فرسخين ويذهب فرسخين فذلك أربعة فراسخ وهو نصف طريق المسافر ". وروى الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون (5) قال: " والتقصير في اربعة فراسخ بريد ذاهبا وبريد جائيا اثنى عشر ميلا، وإذا قصرت افطرت ". وثالثها - ما ورد كذلك بحيث يدل على ان ذلك على سبيل الحتم وانه مراعى باعتبار ضم الاياب الى الذهاب بحيث يكون الجميع ثمانية فراسخ، وانه لا حاجة الى أن يكون الذهاب والاياب في يوم واحد: ومنها - صحيحة معاوية بن وهب المروية في كتب المشايخ الثلاثة بالاسانيد الصحيحة (6) " انه قال لابي عبد الله عليه السلام ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات ؟


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر (6) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. والراوي معاوية بن عمار


[ 320 ]

فقال ويلهم أو ويحهم وأى سفر أشد منه لا تتم ". وفى بعض النسخ " لا تتموا " وصحيحته الاخرى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم اتموا وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا ". وصحيحة الحلبي أو حسنته عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " ان أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا وإذا زاروا وارجعوا الى منازلهم اتموا ". وموثقة معاوية بن عمار (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام في كم اقصر الصلاة ؟ فقال في بريد ألا ترى ان أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير " ورواية اسحاق بن عمار (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام في كم التقصير ؟ فقال في بريد ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله صلى الله عليه واله فقصروا ". وقال شيخنا المفيد (عطره الله مرقده) في المقنعة (5) قال الصادق عليه السلام " ويل لهؤلاء القوم الذى يتمون بعرفات أما يخافون الله ؟ فقيل له وهو سفر ؟ فقال وأى سفر أشد منه ". أقول: وذكر أهل مكة وام لم يقع في الكلام إلا ان الظاهر بمعونة ما ذكرنا من الاخبار هو كونهم المرادين بهذا الكلام وان خفى علينا الآن قرينة المقام. وصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (6) قال: " من قدم قبل التروية بعشرة ايام وجب عليه اتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة فإذا خرج الى عرفات وجب عليه التقصير فإذا زار البيت أتم الصلاة وعليه اتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر " وموثقة اسحاق بن عمار (7) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن أهل مكة إذا


(1) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. والراوي معاوية بن عمار (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. (6) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. واللفظ فيه وفى الوافى باب عزم الاقامة في السفر " فإذا خرج الى منى ". (7) الوسائل الباب 6 و 15 من صلاة المسافر.


[ 321 ]

زاروا عليهم اتمام الصلاة ؟ قال نعم، والمقيم بمكة الى شهر بمنزلتهم " ولعل المراد بقوله عليه السلام: " والمقيم بمكة.. الى آخره " يعنى المتردد فانه بعد مضى الشهر يلزمه الاتمام. ومنها ايضا صحيحة ابى ولاد الآتية ان شاء الله تعالى في الموضع الثاني (1). اقول: هذا ما حضرني من اخبار المسألة المذكورة كملا، واصحابنا (رضوان الله عليهم) لما رأوا ما هي عليه من الاختلاف اختلف كلمتهم في التفصى عن وجه الجمع بينها لتحصيل الاجتماع بينها والائتلاف. فذهب البعض منهم - وهو المشهور بين المتأخرين منهم كما تقدمت الاشارة إليه بعد ابقاء اخبار الثمانية على اطلاقها وشمولها للذهاب فقط أو مع الاياب - الى حمل اخبار الاربعة على ما إذا أراد المسافر الرجوع ليومه حملا لاخبار القسم الاول منها على أخبار القسم الثاني. وهو جيد لكن لا دلالة في شئ من اخبار القسم الثاني على التقييد بالرجوع ليومه، فمن اين لهم دليل هذا التقييد ؟ ومحل البحث معهم هنا، وإلا فانه لاريب بمقتضى القاعدة المتفق عليها من حمل المطلق على المقيد في صحة ما ذكروه من تقييد اطلاق اخبار القسم الاول باخبار القسم الثاني، إلا ان غاية ما تدل عليه الاخبار المذكورة هي اعتبار ضم الاياب الى الذهاب مطلقا أعم من ان يكون في يوم أو اكثر ويدفع ما ذكره من هذا التقييد صريحا أخبار القسم الثالث وهى اخبار أهل مكة المستفيضة الصحيحة الصريحة في تحتم القصر عليهم مع معلومية كون الرجوع ليس في يومه. وغاية ما تعلق به بعضهم لاثبات هذه الدعوى هو قوله عليه السلام في موثقة محمد ابن مسلم المتقدمة في اخبار القسم الثاني من أخبار الاربعة " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه ". وفيه أولا - انه معارض بما هو اكثر عددا واصح سندا واصرح دلالة وهى


(1) بل في الشرط الثالث ص 333


[ 322 ]

اخبار القسم الثالث من أخبار الاربعة، فانها صريحة الدلالة ناطقة المقالة في تحتم التقصير ووجوبه بقصد الاربعة مع عدم الرجوع في يومه. واما ثانيا - فلان هذه العبارة انما خرجت مخرج التجوز في دفع الاستبعاد الذى توهمه السائل، حيث انه لما كان المعهود عنده والشائع هو التقصير في مسيرة يوم بريدين تعجب من افتاء الامام عليه السلام بالبريد الواحد فأجاب عليه السلام بان هذا المسافر الى مسافة البريد متى رجع حصل من ذهابه وايابه قدر مسير يوم، فلا دلالة على الرجوع من يومه حتى انه لا يتحتم القصر إلا بذلك، والغرض انما هو بيان ان مسافة الاربعة إنما اعتبرت من حيث الذهاب والاياب فهى في حكم اليوم والثمانية الفراسخ والبريدين التى اتفقت الاخبار على وجوب التقصير فيها، كما يشير إليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة وصحيحة معاوية بن وهب " بريد ذاهبا وبريد جائيا " وقوله عليه السلام في صحيحة زرارة حكاية عن رسول الله صلى الله عليه واله " وانما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ ". وبالجملة فان الرواية المذكورة لا ظهور لها فضلا عن الصراحة في ما ادعوه، ولابد من حملها على ما ذكرناه لتنتظم به مع اخبار القسم الثالث التى قد عرفت انها أرجح منها عددا وسندا ودلالة. قال في المدارك: وأما رواية محمد بن مسلم فانها وان كانت مشعرة بذلك إلا انها غير صريحة فيه، بل ربما لاح منها ان التعليل - بكونه إذا ذهب بريدا ورجع بريدا شغل يومه - انما وقع على سبيل التقريب الى الافهام كما يشعر به اطلاق التقصير في البريد أولا. انتهى. واما ما ذهب إليه الصدوقان والشيخ المفيد ومن تبعهم من القول الثاني من الاقوال المتقدمة فالكلام معهم بالنسبة الى ما ذهبوا إليه من تخصيص وجوب التقصير بالرجوع ليومه، وقد عرفت من ما دفعنا به القول الاول انه لا دليل عليه بل الادلة الصحيحة الصريحة ترده. وكذلك بالنسبة الى ما ذهبوا إليه من التخيير


[ 323 ]

مع عدم الرجوع ليومه، وكأنهم جعلوا ذلك وجه جمع بين اخبار الاربعة المقيدة كما تقدم واخبار عرفات حذرا من ما يلزم القول المشهور من طرحها رأسا. وفيه انه لا اشعار في شئ من اخبار عرفات بما ذهبوا إليه من التخيير بل هي في رده اظهر ظاهر كما لا يخفى على البصير الخبير. وتوجيه ذلك بحمل النهى على الكراهة أو عن الاتمام على وجه اللزوم - كما ذهب إليه في المدارك وقبله جده في كتاب روض الجنان مع بعده عن مضامينها كما عرفت - يتوقف على وجود المعارض المحوج الى هذه التكلفات البعيدة والتمحلات الشديدة الناشئة من عدم فهمهم المراد من هذه الاخبار. وتقريب الاستدلال بالاخبار المشار إليها انه لا يخفى ان جملة منها قد تضمنت النهى عن الاتمام الذى هو حقيقة في التحريم، وجملة تضمنت الامر بالتقصير الذى هو حقيقة في الوجوب مؤكدا ذلك بقوله " واى سفرا أشد منه " والدعاء ب‍ " ويلهم أو ويحهم " والتوبيخ لهم بانهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله صلى الله عليه واله المشعر بكونه صلى الله عليه واله مدة كونه في مكة متى حج فانه يقصر الموجب لوجوب التأسي، فاى دلالة أظهر من هذه الدلالات وأى مبالغة وتأكيد ابلغ من هذه التأكيدات، مع انهم يكتفون في سائر الاحكام في الحكم بالوجوب والتحريم بمجرد خبر واحد يدل على ذلك، فكيف بهذه الاخبار الصحيحة الصريحة العديدة المشتملة على ما ذكرنا من وجوه المبالغات والتأكيدات، ويقابلونها بمجرد هذه التخريجات والتمحلات والتكلفات من غير معارض يقتضيه سوى عدم اعطائهم التأمل حقه في فهم المراد من الاخبار كما سنظهره لك ان شاء الله تعالى أي اظهار. وبذلك يظهر لك ما في كلام الشيخ في أحد قوليه وصاحب المدارك ومن تبعهما من حمل اخبار الاربعة على الجواز مطلقا أو مع التقييد بعدم الرجوع ليومه كما هو القول الآخر للشيخ وهو الذى نقله عنه في الذكرى. بقى هنا شئ يجب التنبيه عليه وهو ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله


[ 324 ]

عليهم) ان الوجه في ما ذهب إليه الصدوقان من القول الثاني من الاقوال المتقدمة في صدر المسألة هو الجمع بين اخبار المسألة كالاقوال الباقية، والظاهر ان الحال ليس كذلك فان هذا القول المذكور قد صرح به الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي ومن الظاهر بناء على ما عرفت في غير موضع من ما تقدم وسيأتى ان شاء الله تعالى امثاله ان مستندهما في هذا القول انما هو الكتاب المذكور، حيث قال عليه السلام في الكتاب المشار إليه (1): فان كان سفرك بريدا واحدا وأردت أن ترجع من يومك قصرت لان ذهابك ومجيئك بريدان. ثم قال بعد هذا الكلام باسطر: وان سافرت الى موضع مقدار اربعة فراسخ ولم ترد الرجوع من يومك فانت بالخيار فان شئت اتممت وان شئت قصرت. انتهى. وهو صريح في القول المذكور إلا ان الظاهر انه لا يبلغ قوة في معارضة ما ذكرنا من الاخبار الصحيحة الصريحة المتعددة المذكورة في القسم الثالث وكذا الاخبار الآتية في المقام الثاني من ما تدل على القول المختار في المسألة، فان الجميع متى ضم بعضه الى بعض صريح الدلالة واضح المقالة في أن قاصد الاربعة مع ارادة الرجوع يجب عليه التقصير ما لم ينقطع سفره باحد القواطع الثلاثة المعلومة ولا تخصيص للوجوب بالرجوع ليومه ولا مجال للتخيير بوجه، فالواجب رد هذا الكلام الى قائله حسبا أمروا به (صلوات الله عليهم) في امثال هذا المقام. واما ما تقدم نقله عن بعض الاصحاب - من الميل الى حمل اخبار الاربعة على أقل ما يجب فيه التقصير مدعيا انه مذهب الشيخ الكليني (عطر الله مرقده) حيث انه اقتصر على نقل أخبار الاربعة خاصة - ففيه أولا - انه لا يخفى ان ما استند إليه من الاخبار المطلقة انما يتم لو لم يكن في الباب إلا هي واما مع وجود الاخبار المقيدة كالاخبار القسم الثاني من اخبار الاربعة فان مقتضى القاعدة حمل المطلق من الاخبار على المقيد، وبه يزول الاستناد الى اطلاق الاخبار المذكورة، فانها متى قيدت بالذهاب والاياب رجعت


(1) ص 16


[ 325 ]

الى اخبار الثمانية كما تقدم توضيحه. وثانيا - ما قدمنا الاشارة إليه من دلالة جملة من تلك الاخبار على ان مسافة الثمانية وبياض يوم أو بريدين أقل ما يجب فيه التقصير، فمن ذلك ما تقدم في صدر المقام الاول من قوله عليه السلام في موثقة العيص بن القاسم أو حسنته " حده أربعة وعشرون ميلا " وقوله عليه السلام في رواية الفضل بن شاذان المتقدمة ثمة ايضا " انما وجب القصر في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا اكثر لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم.. الحديث " ومن ذلك رواية عبد الرحمان بن الحجاج قال: " قلت له كم ادنى ما يقصر فيه الصلاة ؟ قال جرت السنة ببياض يوم.. الحديث " وقد تقدم في المورد الثاني من موارد المقام الاول، وصحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في القسم الثاني من اقسام اخبار الاربعة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام أدنى ما يقصر فيه المسافر ؟ قال بريد ذاهبا وبريد جائيا " ونحو ذلك ما سيأتي ان شاء الله تعالى في رواية اسحاق بن عمار، وهذه الاخبار كلها كما ترى صريحة في ان اقل مسافة التقصير ثمانية فراسخ وهو بياض يوم. وأما ما يدل على ذلك باعتبار الاشعار وظاهر السياق فكثير من أخبار المسألة. وبالجملة فالظاهر ان هذا القول من هذا الفاضل المشار إليه انما وقع غفلة عن التدبر في الاخبار والوقوف على ظاهر تلك الاخبار. والله العالم.

الموضع الثاني - في بيان ما هو المختار من الاقوال المتقدمة وذكر الدليل عليه زيادة على ما ذكرنا من بطلان أدلة ما سواه، وقد عرفت في ما أشرنا إليه سابقا في نقل الاقوال المتقدمة ان المفهوم من أخبارهم (عليهم السلام) - وهو الذى عليه تجتمع في هذا المقام من غير أن تعتريه شائبة النقض والابرام - هو أن المسافة الشرعية الموجبة للقصر التى لا يجب في أقل منها هي ثمانية فراسخ إلا انها أعم من أن تكون في الذهاب خاصة أو ملفقة من الذهاب والاياب، وعلى الاول دلت أخبار القسم الثاني من أقسام أخبار المسألة، وعلى الثاني دلت أخبار القسم الثاني


[ 326 ]

من أخبار الاربعة، فانها ظاهرة الدلالة في أن قاصد الاربعة مع ارادته الرجوع يجب عليه التقصير كقاصد الثمانية الممتدة في انه سفر شرعى لا ينقطع إلا باحد القواطع الآتية ان شاء الله تعالى، ويؤكدها أخبار القسم الثالث من أخبار الاربعة وهى أخبار عرفات. ومن الاخبار الدالة على ذلك زيادة على ما عرفت مرسلة صفوان (1) قال: " سألت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان وهى أربعة فراسخ من بغداد أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصر ؟ قال لا يقصر ولا يفطر لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ انما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذى بلغه، ولو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه ان ينوى من الليل سفرا والافطار.. الحديث ". وهو كما ترى ظاهر في أن قصد الاربعة على وجه الرجوع قصد للثمانية موجب للتقصير، والرجوع فيه كما ترى مطلق كسائر أخبار القسم الثاني من أقسام أخبار الاربعة، وهو ظاهر في وجوب التقصير عليه في الصورة المذكورة لا مجال لاحتمال التخيير فيه بوجه. ومنها - ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل عن اسحاق بن عمار (2) قال: " سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن قوم خرجوا في سفر لهم فلما انتهوا الى الموضع الذى يجب عليهم فيه التقصير قصروا فلما ان صاروا على رأس فرسخين أو ثلاثة أو أربعة فراسخ تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم فاقاموا على ذلك اياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون هل ينبغى لهم ان يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم ؟ فقال ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم اقاموا أم انصرفوا، وان كانوا ساروا أقل


(1) الوسائل الباب 4 من صلاة المسافر (2) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر


[ 327 ]

من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا فإذا مضوا فليقصروا. ثم قال عليه السلام هل تدرى كيف صار هكذا ؟ قلت لا ادرى. قال لان التقصير في بريدين ولا يكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا بريدا وأرادوا ان ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير، وان كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا اتمام الصلاة. قلت أليس قد بلغوا الموضع الذى لا يسمعون فيه اذان مصرهم الذى خرجوا منه ؟ قال بلى انما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم وان السير سيجد بهم في السفر فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا " ورواه البرقى في المحاسن مثله (1) ورواه في الكافي (2) الى قوله: " فإذا مضوا فليقصروا " وأما قوله عليه السلام " هل تدرى.. الى آخره " فلم ينقله. اقول: والتقريب في هذا الخبر يتوقف على بيان مسألة اخرى وهى ان من شروط وجوب القصر كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى استمرار قصد المسافة وعدم العدول عنه الى ان تحصل المسافة، فلو قصد المسافة وسافر ثم رجع عن عزمه أو تردد قبل بلوغ المسافة وجب عليه الاتمام لاختلال الشرط المذكور، أما لو كان بعد بلوغ المسافة فانه يستمر على التقصير حينئذ على كل حال بلا خلاف ولا اشكال، وهذا الخبر من أدلة هذه المسألة، وحيث كانت الاربعة مع ارادة الرجوع في حكم الثمانية الممتدة كما ذكرناه فرق عليه السلام بين ما إذا حصل التردد بعد بلوغ أربعة فراسخ وبين ما إذا حصل قبل ذلك، فاوجب عليه البقاء على التقصير في الاول لان المسافة قد حصلت، ثم بين عليه السلام ذلك في التعليل بانه بعد بلوغ الاربعة وان ترددوا إلا ان قصد المسافة وهو البريدان حاصل اما بالمضي على قصدهم الاول ان جاءت الرفقة أو بالرجوع الى البلد الذى هو بريد آخر فتصير المسافة بريدين ملفقة من الذهاب والاياب، بخلاف ما إذا كانوا على أقل من أربعة فانه على تقدير الرجوع لم تحصل مسافة التقصير وهى البريدان التى هي أقل ما يقصر فيه، والخبر


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر


[ 328 ]

كما ترى ظاهر الدلالة في المطلوب والمراد عار عن وصمة النقض والايراد، وهو ظاهر في رد القول المشهور اتم الظهور حيث ان الرجوع المعتبر انضمامه الى الذهاب غير حاصل في اليوم كما ادعوه، وظاهر ايضا في رد قول من ادعى التخيير في مجرد قصد الاربعة، حيث انه عليه السلام جعل التقصير في البريدين لا أقل من ذلك وان القصر متحتم على هؤلاء ولازم بعد قطع الاربعة من حيث حصول مسافة الثمانية بانضمام الرجوع لو لم يسافروا فاى مجال للتخيير في المقام. ومنها - صحيحة ابى ولاد الآتية ان شاء الله تعالى قريبا في الشرط الثالث (1) وبالجملة فالمسألة بما شرحناه واوضحناه واضحة الظهور كالنور على الطور لا يعتريها فتور ولا قصور. ومنه يظهر ان خلاف من خالف في هذه المسألة انما نشأ من عدم اعطاء التأمل حقه في الاخبار والتتبع لها وامعان النظر فيها بعين الاعتبار كما لا يخفى على من لاحظ احوالهم (رضوان الله عليهم) في كثير من المواضع، ومنشأ جميع ذلك الاستعجال في التصنيف والاقتصار على ما حضر بين أيديهم من نقل من تقدم لمن تأخر في الكتب الاستدلالية. والله العالم.

الثاني - من الشروط المتقدمة قصد المسافة، ويتفرع على ذلك سقوط القصر عنه مهما لم يقصد المسافة ولو تمادى به السير الى أن يحصل له مسافات عديدة فضلا عن مسافة واحدة، وهو من ما لا خلاف فيه بينهم (رضوان الله عليه) كما نقله غير واحد: منهم - السيد السند في المدارك. وتدل عليه رواية صفوان المتقدمة قريبا. إلا انه قد وقع لصاحب المدارك في هذا المقام ما ان ينسب فيه الى سهو القلم أولى من أن ينسب الى زلة القدم، حيث قال في الاستدلال على هذا الشرط بعد الاستدلال بوجه اعتباري: وما رواه الشيخ عن صفوان (2) قال: " سألت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد


(1) ص 333 (2) ص 326


[ 329 ]

أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان ؟ فقال لا يقصر ولا يفطر لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذى بلغه " هذه صورة الرواية التى نقلها. وانت خبير بان الرواية كما قدمناها سابقا ظاهرة الدلالة في ابطال ما ذهب إليه من التخيير بقصد الاربعة أتم الظهور، وهو هنا قد أسقط منها موضع الدلالة على ذلك فاسقط قوله بعد ذكر النهروان " وهى أربعة فراسخ من بغداد أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصر ؟ " وهو عجيب من مثله (قدس سره) إلا أن يكون قدسها في نقل الرواية أو نقلها من نسخة غير معتمدة، وإلا فاسقاط هذه العبارة من البين مع ذكره ما قبلها وما بعدها من ما يوجب سوء ظن به (قدس سره) والرواية بتمامها قد تقدمت. وكيف كان فوجه ما قلناه ان كلامه المتقدم الذى قدمنا نقله عنه في جملة اقوال المسألة ظاهر في حمله أخبار الثمانية على الوجوب واخبار الاربعة على الجواز الذى هو عبارة عن التخيير بين القصر والاتمام رجع أم لم يرجع، وهذا الخبر كما قدمنا لك نقله بتمامه صريح في كون المسافة المفروضة هنا أربعة فراسخ، وقد صرح عليه السلام بانه لو خرج من منزله يريد النهروان التى هي أربعة فراسخ ذاهبا وجائيا يعنى تعلق القصد بالذهاب والاياب لوجب عليه التقصير، حيث انه قصد المسافة وهى ثمانية فراسخ وان كانت ملفقة، ولاريب ان الشرط المذكور شرط في وجوب التقصير وتحتمه، فإذا كان الدليل على هذا الشرط انما هو هذه الرواية التى موردها قصد الاربعة خاصة فقد ثبت وجوب التقصير حتما بقصد الاربعة مع ارادة الرجوع وبطل ما اختاره من الجواز، وكان الاليق بمذهبه ان يستدل برواية تدل على هذا الشرط في مسافة الثمانية الممتدة في الذهاب لينجو من هذا الاشكال وينقطع عنه لسان المقال وانى له به وليس في الاخبار إلا ما هو من قبيل هذه الرواية.


[ 330 ]

ثم انه لا يخفى ان ما أوردناه على صاحب المدارك هنا لازم لكل من قال بالجواز في قصد الاربعة من الصدوق والشيخ وغيرهما كما لا يخفى، وحينئذ فالمراد بالمسافة المشروطة بهذا الشرط هي مسافة الثمانية التى هي أعم من الممتدة ذهابا والملفقة من الذهاب والاياب. هذا على ما اخترناه واما على المشهور ففى مسافة الاربعة يجب التقييد بالرجوع ليومه، وحينئذ فلو تمادى به السير الى أن حصل حد المسافة فانه لا خلاف في وجوب التقصير عليه في الرجوع لحصول القصد الى المسافة بنية الرجوع الى محله. وهل يضم الى الرجوع ما بقى من الذهاب من ما هو أقل من المسافة لو كان أم لا ؟ احتمالات ثلاثة: (أحدها) - عدم الضم فلا يقصر حينئذ إلا عند الشروع في الرجوع دون هذه البقية وان تمادى به السير في الذهاب لعدم ضم الذهاب الى الاياب كما هو المشهور. و (ثانيها) - ضمه إليه بشرط أن يبلغ الاياب وحده حد المسافة، كما إذا ذهب ثمانية فراسخ بغير قصد ثم عزم على ذهاب فرسخين آخرين مثلا والرجوع الى وطنه. و (ثالثها) - الضم ايضا مهما بلغ مجموع الذهاب المقصود والاياب مسافة وان لم يبلغ الاياب وحده مسافة، كما إذا ذهب مثلا ستة فراسخ بغير قصد ثم قصد فرسخا والرجوع الى أهله. والمعروف ممن ذكر هذه المسألة هو الاول ومستندهم ما اشرنا إليه أولا من ضم الذهاب الى الاياب، ولكن لم نعثر لهم على دليل عليه من النصوص، وادعى بعضهم الاجماع عليه ولم اعرف لهم حجة سواه. واستثنوا من ذلك قصد الاربعة مع ارادة الرجوع ليومه حيث انه هو المشهور بينهم، ولكن الروايات دالة على الضم وان لم يرجع ليومه ولا سيما اخبار عرفات. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: وكأنه مأخوذ من كتب العامة غفلة عن تحقيق الحال، فان جلهم يشترطون في مطلق القصر كون


[ 331 ]

الذهاب وحده مسافة مقصودة وان الاياب لا يحتسب من الذهاب (1). ثم انه رجح (قدس سره) الاحتمال الثاني بل الثالث.

اقول: والذى وقفت عليه من الاخبار من ما يناسب هذا المقام ما تقدم في الشرط الاول من أخبار القسم الثاني والقسم الثالث من أقسام اخبار الاربعة، فانها صريحة في ضم الذهاب الى الاياب. وخصوص ما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ فيأتى قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك المنزل ؟ قال لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة ". قال في الوافى: حمله في التهذيبين على من خرج من بيته من غير نية السفر فتمادى به السير الى أن صار مسافرا من غير نية، وانما الاعتبار في التقصير بقصد المسافة لا بقطعها، واستدل عليه بالخبر الآتى واصاب، وانما لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ لانه في ذهابه أولا ليس بمسافر لخلوه عن قصد المسافة المعتبرة وانما يصير مسافرا بنية الاياب إذا بلغ إيابه المسافة المعتبرة فإذا بلغها صار في ذهابه ايضا مسافرا لانضمام ما يقطعه حينئذ الى مسافة الاياب المنوي العتبرة. وأما قوله عليه السلام " فليتم الصلاة " يعنى في مسيره الاول والثانى حتى يبلغ ثمانية فراسخ فإذا بلغها قصر، والذى يبين ما قلناه ويوضحه خبر الفطحية الآتى. انتهى. وظاهر هذا الكلام يرجع الى اختيار الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، حيث انه اعتبر بلوغ المسافة ثم ضم ما زاد من الذهاب الى الاياب


(1) لم نقف على من صرح بذلك والظاهر من عبائرهم ان الاياب لا يحتسب (2) الوسائل الباب 4 من صلاة المسافر


[ 332 ]

فاوجب القصر في ما بقى من الذهاب. واشار بالخبر الآتى الذى استدل به الشيخ الى خبر صفوان المتقدم (1). واشار بخبر الفطحية الآتى الى ما رواه عمار في الموثق (2) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج في حاجته وهو لا يريد السفر فيمضى في ذلك يتمادى به المضى حتى يمضى به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته ؟ قال يقصر ولا يتم الصلاة حتى يرجع الى منزله ". قال في الوافى ذيل هذا الخبر ايضا: وذلك لانه صار حينئذ مسافرا ناويا لقطع المسافة المعتبرة في التقصير وان لم يكن قصد من الاول ذلك. كذا في التهذيب. انتهى. والظاهر ان وجه الاستدلال بهذا الخبر على ما ذكره هو حكمه عليه السلام بالتقصير بعد حصول ثمانية فراسخ أعم من أن يكون ضم إليها شيئا من الذهاب أو رجع بعد تمام الثمانية، وظاهره في التهذيب ذلك ايضا لاطلاق كلامه كاطلاق الرواية. والوجه فيه ما ذكره سابقا من حصول القصد الى الاياب الذى قد صار مسافة فيضم إليها ما بقى من الذهاب، وعلى هذا فيدل الخبر المذكور على ضم الذهاب الى الاياب خلافا لما هو المشهور بينهم من عدم ضم أحدهما الى الآخر إلا في الصورة المتقدمة. وأما خبر عمار الاول فما ذكره فيه من التأويل الراجع الى ما دل عليه هذا الخبر لا يخلو من إشكال، لان ما ذكره مبنى على ان المعنى في جوابه عليه السلام ان هذا الذى قطع المسافة على هذا الوجه لا يكون مسافرا حتى يمضى له من خروجه من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فإذا مضت له ثمانية فراسخ كان مسافرا لحصول المسافة المقصودة من الاياب ويضم إليها ما بقى من الذهاب ان كان، وعلى هذا قوله عليه السلام " فليتم الصلاة " يعنى قبل بلوغ الثمانية. ومن المحتمل ان مراده عليه السلام بهذه العبارة اعني قوله " لا يكون مسافرا حتى يسير.. الى آخره " انما هو أن ما اتى به من السفر من قرية الى قرية على الوجه المذكور ليس بسفر شرعى يوجب التقصير


(1) ص 326 (2) الوسائل الباب 4 من صلاة المسافر


[ 333 ]

وانما يكون مسافرا حتى يقصد من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، وحيث انه لم يقصد حال خروجه من منزله ذلك فهو ليس بمسافر فليتم الصلاة في هذا السفر الذى على هذه الكيفية بلغ ثمانية فراسخ أو أزيد. إلا انه بالنظر الى ما دل عليه الخبر الثاني من حكمه عليه السلام بالتقصير بعد الثمانية التى هي أعم من حصول الذهاب بعدها وعدمه يرجح ما ذكره (قدس سره) فيحمل اطلاق ذلك الخبر على هذا. والله العالم.

الثالث من الشروط المتقدمة استمرار القصد المذكور يعنى أن يكون قصد المسافة مستمرا الى انتهائها وتمامها، فلو عدل قبل بلوغ ذلك أو تردد في السفر كمنتظر الرفقة ونحوه وجب عليه الاتمام وان سار مسافة أو ازيد بهذه الكيفية إلا إذا قصد العود في ما يصير به مجموع الذهاب والاياب مسافة فانه يقصر. ويدل على ذلك ما تقدم قريبا من رواية اسحاق بن عمار بالتقريب المذكور ذيلها، وموردها المتردد. ويدل عليه ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى كنت خرجت من الكوفة في سفينة الى قصر ابن هبيرة وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء فسرت يومى ذلك اقصر الصلاة ثم بدا لى في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلى في رجوعي بتقصير أم بتمام فكيف كان ينبغى أن اصنع ؟ فقال ان كنت سرت في يومك الذى خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت ان تصلى بالتقصير لانك كنت مسافرا الى ان تصير الى منزلك. قال: وان كنت لم تسر في يومك الذى خرجت فيه بريدا فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تريم من مكانك ذلك، لانك لم تبلغ الموضع الذى يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت، وعليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك " ومورد هذه الرواية الرجوع عن النية السابقة.


(1) الوسائل الباب 5 من صلاة المسافر.


[ 334 ]

والعجب من جملة من الاصحاب ومنهم صاحب المدارك حيث انهم ذكروا هذا الشرط ولم يوردوا عليه دليلا حتى قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عن الاصحاب: وحجتهم عندي غير واضحة. مع ان صحيحة ابى ولاد المذكورة ورواية اسحاق بن عمار المتقدمة اظهر ظاهر في الدلالة على ذلك. وفيهما دلالة واضحة على بطلان قول من قال بالجواز في قصد الاربعة كصاحب المدارك ومن سبقه بالتقريب الذى ذكرناه في معنى رواية صفوان في ذكر الشرط الثاني. ونزيده بيانا بالنسبة الى هذا الشرط ايضا فنقول انك قد عرفت من كلامه سابقا ان التقصير الواجب المشروط بهذه الشروط الستة التى ذكرها الاصحاب ومنها هذا الشرط اعني استمرار القصد انما هو في قصد الثمانية الفراسخ دون الاربعة لجواز الاتمام عندهم فيها، وحينئذ فمقتضى كلامه انه لو قصد الثمانية ثم رجع عن قصده أو تردد قبل بلوغها وان كان ما اتى به اربعة فراسخ فما زاد ما لم تبلغ الثمانية فان الواجب عليه الاتمام، مع ان الخبرين المذكورين اللذين هما مستند هذا الشرط ظاهران بل صريحان في انه متى حصل العدول عن المسافة التى توجه إليها القصد الاول بعد حصول الاربعة الى الرجوع الى بلده فالواجب عليه التقصير الى أن يصير الى بلده، ومبناهما على ان المسافة تحصل بالثمانية الملفقة، فهما صريحان في رد هذا القول لاتفاقهم على كون استمرار القصد شرطا في الوجوب مع ان هذه أدلة استمرار الشرط. إلا ان العذر لهم واضح من حيث عدم التدبر في الروايات والاطلاع عليها، ولكنه عذر غير مسموع ولا يسمن ولا يغنى من جوع. فروع الاول - لو صلى بعد سفره قبل الرجوع عن نيته أو التردد فيها قصرا فهل تجب عليه الاعادة متى رجع أو تردد أم لا ؟ المشهور الثاني لانه صلى صلاة مأمورا بها شرعا وقضية امتثال الامر الاجزاء.


[ 335 ]

ويدل عليه زيادة على ذلك ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج في سفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلوا وانصرفوا فانصرف بعضهم في حاجة له فلم يقض له الخروج ما يصنع في الصلاة التى كان صلاها ركعتين ؟ قال تمت صلاته ولا يعيد " قال في الوافى في ذيل هذا الخبر: يشبه أن يكون قد سقط لفظ " مع القوم " بعد " يخرج " كما هو في الفقيه (2). وذهب الشيخ في الاستبصار (3) الى انه يعيد مع بقاء الوقت، واستدل عليه بما رواه عن سليمان بن حفص المروزى (4) قال: " قال الفقيه عليه السلام التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا وبريد جائيا.. الى أن قال: وان كان قصر ثم رجع عن نيته اعاد الصلاة " وحمل صحيحة زرارة على ما إذا لم يرجع عن نيته بل يكون عازما عليها ليوافق خبره الذى استدل به. كذا نقله عنه في الوافى ثم رده بالبعد، والمنقول عنه انما هو حمل الخبر المذكور على خروج الوقت جمعا بينه وبين رواية المروزى بحملها على بقاء الوقت. وهذا هو المناسب لمذهبه في المسألة فانه جعل ذلك وجه جمع بين خبريها المذكورين. قال في المدارك بعد نقل رواية المروزى: وهى ضعيفه بجهالة الراوى ولو صحت لوجب حملها على الاستحباب. اقول: ويعضد هذه الرواية صحيحة ابى ولاد المتقدمة، والعجب منه (قدس سره) حيث لم يقف عليها في المقام مع تضمنها لجملة من هذه الاحكام. وقد نقلها بعض من تأخر عنه من مشايخنا المحققين وحملها على الاستحباب ايضا، ولا يخفى ما فيه لما اشتملت عليه الرواية من الصراحة في الحكم المذكور


(1) الوسائل الباب 23 من صلاة المسافر (2) ج 1 ص 281 (3) ج 1 ص 228 (4) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر


[ 336 ]

كقوله عليه السلام " فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تريم - أي تبرح - من مكانك " فان التأكيد في القضاء فورا بتقديمه على اليومية - كما ينادى به ظاهر الخبر، وهو الذى اخترناه في مسألة القضاء كما تقدم من وجوب الفورية به، مفرعا عليه الوجوب بقوله " وجب عليك " - لا يلائم الاستحباب وظاهرها ان صحة الصلاة قصرا قبل بلوغ المسافة وقبل الرجوع عن القصد كأنها مراعاة بعدم الرجوع الى ان يبلغ المسافة. وربما حملت على ان المقضى هو ما صلاه قصرا في حال الرجوع فقط بقرينة ان السؤال فيها عن حال الرجوع كما أشار إليه الوالد (عطر الله مرقده) في بعض حواشيه. وفيه ان الظاهر من الخبر ان ذلك حكم كلى بالنسبة الى الرجوع عن القصد قبل بلوغ البريد وبعده ولا اختصاص له بالسؤال. ويؤيده ما ذكره في المنتقى من أن قوله عليه السلام " من قبل ان تريم " ان معناه من قبل أن تثنى عن السفر من المكان الذى بدا فيه الرجوع. وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها لازم على كل حال وان كان ما دلت عليه صحيحة زرارة هو الاوفق بمقتضى القواعد الشرعية، إلا ان هذه الرواية مع ما هي عليه من الصحة والصراحة منافية لذلك، ولا يحضرني الآن لها محمل تحمل عليه، وبعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين احتمل حمل هذه الرواية ورواية المروزى على التقية (1) والله العالم.

الثاني - قد عرفت انه متى تردد عزمه قبل بلوغ المسافة فانه يجب عليه التمام لاختلال شرط التقصير وهو استمرار القصد الى بلوغ المسافة، أما لو كان ذلك


(1) في المغنى ج 2 ص 258: إذا خرج يقصد سفرا بعيدا يوجب قصر الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه ماضيا صحيحا ولا يقصر في رجوعه إلا ان تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها.


[ 337 ]

بعد بلوغ المسافة لم يؤثر في الترخص بل الواجب هو القصر لحصول الشرط، فلو تمادى في سفره مترددا والحال هذه ومضى عليه ثلاثون يوما فهل يكون بمثابة من تردد وهو مقيم في المصر ؟ قال في الذكرى: فيه نظر من وجود حقيقة السفر فلا يضر التردد ومن اختلال القصد. انتهى. وبالاول صرح الشيخ في النهاية كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في عبارته، وهو مشكل لان مورد النص التردد في المصر بان يقول اسافر اليوم أو غدا حتى يمضى له ثلاثون يوما، والحاق التردد في هذه الصورة بين السفر وعدمه لا يخلو من إشكال كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى

الثالث - قال في المنتهى: ولو خرج من بلده ان وجد رفقة سافر وإلا رجع أتم ما لم يسر ثمانية فراسخ. وقال الشيخ في النهاية إذا خرج قوم الى السفر وساروا أربعة فراسخ وقصروا من الصلاة ثم أقاموا ينتظرون رفقة لهم في السفر فعليهم التقصير الى أن يتيسر لهم العزم على المقام فيرجعون الى التمام ما لم يتجاوزا ثلاثين يوما، وان كان مسيرهم أقل من أربعة فراسخ وجب عليهم الاتمام الى ان يسيروا فإذا ساروا رجعوا الى التقصير. والتحقيق ما قلناه نحن أولا. انتهى كلامه في المنتهى وأنت خبير بما فيه من النظر الظاهر لكل ناظر فان مقتضى كلامه (قدس سره) أولا انما هو من خرج من بلده معلقا سفره على وجود الرفقة، وهذا غير قاصد للسفر جزما وحكمه هو الاتمام وان قطع مسافات عديدة بهذه الكيفية، لاختلال شرط وجوب التقصير وهو القصد الى المسافة. وقوله انه يتم ما لم يسر ثمانية فراسخ لا اعرف له وجها. ومقتضى كلام الشيخ في النهاية انما هو من سافر قاصدا للمسافة جازما بالسفر ثم عرض له بعد ذلك انتظار الرفقة، وهذا متفرع على شرط استمرار القصد كما تقدم. وما ذكره الشيخ من التقصير هنا جيد كما تقدم في رواية اسحاق بن عمار من قوله عليه السلام " ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وان كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا فإذا مضوا فليقصروا " ثم ذكر عليه السلام العلة في ذلك على


[ 338 ]

رواية كتاب العلل والمحاسن. وبالجملة فان موضوع كلامه غير موضوع كلام الشيخ، ولعل ذلك لغلط في نسخة الكتاب أو لسوء فهمي في الباب، ولا يبعد ان يكون مراد العلامة - وان قصرت عنه العبارة المذكورة لغلط فيها ونحوه - انه متى حصل له التردد بانتظار الرفقة قبل بلوغ ثمانية فراسخ بمعنى انه خرج ناويا للسفر قاصدا للمسافة ولكن عرض له ما يوجب عدم استمرار القصد من انتظار الرفقة، فان كان هذا العارض عرض قبل بلوغ نهاية المسافة التى هي عندهم بناء على المشهور ثمانية فراسخ فان الواجب الاتمام لزوال الشرط المذكور قبل بلوغ المسافة، وان كان بعد حصول الثمانية التى هي المسافة فالواجب البقاء على التقصير إلا ان ينقطع باحد القواطع الشرعية. وهو جيد بناء على ما هو المشهور من تخصيص المسافة بالثمانية، وأما على ما اخترناه - من ان الاربعة أيضا باعتبار انضمام الاياب الى الذهاب مسافة شرعية، وهو مورد الاخبار المتقدمة وعليه بناء كلام الشيخ (قدس سره) هنا إلا انه مخالف لمذهبه في أصل المسألة كما تقدم من قوله بالجواز في الاربعة - فهو محل النظر لما عرفت من أخبار الشرطين المذكورين اعني شرط القصد وشرط استمراره، فان موردهما انما هو أخبار الاربعة الفراسخ كما تقدم، وهو دليل ظاهر في كونها مسافة القصر حقيقة وان القصر واجب فيها حتما لوجود شرطى الوجوب. ولكنه (قدس سره) لعدم امعان النظر في أخبار المسألة بنى على ما هو المشهور من تخصيص المسافة بالثمانية وعدم حصولها بالاربعة الراجعة باعتبار الذهاب والاياب الى الثمانية. والله العالم.

الرابع - لا يخفى ان إنتظار الرفقة إنما يكون موجبا للعدول الى التمام إذا كان قبل بلوغ المسافة إذا علق سفره على ذلك، وإلا فلو كان عازما على السفر وان لم يأتوا فمجرد إنتظارهم لا يكون موجبا لعدوله عما هو عليه من وجوب التقصير لانه جازم بالسفر وشرط استمرار القصد موجود إلا أن يحصل شئ من القواطع الآتية ثم انه لو رجع عن التردد الموجب للتمام الى العزم على السفر فالواجب


[ 339 ]

التقصير ان كان الباقي مسافة ذهبا وإيابا. واستقرب الشهيد في البيان ضم ما مضى من المسافة، واستظهره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين استنادا الى قوله عليه السلام في آخر رواية اسحاق ابن عمار المتقدمة " فإذا مضوا فليقصروا ". اقول: يمكن المناقشة في دلالة العبارة المذكورة بناء على ان المتبادر كما هو الغالب المتكرر في الاسفار هو حصول المسافة بعد موضع التردد، والاطلاق في الاخبار كما عرفت في غير مقام من ما تقدم انما ينصرف الى ما هو المتكرر الغالب المتكثر الوقوع دون الفروض النادرة.

الخامس - قال في المنتهى: لو اخرج مكرها الى المسافة كالاسير قصر لانه مسافر سفرا بعيدا غير محرم فابيح له التقصير كالمختار والمرأة مع الزوج والعبد مع السيد إذا عزما على الرجوع مع زوال اليد عنهما، خلافا للشافعي قال لانه غير ناو للسفر ولا جازم به فان نيته انه متى خلى رجع (1) والجواب النقض بالعبد والمرأة. انتهى. وظاهر كلامه (قدس سره) عدم الخلاف في المسألة إلا من العامة مع انه قال في النهاية: لو عزم العبد على الرجوع متى اعتقه مولاه والزوجة متى طلقها أو على الرجوع وان كان على سبيل التحريم كالاباق والنشوز لم يترخصوا لعدم القصد. انتهى. وظاهره كما ترى المنافاة لما اختاره في المنتهى والموافقة لما نقله عن الشافعي في الاسير لانه لا فرق بين الاسير ولا غيره من هؤلاء المعدودين. وقال الشهيد في الذكرى: ولو جوز العبد العتق أو الزوجة الطلاق وعزما على الرجوع متى حصل فلا يترخص، قاله الفاضل وهو قريب ان حصلت امارة لذلك وإلا


(1) المغنى ج 2 ص 259


[ 340 ]

فالظاهر البناء على بقاء الاستيلاء وعدم رفعه بالاحتمال البعيد. انتهى. وهو مؤذن بالتفصيل. وقال في الذخيرة: والعبد والزوجة والخادم والاسير تابعون يقصرون ان علموا جزم المتبوع، وقد صرح جماعة من الاصحاب بانهم يقصرون وان قصدوا الرجوع عند زوال اليد عنهم. والمسألة لخلوها عن النص محل اشكال إلا ان يقصدوا المسافة ويريدوا السفر ولو تبعا. وما ذكره في المنتهى - في تعليل وجوب التقصير على الاسير لو اخرج مكرها من أنه مسافرا سفرا بعيدا غير محرم - لا يخفى ما فيه، فان من الشروط كما عرفت قصد المسافة وهذا غير قاصد كما اعترف به في النهاية. وما ذكره في الذكرى لا يخلو من قرب، والاحتياط في المسألة عندي لازم لاشتباه الحكم وعدم وجود النص الرافع للاشكال. والله العالم.

الرابع من الشروط المتقدمة أن لا ينقطع سفره باحد القواطع الثلاثة التى هي إقامة عشرة ايام والمرور بوطنه أو ملك له استوطنه ستة أشهر ومضى ثلاثين يوما مترددا، والاصحاب (رضوان الله عليهم) لم يذكروا في هذا الشرط إلا نية الاقامة والوطن أو الملك وأما مضى ثلاثين يوما مترددا فانما ذكروه في الاحكام، وهو ان وصل بلدا ونوى اقامة العشرة وجب عليه التمام ولو لم ينو العشرة بحيث انه يقول اليوم اخرج أو غدا فانه يجب عليه التقصير الى أن تمضى ثلاثون يوما، وهذا مدلول الاخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى عند ذكر المسألة. وبه يظهر لك صحة ما ذكرنا آنفا من الاشكال في ما ذكره الاصحاب من انه لو تردد في طريقه في السفر الى مضى ثلاثين يوما وجب عليه اتمام، مع ان مورد النصوص وظاهر كلامهم في هذا المقام ان ذلك ليس من القواطع مطلقا وإلا لعدوه في هذا الشرط مع انهم لم يذكروه كما لا يخفى على من راجع كلامهم وانما ذكروه في تلك المسألة المخصوصة، هذا مع دلالة النصوص ايضا على التخصيص بالاقامة في البلد كما


[ 341 ]

سيظهر لك ان شاء الله تعالى، إلا انه لما كان من جملة القواطع في الجملة ولو بخصوص ما ذكرناه حسن عده في هذا المكان كما ذكره ايضا في المفاتيح.

وكيف كان فالكلام هنا يقع في مقامات ثلاثة:

الاول - في نية الاقامة عشرا وانقطاع السفر بها، إلا ان انقطاع السفر بها يكون على وجهين (أحدهما) - ان يقصد المسافة ويسافر ثم تعرض له نية نية الاقامة عشرة فانه يجب عليه التمام، وعلى هذا يكون الشرط المذكور شرطا في استمرار القصد بمعنى انه يشرط في استمرار قصد المسافة ان لا يقطعه بنية اقامة عشرة. وهذا هو مدلول الاخبار الآتية. و (ثانيهما) - أن ينوى مسافة لا يعزم على اقامة عشرة في اثنائها فلو نوى مسافة ثمانية فراسخ مثلا لكن في عزمه اقامة عشرة في أثنائها فان هذا لا يجوز له التقصير بل فرضه التمام من وقت خروجه لانه بنية اقامة العشرة في الاثناء لم يحصل له قصد المسافة، وعلى هذا فالشرط المذكور شرط في وجوب التقصير، والحجة في وجوب الاتمام هنا عدم تحقق قصد المسافة كما عرفت، واما في الاول فالاخبار. وقد صرح غير واحد من الاصحاب بانه لا فرق في نية المقام الموجبة لقطع السفر بين كون ذلك في بلد أو قرية أو بادية ولا بين العازم على استمرار السفر بعد المقام وغيره. ومن أخبار المسألة المشار إليها ما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " قلت له أرأيت من قدم بلدة الى متى ينبغى له أن يكون مقصرا ومتى ينبغى له أن يتم ؟ قال إذا دخلت أرضا فايقنت ان لك بها مقاما عشرة أيام فاتم الصلاة، فان لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك وبين أن يمضى شهر فإذا تم لك شهر فاتم الصلاة وان اردت أن تخرج من ساعتك ". وعن ابى ايوب الخزاز في الصحيح أو الحسن (2) قال: " سأل محمد بن مسلم


(1) و (2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر


[ 342 ]

أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع عن المسافر ان حدث نفسه باقامة عشرة أيام ؟ قال فليتم الصلاة، وان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم وان كان أقام يوما أو صلاة واحدة. فقال له محمد بلغني انك قلت خمسا ؟ قال قد قلت ذاك. قال الخزاز فقلت انا: جعلت فداك يكون أقل من خمس ؟ قال لا ". وعن منصور بن حازم في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سمعته يقول إذا أتيت بلدة فازمعت المقام عشرة أيام فاتم الصلاة، فان تركه رجل جاهلا فليس عليه اعادة ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام (2) انه قال: " إذا دخلت بلدا وأنت تريد المقام عشرة أيام فاتم الصلاة حين تقدم وان أردت المقام دون العشرة فقصر، وان أقمت تقول غدا أخرج وبعد غد ولم تجمع على عشرة فقصر ما بينك وبين شهر فإذا تم الشهر فاتم الصلاة. قال قلت ان دخلت بلدا أول يوم من شهر رمضان ولست أريد أن لقيم عشرا ؟ قال: قصر وافطر. قلت: فان مكثت كذلك أقول غدا أو بعد غد فافطر الشهر كله واقصر ؟ قال نعم هذا واحد إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت " وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " سألته عن المسافر يقدم الارض فقال ان حدثته نفسه أن يقيم عشرا فليتم وان قال اليوم أخرج أو غدا أخرج ولا يدرى فليقصر بينه وبين شهر فان مضى شهر فليتم، ولا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة والمدينة، وان أقام بمكة والمدينة خمسا فليتم ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابى ولاد الحناط (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى كنت نويت حين دخلت المدينة أن اقيم بها عشرة أيام فاتم الصلاة ثم بدا لى بعد أن لا أقيم بها فما ترى لى اتم أم اقصر ؟ فقال ان كنت دخلت


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر، والرواية للشيخ فقط (2) و (3) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر. (4) الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر.


[ 343 ]

المدينة وصليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، وان كنت حين دخلتها على نيتك المقام ولم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فانت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانو المقام عشرا واتم وان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فاتم الصلاة ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الايام في المكان عليه صوم ؟ قال لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام وإذا أجمع على مقام عشرة ايام صام وأتم الصلاة. قال: وسألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان وهو مسافر يقضى إذا أقام الايام في المكان ؟ قال لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام ". وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن على بن يقطين عن ابى الحسن عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الاقامة وهو في الصلاة قال يتم إذا بدت له الاقامة ". وروى الشيخ في التهذيب عن محمد بن سهل عن ابيه (3) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يخرج في سفر ثم تبدو له الاقامة وهو في صلاته أيتم أم يقصر ؟ قال يتم إذا بدت له الاقامة ". إذا عرفت ذلك فالكلام يقع هنا في مواضع: الاول - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط التوالى في هذه العشرة بمعنى انه لا يخرج من ذلك المحل الى محل الترخص، واما الخروج الى ما دون ذلك فالظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في جوازه، فان المستفاد من الاخبار وكلام علمائنا الابرار على وجه لا يدخله الشك والانكار إلا ممن لم يعض على المسألة بضرس قاطع ولم يعط التأمل حقه في هذه المواضع ان الحدود الشرعية لكل بلد عبارة عن منتهى


(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر. (2) و (3) الوسائل الباب 20 من صلاة المسافر


[ 344 ]

سماع اذانها ورؤية من وراء جدرانها وهو الذى يحصل به الترخص من جميع اطرافها. وما اشتهر في هذه الاوقات المتأخرة والازمنة المتغيرة - من أن من أقام في بلد أو قرية مثلا فلا يجوز له الخروج من سورها المحيط بها أو عن حدود بنيانها ودورها - فهو ناشئ عن الغفلة وعدم اعطاء النظر حقه من التأمل في الاخبار وكلام الاصحاب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من ما نذكره في الباب. ثم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) استدلوا على اشتراط التوالى في العشرة بان ذلك هو المتبادر من الاخبار: قال السيد السند (طيب الله مرقده) في المدارك: وهل يشترط في العشرة التوالى بحيث لا يخرج بينها الى محل الترخص أم لا ؟ الاظهر اشتراطه لانه المتبادر من النص وبه قطع الشهيد في البيان وجدى (قدس سره) في جملة من كتبه، وقال في بعض فوائده بعد أن صرح باعتبار ذلك: وما يوجد في بعض القيود - من ان الخروج الى خارج الحدود مع العود الى موضع الاقامة ليومه أو لليلته لا يؤثر في نية الاقامة وان لم ينو اقامة عشرة ايام مستأنفة - لا حقيقة له ولم نقف عليه مسندا الى أحد من المعتبرين الذين تعتبر فتواهم، فيجب الحكم باطراحه حتى لو كان ذلك في نيته من أول الاقامة بحيث صاحبت هذه النية نية اقامة العشرة يعتد بنية الاقامة وكان باقيا على القصر لعدم الجزم باقامة العشرة المتوالية فان الخروج الى ما يوجب الخفاء يقطعها ونيته في ابتدائها يبطلها. انتهى كلامه (قدس سره) وهو جيد. لكن ينبغى الرجوع في صدق الاقامة الى العرف فلا يقدح فيها الخروج الى بعض البساتين أو المزارع المتصلة بالبلد مع صدق الاقامة فيها عرفا. انتهى كلام السيد المشار إليه اقول: ما نقله عنه من هذا الكلام الذى نسبه الى فوائده قد صرح به في رسالته التى في هذه المسألة المسماة بنتائج الافكار، وهو ظاهر في بطلان ما توهمه من قدمنا النقل عنه من القول ببطلان الاقامة الخروج الى خارج سور البلد ونحوه. وقال المحقق الاردبيلى (نور الله مرقده) في شرح الارشاد: وهل يشترط


[ 345 ]

في نية الاقامة في بلد ان يكون بحيث لا يخرج الى محل الترخص أو يكفى عدم السفر الى مسافة أو يحال الى العرف بحيث يقال انه مقيم في هذا البلد فلا يضره السير في البساتين والاسواق البعيدة عن منزله وغير ذلك ؟ قد صرح الشهيد في البيان بالاول.. الى ان قال: الظاهر من الاخبار هو الاطلاق من غير قيد، ولو كان مثل ذلك شرطا لكان الاولى بيانه في الاخبار وإلا يلزم التأخير والاغراء بالجهل، فيمكن تنزيله على العرف بمعنى انه جعل نفسه في هذه العشرة من المقيمين في البلد بمعنى ان هذا موضعه ومكانه ومحله مثل أهله فلا يضره السير في الجملة الى البساتين والتردد في البلد وحواليه ما لم يصل الى موضع بعيد بحيث يقال انه ليس من المقيمين في البلد، وكذا لو تردد كثيرا أو دائما في المواضع البعيدة في الجملة، ولا يبعد عدم ضرر الخروج الى محل الترخص احيانا لغرض من الاغراض مع كون المسكن والمنزل في موضع معين لصدق اقامة العشرة عرفا المذكورة في الروايات. انتهى. وهو جيد. وظاهر كلامه كما ترى ينجر الى جواز الخروج الى موضع الترخص احيانا لعدم منافاته لصدق الاقامة عرفا، واليه يرجع ما قدمنا نقله عن السيد السند من قوله بعد نقل كلام جده " لكن ينبغى الرجوع.. الى آخره ". وقال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد نقل كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم: والظاهر ان عدم التوالى في اكثر الاحيان يقدح في صدق المعنى المذكور عرفا ولا يقدح فيه احيانا، كما إذا خرج يوما أو بعض يوم الى بعض البساتين والمزارع المتقاربة وان كان في حد الخفاء ولا بأس به. والمسألة مشكلة وهى من مواضع الاحتياط. انتهى. واما القول الذى أشار إليه المحقق المذكور - بقوله " أو يكفى عدم السفر الى مسافة " وهو الذى اشار إليه شيخنا الشهيد الثاني في ما قدمنا من نقل سبطه عنه بقوله " وما يوجد في بعض القيود من أن الخروج الى خارج الحدود مع العود.. الى آخره " - فهو منقول عن فخر المحققين ابن شيخنا العلامة، قال في رسالته


[ 346 ]

نتائج الافكار: وفى بعض الحواشى المنسوبة الى الامام فخر الدين بن المطهر (قدس سره) عدم قطع نية الخروج الى القرى المتقاربة والمزارع الخارجة عن الحدود لنية الاقامة بل يبقى على التمام سواء قارنت النية الاولى أم تأخرت وسواء نوى بعد الخروج اقامة عشرة مستأنفة أم لا. انتهى. اقول: وبذلك ظهران في المسألة اقوالا ثلاثة (أحدها) - وهو الذى صرح به الشهيدان والظاهر انه المشهور - جواز التردد في حدود البلد واطرافها ما لم يصل الى محل الترخص. و (ثانيها) - الرجوع في ذلك الى العرف كما سمعت من كلام المولى الاردبيلى وتلميذه السيد السند وشيخنا المجلسي (قدس الله اسرارهم) والظاهر انه الاقرب. و (ثالثها) - القول بالبقاء على التمام ما لم يقصد المسافة وان تردد حيث شاء وأراد كما هو المنقول عن فخر المحققين. وربما كان مستنده صحيحة ابى ولاد المتقدمة الدالة على انه متى نوى الاقامة فصلى فريضة بالتمام وجب عليه التمام الى أن يقصد المسافة. إلا ان فيه ان الامر وان كان كذلك لكن الكلام في بقاء الاقامة، فان مقتضى الخبر المذكور ترتب إستصحاب التمام الى أن يقصد المسافة على الاقامة مع صلاة فريضة فلا بد من ثبوت الاقامة وبقائها ليجب استصحاب التمام، والخصم يدعى ان الاقامة في صورة التردد على ما زاد على محل الترخص قد زالت، فان مقتضى الاخبار الدالة على ترتب التمام على نية الاقامة في البلد هو انه لا يخرج من حدودها لما أشرنا إليه في أول الكلام من أن حدود البلد مواضع الترخص من جميع نواحيها فمعنى الاقامة بها يعنى عدم الخروج من حدودها، فوجوب التمام عليه مترتب على عدم خروجه فمتى خرج زالت الاقامة وزال ما يترتب عليها من وجوب الاتمام. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. بقى الكلام في تحديد الخروج الموجب لزوال الاقامة هل هو كما ذكره الشهيدان


[ 347 ]

ومن تبعهما أو ما ذكره المحقق الاردبيلى ومن تبعه ؟ وهذا بحث آخر خارج عن ما نحن فيه مع انا قد أشرنا الى أن الاقرب هو ما ذكره المحقق الاردبيلى (قدس سره) ومن اقتفاه. والله العالم.

الثاني - لا خلاف ولا إشكال في أن بعض اليوم لا يحسب بيوم كامل ولو كان النقصان يسيرا، إنما الاشكال والخلاف في أنه هل يضم بعض يوم الدخول الى ما يتمه من آخر العدد فيحصل التلفيق في اليوم العاشر كأن ينوى الاقامة وقت الزوال فيشترط الى ما ينتهى الى زوال اليوم الحادى عشر أم لابد من عشرة كاملة غير يومى الدخول والخروج في الصورة المفروضة ؟ وجهان بل قولان صرح باولهما الشهيد في الذكرى، قال: الاقرب انه لا يشترط عشرة أيام غير يوم الدخول والخروج لصدق العدد حينئذ. وبذلك صرح الثاني في الروض واستظهره شيخنا المجلسي في البحار. وبالثانى صرح السيد السند في المدارك، قال: وفى الاجتزاء باليوم الملفق من يومى الدخول والخروج وجهان أظهر هما العدم لان نصفى اليومين لا يسمى يوما فلا يتحقق إقامة العشرة التامة بذلك، وقد اعترف الاصحاب بعدم الاكتفاء بالتلفيق في أيام الاعتكاف وأيام العدة والحكم في الجميع واحد. انتهى. واستشكل العلامة في النهاية والتذكرة احتسابها من العدد من حيث انهما من نهاية السفر وبدايته لاشتغاله في الاول باسباب الاقامة وفى الاخير بالسفر ومن صدق الاقامة في اليومين. ثم احتمل التلفيق.

أقول: والمسألة لعدم النص القاطع لمادة القيل والقال وتطرق الاحتمال لا تخلو من الاشكال. وقال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: ثم هل يعد من العشرة يوما الدخول والخروج ؟ وهل يعتبر تلفيق بعض يوم ببعض من يوم آخر أم لا ؟ والذى يظهر من إطلاق الاخبار - وعدم ورود تحديد في هذا الامر مع عموم بلواه وكثرة وروده في الروايات - ان المرجع في ذلك الى العرف كما انه كذلك في سائر


[ 348 ]

الامور الغير المحدودة في الشرع، ومن المعلوم ان في العرف لا ينظر الى نقص بعض شئ من الليل أو النهار كساعة وساعتين مثلا في احتسابه من التمام فلا يلزم القول بالتلفيق (1) واخراج يومى الدخول والخروج من العداد كلية. نعم لو فرض دخوله عند الزوال مثلا وكذا الخروج بعده بقليل فظاهر العرف عدم عده تاما. ومن ما يؤيد جميع ما ذكرناه قوله عليه السلام في ما مر من صحيحة زرارة " من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة " لظهور ان الحاج يخرج في ذلك اليوم من الزوال. انتهى. اقول: قد عرفت في ما قدمنا في غير موضع من الكتاب ما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف، على ان ما ذكره هنا من نسبة هذه الامور الى العرف انما هو باعتبار ما تخيله وإلا فمن أين له الوقوف على استعلام عرف عامة الاقطار والامصار واستعلام ما ذكره من هذه الخيالات ؟ وبدون ذلك لا يجدى الاستناد الى العرف، على ان قصارى كلامه بالنسبة الى اليوم الناقص هل يحسب من العدد أم لا ؟ فانه فصل فيه بين النقصان اليسير والكثير، وأما التلفيق الذى هو محل البحث مع انه قد صرح به في صدر عبارته فلا دلالة لكلامه عليه. وأما الرواية التى أوردها فهى بالدلالة على خلاف ما يدعيه أظهر، فان الظاهر منها ان العشرة قد حصلت وكملت قبل يوم التروية فوجوب اتمام الصلاة عليه لحصول العشرة الكاملة ويوم التروية خارج عنها، فاستناده الى أن الحاج يخرج في ذلك اليوم من الزوال لا يجدي نفعا في المقام لظهور انه زائد على العشرة وليس بداخل فيها، فان قوله عليه السلام " من قدم قبل التروية بعشرة أيام " أظهر ظاهر في خروجه عن العشرة كما لا يخفى. وبالجملة فالمسألة لما كانت عارية من النص كثرت فيها الخيالات وتطرقت إليها الاحتمالات كغيرها من المسائل العارية عن النصوص والاحتياط فيها من ما لا ينبغى تركه. والله العالم.


(1) في النسخة الخطية " ولا اخراج "


[ 349 ]

    الثالث - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا ينقطع السفر بنية أقل من عشرة بل الواجب هو التقصير، وظاهر المنتهى دعوى الاجماع عليه حيث قال انه قول علمائنا. ويدل عليه صريحا ما تقدم (1) في صحيحة معاوية بن وهب من قوله عليه السلام: " وان أردت المقام دون العشرة فقصر ما بينك وبين شهر.. الحديث ". ونقل عن ابن الجنيد انه اكتفى باقامة خمسة. اقول: ظاهر عبارته المنقولة في المقام انحصار ذلك في الخمسة، حيث قال في كتاب المختصر الاحمدي: لو نوى المسافر عند دخوله البلد أو بعده مقام خمسة أيام فصاعدا أتم. ولم يتعرض لذكر العشرة بوجه. قال شيخنا الشهيد في الذكرى: اجتزأ ابن الجنيد وحده في إتمام المسافر بنية مقام خمسة أيام وهو مروى في الحسن عن الصادق عليه السلام (2) بطريق ابى ايوب وسؤال محمد بن مسلم، وحمله الشيخ على الاقامة باحد الحرمين أو على استحباب الاتمام. وفيها نظر لان الحرمين عنده لا يشترط فيهما خمسة ولا غيرها ان كان أقل من خمس فلا إتمام، واما الاستحباب فالقصر عنده عزيمة فكيف يصير رخصة هنا. انتهى. واعترضه المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى فقال: وغير خاف ان مرجع الاستحباب في مثله الى التخيير مع رجحان الفرد المحكوم باستحبابه، فمناقشة الشهيد في الذكرى للشيخ في هذا الحمل - بان القصر عنده عزيمة فكيف يصير رخصة هنا - ليس لها محصل وفيها سد لباب التخيير بين الاتمام والقصر، والادلة قائمة على ثبوته في مواضع فلا وجه لافراد هذا الموضع منها بالمناقشة، ولو لا قصور الخبر من جهة السند عن مقاومة ما دل على اعتبار إقامة العشرة لما كان عن القول بالتخيير في الخمسة معدل وان كان خلاف المعروف بين المتأخرين. انتهى.


(1) ص 342 (2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر


[ 350 ]

وقال السيد السند (طاب ثراه) في المدارك - بعد نقل قول ابن الجنيد والاستدلال له بحسنة ابى أيوب المتقدمة التى أشار إليها في الذكرى - ما لفظه: وهى غير دالة على الاكتفاء بنية اقامة الخمسة صريحا لاحتمال عود الاشارة الى الكلام السابق وهو الاتمام مع اقامة العشرة. وأجاب عنها الشيخ في التهذيب بالحمل على من كان بمكة أو المدينة وهو حمل بعيد. وكيف كان فهذه الرواية لا تبلغ حجة في معارضة الاجماع والاخبار الكثيرة. انتهى. اقول وبالله التوفيق لادراك المأمول: ان ما ذكروه من استعباد حمل الشيخ حسنة ابى ايوب على مكة والمدينة غير موجه، فان الشيخ قد استدل على ذلك بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في عداد الروايات المذكورة في صدر المقام، وأنت خبير بانه بعد ورود الخبر الصحيح كما ترى بذلك فحمل اطلاق الخبر المذكور عليه غير بعيد ولا مستنكر من قواعدهم في حمل المطلق على المقيد، فاستبعادهم ذلك ليس في محله. نعم يبقى الكلام في تخصيص هذا الحكم بهذين البلدين وهو كلام آخر، مع ان الوجه فيه ما رواه الصدوق (عطرالله مرقده) في كتاب العلل في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام مكة والمدينة كسائر البلدان ؟ قال نعم. قلت روى عنك بعض أصحابنا انك قلت لهم اتموا بالمدينة لخمس ؟ فقال ان أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلذا قلته " ومن ذلك يظهر لك ان الامر بالاتمام باقامة الخمسة في هذه الاخبار انما خرج مخرج التقية ويخص ذلك بالبلدين المذكورين لما ذكره من العلة فتكون اقامة الخمسة انما هي لذلك لا مطلقا بحيث تشتمل جميع البلدان وجميع الاحوال، وعلى هذا فلا منافاة في هذه الاخبار لما اتفقت عليه الاخبار وكلمة الاصحاب عدا ابن الجنيد من تخصيص الاتمام باقامة العشرة في جميع البلدان وجملة الاحوال. وأما ما ذكره شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) - من حمل حسنة أبى أيوب


(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر


[ 351 ]

على التقية بغير المعنى الذى ذكرناه، قال لان الشافعي وجماعة منهم قائلون باقامة الاربعة ولا يحسبون يوم الدخول ويوم الخروج فتحصل خمسة ملفقة (1) وسياق الخبر ايضا يدل عليه كما لا يخفى على الخبير. انتهى - فظني بعده لان الاخبار المتعلقة بهذا الحكم متى ضم بعضها الى بعض فانها واضحة الدلالة طافحة المقالة في ما ذكرناه من اختصاص الحكم بالبلدين المذكورين، وان الوجه في التقية هو ما علل به في صحيحة معاوية بن وهب المذكورة، على ان ما ذكره متوقف على ثبوت التلفيق وقد عرفت من ما تقدم انه محل اشكال. وأما ما ذكره الشيخ ايضا - من الحمل على الاستحباب وان جنح إليه جملة ممن تأخر عنه من الاصحاب - فقد عرفت من ما قدمناه في غير موضع انه مع كونه لا مستند له من سنة ولا كتاب مدفوع بان الاستحباب حكم شرعى كالوجوب والتحريم يتوقف على الدليل الواضح، ومجرد اختلاف الاخبار لا يستلزم ذلك لجواز أن يكون لذلك وجه آخر من تقية ونحوها. وممن ناقش الشيخ في هذا الحمل زيادة على ما ذكره في الذكرى العلامة في المختلف حيث قال - بعد أن نقل عن الشيخ حمل حسنة ابى ايوب على الاستحباب أولا ثم على مكة والمدينة ثانيا - ما صورته: والحمل الاول ليس بجيد لان فرضه التقصير. وأما ما اعترض به في المنتقى على الشهيد - كما قدمنا نقله من المناقشة وقوله: " ان في ذلك سدا لباب التخيير.. الى آخره " فالظاهر انه ليس في محله، وذلك فان الظاهر ان مراد الشهيد وكذا العلامة كما سمعت من كلامه في المختلف انما هو ان الشارع قد أوجب على المسافر المستكمل للشروط المعتبرة القصر عزيمة، وهذا المسافر الناوى خمسة من جملة ذلك فيكون القصر عليه عزيمة، واستثناؤه من الضابط المذكور يحتاج الى دليل واضح، ومجرد دلالة هذا الخبر على انقطاع السفر باقامة خمسة


(1) المهذب ج 1 ص 103 وبدائع الصنائع ج. ص 97


[ 352 ]

لا يصلح لان يكون مستندا للاستحباب الموجب للتخيير كما يدعيه المحقق المذكور، لعدم انحصار الحمل في ذلك بل يجوز أن يحمل على وجوه أخر من تقية والحمل على خصوص مكة والمدينة كما هو أحد احتمالي الشيخ ايضا، وحينئذ فكيف يجوز الخروج عن ما هو واجب عزيمة بالاخبار الصحيحة الصريحة المتفق على العمل بها بما هذا سبيله ؟ ولا ريب ان الاستدلال على هذا الوجه الذى ذكرناه من ما لا تعتريه شائبة الاختلال ولا يدخله الاشكال. وبه يظهر لك ضعف ما أورده المحقق المذكور على شيخنا الشهيد (عطر الله مرقديهما) وما فيه من القصور. ثم ان قوله في المنتقى في آخر عبارته " وان كان خلاف المعروف بين المتأخرين " لا يخلو من نظر لا يذانه بان المتقدمين أو أكثرهم على القول بالتخيير مع انه ليس كذلك لما تقدم من كلام المنتهى المؤذن بالاجماع على وجوب التقصير متى قصرت المدة عن عشرة أيام، ولم يذهب الى اعتبار الخمسة أحد من المتقدمين غير ابن الجنيد حيث أنه جعلها موجبة للاتمام، والاصحاب سلفا وخلفا على التخصيص بالعشرة ولم ينقل عن أحد اعتبار الخمسة تعيينا أو تخييرا، غاية الامر ان الشيخ في مقام الجمع بين الاخبار في كتابه جمع هنا بهذا الجمع في أحد احتماليه، وهو لا يستلزم أن يكون مذهبا له سيما مع ذكره على جهة الاحتمال وذكر غيره معه، على انه لو اعتبرت وجوه الجمع التى يذكرها في كتابيه مذاهب له لم تنحصر مذاهبه في عد ولم تقف على حد. واما ما ذكره في المدارك من احتمال عود الاشارة الى الكلام السابق فبعيد جدا كما ينادى به آخر الرواية وهو قوله: " فقلت انا: جعلت فداك يكون أقل من خمسة.. الى آخره " فانه لو لا معلومية حكم الاتمام بالخمسة عند السامع لما حسن هذا السؤال والمراجعة. وأما استبعاده لحمل الشيخ على مكة والمدينة فهو ناشئ عن غفلته عن الرواية الواردة بذلك كما ذكرناه، وأكثر القصور في كلامهم ناشئ عن عدم اعطاء الفحص حقه في تتبع الادلة والاطلاع عليها فهو معذور من جهة وغير


[ 353 ]

معذور من اخرى سامحنا الله وأياهم بلطفه وكرمه. ثم ان ما ذكره في المدارك وكذا في المنتقى - من قصور الرواية من حيث السند مع ان حسنها انما هو بابراهيم بن هاشم الذى قد عد حديثه في الصحيح جملة من أصحاب هذا الاصطلاح وتلقاه بالقبول جملة علمائنا الفحول، وبذلك صرح هذان الفاضلان ايضا في غير مقام - من ما لا يخفى ما فيه من المجازفة. والله العالم.

الرابع - قال في المدارك: إذا سبقت نية المقام ببلد عشرة أيام على الوصول إليه ففى انقطاع السفر بما ينقطع بالوصول الى بلده من مشاهدة الجدران وسماع الاذان وجهان، اظهر هما البقاء على التقصير الى ان يصل البلد وينوى المقام فيها، لانه الآن مسافر فيتعلق به حكمه الى أن يحصل ما يقتضى الاتمام. لو خرج منه موضع الاقامة الى مسافة ففى ترخصه بمجرد الخروج أو بخفاء الجدران أو الاذان الوجهان، والمتجه هنا اعتبار الوصول الى محل الترخص، لان محمد بن مسلم سأل الصادق عليه السلام (1) فقال له: " رجل يريد السفر فيخرج متى يقصر ؟ فقال إذا توارى من البيوت " وهو يتناول من خرج من موضع الاقامة كما يتناول من خرج من بلده. انتهى. اقول: لا يخفى ان المفهوم من أخبار تحديد محل الترخص بسماع الاذان وعدمه والخفاء عن من وراء البيوت وعدمه - وكذا ما صرح به الاصحاب كما تقدم من أن ناوى الاقامة في بلد لا يضره التردد في نواحيها ما لم يبلغ محل الترخص - هو أن حدود البلد شرعا من جميع نواحيها هي هذه المواضع المذكورة، وان المتوطن في البلد لو أراد السفر منها وجب عليه الاتمام الى الحد المذكور الذى هو عبارة عن الخفاء في الامرين المذكورين، وكذا لو رجع من سفره فانه يجب عليه التقصير الى الحد المذكور الذى هو عبارة عن سماع الاذان ورؤية من خلف الجدران، وما ذاك جميعه إلا من حيث انتهاء حدود البلد شرعا الى ذلك الموضع كما عرفت،


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.


[ 354 ]

وقضية ذلك ان المقيم بها كالمتوطن فيها. إلا انهم اختلفوا هنا في الداخل إليها من غير أهلها لو قصد نية الاقامة بها قبل الوصول إليها فهل يصير حكمه حكم صاحب البلد فيتم متى سمع الاذان أو رأى من عند جدران البلد أو لا حتى يدخل البلد وينوى الاقامة بها ؟ ظاهر جماعة: منهم - السيد السند وقبله جده في الروض الثاني، وبالاول صرح المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد، وهو الاظهر لما قدمناه في صدر الكلام. واما ما ذكره السيد هنا من الاحتجاج على ما ذهب إليه فيمكن تطرق الاعتراض عليه (اما أولا) - فلان ما علل به أظهرية ما اختاره من قوله " انه الآن مسافر " ممنوع فان الخصم يدعى انه حيث دخل في حدود البلد مع نية الافامة التى حصلت منه قبل الدخول حاضر، ولا خلاف عندهم في اعتبار هذه الحدود في حال الخروج فكذا في حال الدخول، فاستدلاله بما ذكره لا يخرج عن المصادرة. واما ما ذكره جده (قدس سره) في الروض - من أنه من ما يضعف كونها بحكم بلده من كل وجه انه لو رجع فيها عن نية الاقامة قبل الصلاة تماما أو ما في حكمها يرجع الى التقصير وان أقام فيها أياما وساوت غيرها من مواضع القرية - ففيه ما ذكره المحقق الاردبيلى (عطر الله مرقده) حيث قال: ان حكم موضع الاقامة حكم البلد وينتهى السفر هنا كما ينتهى في البلد بالوصول الى محل الترخص ويحصل بالخروج عنه من غير فرق وهو ظاهر، وعدم كون حكمه حكم البلد باعتبار أنه لو رجع عن نية الاقامة قبل الصلاة تماما يرجع الى القصر ليس من ما يضعف ذلك كما قاله الشارح، لان المماثلة انما حصلت بالنية فمعنى كون حكمه حكم البلد باعتبار انه لو رجع كان حكمه حكم البلد (1) مادام متصفا بذلك الوصف وهو ظاهر. انتهى. وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النية. و (اما ثانيا) - فان ما حكم به - من اتجاه اعتبار الوصول الى محل الترخص في ترخصه للخروج دون مجرد الخروج من البلد لرواية محمد بن مسلم باعتبار شمولها


(1) في شرح الارشاد والنسخ الخطية هكذا " فمعنى كون حكمها البلد مادام.. "


[ 355 ]

للمقيم كصاحب البلد - فهو آت في ما نحن فيه وجار في ما ندعيه، فان صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) - قال: " إذا كنت في الموضع الذى تسمع فيه الاذان فاتم وإذا كنت في الموضع الذى لا تسمع فيه الاذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " - شاملة باطلاقها لهذين الفردين في حالتى كل من الدخول والخروج، فان قوله عليه السلام: " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " شامل لمن قدم بنية الاقامة وانه متى سمع الاذان وجب عليه التمام. وتوضيحه ان السيد قد صرح في رواية محمد بن مسلم بشمولها للقاطن والغريب المقيم بالنسبة الى خفاء الجدران لو أراد الخروج، ويلزمه مثل ذلك في صدر صحيحة عبد الله بن سنان بالنسبة الى الاذان البتة، والمخاطب في عجزها هو الخاطب في صدرها فإذا فرض الحكم في صدرها بشمول الفردين فيجب ان يكون في عجزها كذلك. ولا يتوهم من قوله " وإذا قدمت من سفرك " الاختصاص بكون القادم من أهل البلد دون القادم الغريب الذى يريد الاقامة فيها، لان اطلاق القدوم بانسبة الى الغريب القادم أراد الاقامة أم لا ليس بممتنع لغة ولا عرفا، بل قد ورد هذا اللفظ كذلك في صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام من قوله: " أرأيت من قدم بلدة الى متى ينبغى له أن يكون مقصرا ؟... الحديث " وحينئذ فكما ان رواية محمد بن مسلم التى أوردها دلت على مشاركة المقيم لصاحب البلد في وجوب الاتمام الى حال الخروج الى الحد المذكور ثم التقصير، كذلك صحيحة عبد الله بن سنان دلت على اشتراكهما في الحالين بالتقريب المتقدم. ومثل ذلك صحيحة حماد بن عثمان المروية في كتاب المحاسن عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " إذا سمع الاذان أتم المسافر " فانها شاملة باطلاقها لكل قادم من سفره الى بلد سواء كانت بلده أو بلدا عزم الاقامة فيها قبل وصولها. ولو قيل: ان وجه الفرق بين حالة الدخول والخروج ظاهر من حيث صدق


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر


[ 356 ]

الاقامة عليه في الثاني دون الاول، فانه في حال الدخول مسافر الى ان يدخل البلد كما ذكر سابقا. قلنا: قد تقدم في أول البحث ان حدود البلد من محل الترخص كما أوضحناه من الاخبار وكلام الاصحاب ولا يختص بالوصول الى البيوت. وايضا فمتى سلم صدق صدر صحيحة ابن سنان الواردة في الاذان على الفردين باعتبار الخروج حسبما اعترف به في رواية محمد بن مسلم بالنسبة الى الجدران لزم ذلك في عجزها، لقوله عليه السلام: " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " وحاصل معنى الخبر حينئذ انه عليه السلام قال: إذا كنت في الموضع الذى تسمع الاذان في خروجك من البلد مقيما كنت فيها أو من أهل البلد فاتم وإذا كنت لا تسمع فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك من أهل البلد كنت أو ناويا الاقامة بها. فكأنه قال هذا الحكم لا فرق فيه بين الدخول والخروج للداخل والخارج. نعم يخرج منه الداخل الغير القاصد للاقامة بالبلد حال دخوله لانه مسافر وان تجدد له القصد بعد دخوله ويبقى ما عداه داخلا تحت اطلاق الخبر. والله العالم.

الخامس - قال في المنتهى: لو عزم على اقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية الى قرية ولم يعزم على الاقامة في واحدة منها المدة التى يبطل حكم السفر فيها لم يبطل حكم سفره، لانه لم ينو الاقامة في بلد بعينه فكان كالمنتقل في سفره من منزل الى منزل. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو حسن. أقول: ظاهره انه ما لم يقصد نية الاقامة في موضع من تلك القرى فانه يبقى على القصر وان زاد مقامه في قرية منها على ثلاثين يوما، لانه رتب البقاء على السفر واستصحابه على عدم نية الاقامة، مع انه قد تقدم تصريح جملة من الاصحاب - منهم الشيخ في ما قدمنا من عبارته في النهاية في فروع الشرط الثالث - بانه بمضي ثلاثين يوما على المسافر إذا توقف في الطريق بعد قطع أربعة فراسخ ينتقل حكمه الى التمام، ومقتضى ذلك انه هنا كذلك. إلا انا قد قدمنا ان ظاهر الاخبار وكلام


[ 357 ]

جملة من الاصحاب كما نبهنا عليه في الشرط الرابع هو اختصاص ذلك بالاقامة في البلد، بمعنى انه إذا دخل بلدا ولم ينو الاقامة بها بل قال اليوم أخرج أو غدا ونحو ذلك فان الواجب عليه استصحاب التقصير الى مضى ثلاثين يوما، وهذا هو الذى دلت عليه الاخبار المتقدمة ثمة. وأما اثبات هذا الحكم في مجرد السفر كما تقدم فرضه في كلام الشيخ فلا أعرف له دليلا واضحا. فان قيل: ان هذا منقوض عليكم بنية الاقامة عشرة أيام التى هي أحد القواطع في سفر كان أو بلد، كما تقدم تصريح الاصحاب بانه لا فرق في قطعها السفر بين كونها في بلد أو فلاة من الارض أو نحو ذلك، مع ان الاخبار التى استند تم إليها في تخصيص الثلاثين بالبلد هي بعينها اخبار الاقامة عشرا وقد اشتملت على الحكمين فيلزم بمقتضى ما ذكرتم انه لا ينقطع سفره باقامة العشرة إلا في البلد دون الطريق. قلنا: ليس الامر كما ظننت فان من جملة الاخبار المتقدمة في الشرط الرابع ما هو ظاهر في قطع نية الاقامة للسفر ولو كان في الطريق مثل صحيحة على بن جعفر وصحيحة على بن يقطين ورواية محمد بن سهل عن ابيه (1) فان اطلاقها شامل للبلد والطريق، بل الظاهر منها سيما صحيحة على بن يقطين ورواية محمد بن سهل عن ابيه إنما هو الاقامة في السفر، حيث قال في صحيحة على بن يقطين " سألته عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الاقامة وهو في الصلاة أيتم أو يقصر ؟ قال يتم " (2) ونحوها الرواية المذكورة، فان المتبادر منها كون ذلك في الطريق حيث انه لا اشعار فيهما بالبلد بوجه وان صدق عنوان السفر على من كان في البلد ولم ينو الاقامة. ثم انه لو فرض قصد الاقامة في احدى قرى هذا الرستاق ترتب عليه في خروجه ما تقدم في الموضع الاول من الخلاف في الخروج الى محل الترخص وما دونه وما زاد عليه.

السادس - قال في المدارك: قد عرفت ان نية الاقامة تقطع السفر المتقدم


(1) ص 343 (2) فيه خلط بين الروايتين راجع ص 343


[ 358 ]

وعلى هذا فيفتقر المكلف في عوده الى التقصير بعد الصلاة على التمام الى قصد مسافة جديدة يشرع فيها القصر، ولو رجع الى موضع الاقامة بعد انشاء السفر والوصول الى محل الترخص لطلب حاجة أو أخذ شئ لم يتم فيه مع عدم عدوله عن السفر بخلاف ما لو رجع الى بلده لذلك، ولو بدا له العدول عن السفر أتم في الموضعين. انتهى. وهو جيد. إلا انه بقى هنا شئ لم ينبهوا عليه ولم يتنبهوا إليه وهو غير خال من الاشكال، وذلك فانهم قد ذكروا كما نبه عليه هنا انه بنية الاقامة والصلاة تماما فانه ينقطع السفر ويجب البقاء على التمام حتى يعزم المسافة، وظاهرهم الاتفاق عليه وعليه دلت صحيحة أبى ولاد الآتية ان شاء الله تعالى قريبا (1) مع انهم قد صرحوا كما تقدم في كلام السيد السند نقلا عن جده (قدس الله روحيهما) باشتراط التوالى في العشرة بمعنى انه لو خرج في ضمنها الى ما دون المسافة ولو الى محل الترخص قطع اقامته، ومقتضى بطلان الاقامة بطلان الصلاة تماما والرجوع الى التقصير وان كان قد صلى تماما بتلك النية أولا، مع ان صحيحة أبى ولاد المعتضدة باتفاق الاصحاب دلت على وجوب البقاء على التمام بعد نية الاقامة والصلاة تماما الى أن يقصد المسافة والمدافعة بين الحكمين ظاهرة، لان مقتضى الحكم الاول هو وجوب الاتمام بعد النية والصلاة تماما الى أن يقصد المسافة وهو أعم من أن يخرج في ضمن العشرة أو لا يخرج، ومقتضى الحكم الثاني الحكم ببطلان الاقامة بالخروج صلى أو لم يصل ويمكن أن يقال في الواجب بتقييد الاطلاق الاول بالحكم الثاني بمعنى انه يشترط في وجوب الاتمام ودوامه شروط ثلاثة: نية الاقامة والصلاة تماما وعدم الخروج من موضع الاقامة على الوجه المذكور في كلامهم. ويحتمل ايضا أن يسند وجوب الاستمرار على التمام الى الصلاة لا الى النية، بمعنى أن يقال ان نية الاقامة قد انتقضت وبطلت في الصورة المذكورة بالخروج عن موضع الاقامة، ووجوب البقاء على التمام انما هو بسبب الصلاة تماما بعد تلك النية، فعلى هذا تصير الصلاة بعد تلك


(1) تقدمت ص 342


[ 359 ]

النية شرطا في دوام التمام. وهذا الوجه الثاني رأيته في كلام والدى (قدس سره) مجيبا به عن الاشكال المذكور حيث انه (طاب ثراه) تنبه له واورد هذا الكلام جوابا عنه وهو جيد. إلا ان الذى يظهر من الخلاف في المسألة - وان من جملة الاقوال فيها هو البقاء على التمام حتى يقصد المسافة، وهو الذى رده شيخنا الشهيد الثاني في ما تقدم من كلامه وانكر نسبته الى أحد المحققين المعتمدين - هو أن مراد القائل بانقطاع نية الاقامة إنما هو وجوب الرجوع الى التقصير، وإلا لما كان هذا القول مغايرا لما ذكره شيخنا المشار إليه ولما بالغ في رده هذه المبالغة المذكورة كما لا يخفى. والله العالم.

المقام الثاني - في الملك أو المنزل الذى ينقطع به السفر، وقد وقع الخلاف هنا في ما ينقطع به السفر من مجرد الملك أو خصوص المنزل، فالمشهور بين المتأخرين الاكتفاء بمجرد الملك ولو نخلة واحدة بشرط الاستيطان في تلك البلدة ستة أشهر، وذهب آخرون الى اشتراط المنزل. قال الشيخ في النهاية: ومن خرج الى ضيعة وكان له فيها موضع ينزله ويستوطنه وجب عليه التمام وان لم يكن له فيها مسكن فانه يجب عليه التقصير. وهو ظاهر في اعتبار المنزل، وأما بالنسبة الى الاستيطان فهو مطلق. وقال ابن البراج في كتاب الكامل: من كانت له قرية فيها موضع يستوطنه وينزل فيه وخرج إليها وكانت عدة فراسخ سفره على ما قدمناه فعليه التمام، وان لم يكن له فيها مسكن ينزل به ولا يستوطنه كان له التقصير. وهى كعبارة النهاية. وقال أبو الصلاح: وان دخل مصرا له فيه وطن فنزل فيه فعليه التمام ولو صلاة واحدة. وهذه العبارات كلها مشتركه في التقييد بالمنزل خاصة وعدم تقييد الاستيطان بالستة الاشهر بل هي مطلقة في ذلك. وقال الشيخ في المبسوط: إذا سافر فمر في طريقة بضيعة أو على مال له أو كانت


[ 360 ]

له أصهار أو زوجة فنزل عليهم ولم ينو المقام عشرة أيام قصر، وقد روى ان عليه التمام، وقد بينا الجمع بينهما وهو ان ما روى انه ان كان منزله أو ضيعته من ما قد استوطنه ستة أشهر فصاعدا أتم وان لم يكن استوطن ذلك قصر. هذه جملة من عبائر المتقدمين وأما كلام العلامة والمحقق ومن تأخر عنهما فهو على ما حكيناه من الاكتفاء بمجرد الملك بشرط الاستيطان ستة أشهر. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار الواردة في المسألة، فالواجب أولا ذكر الاخبار مذيلة بما يظهر منها ثم عطف الكلام على كلام الاصحاب في المقام: فاقول وبالله سبحانه الثقة لبلوغ المأمول: الاول - من الاخبار المذكورة صحيحة اسماعيل بن الفضل (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سافر من أرض الى أرض وانما ينزل قراه وضيعته قال إذا نزلت قراك وضيعتك فاتم الصلاة وإذا كنت في غير أرضك فقصر ". اقول: ظاهر الخبر كما ترى انه يتم بمجرد الوصول الى الاملاك المذكورة سواء كان له فيها منزل أو لم يكن استوطنها سابقا أم لم يستوطن قصد الاقامة أم لم يقصد.

الثاني - رواية البزنطى (2) قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج الى ضيعته ويقيم اليوم واليومين والثلاثة أيقصر أو يتم ؟ قال يتم الصلاة كلما اتى ضيعة من ضياعه ". والتقريب فيها ما تقدم وهى اظهر في عدم اعتبار نية الاقامة. وروى هذه الرواية في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد ابن محمد بن ابى نصر (3) قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج الى الضيعة فيقيم اليوم واليومين والثلاثة يتم أم يقصر ؟ قال يتم فيها " وهى صحيحة السند كما ترى. الثالث - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.


[ 361 ]

الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض يخرج فيقيم فيها يتم أو يقصر ؟ قال يتم " اقول: هكذا لفظ الخبر في الكافي (1) وأما في الفقيه والتهذيب (2) فانه قال: " يطوف " بدل " يقيم " وهو اوضح، وعلى تقدير نسخة " يقيم " يحتمل اقامة اليوم واليومين والثلاثة كما في الخبر السابق ويحتمل اقامة العشرة لكن في مجموع الضياع حتى ينطبق على السؤال، وبه يرجع الى الاخبار المتقدمة. الرابع - موثقة عمار بن موسى عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها ؟ قال يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة ولا يقصر وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها " وهو ظاهر الدلالة في المعنى المتقدم. الخامس - صحيحة عمران بن محمد (4) قال: " قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام جعلت فداك ان لى ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ ربما خرجت إليها فاقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة ايام فاتم الصلاة ام اقصر ؟ فقال قصر في الطريق واتم في الضيعة ". اقول: لا يخفى ان هذه الاخبار كلها قد اشتركت في الاكتفاء في الاتمام بمجرد الملك ولا سيما موثقة عمار. والعجب هنا من صاحب المدارك (قدس سره) وما وقع له من المجازفة في هذا المقام كما هي عادته في كثير من الاحكام، حيث قال - بعد قول المصنف: والوطن الذى يتم فيه هو كل موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر - ما لفظه: اطلاق العبارة يقتضى عدم الفرق في الملك بين المنزل وغيره، وبهذا التعميم جزم العلامة ومن تأخر عنه حتى صرحوا بالاكتفاء في ذلك بالشجرة الواحدة، واستدلوا عليه بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار.. ثم ساق الرواية المذكورة. ثم قال: وهذه الرواية ضعيفة السند باشتمالها على جماعة من الفطحية، والاصح اعتبار المنزل خاصة كما هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية.. الى آخره.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر


[ 362 ]

فان فيه من المجازفة في المقام التى لا تليق من مثله من الاعلام ما لا يخفى على ذوى الافهام، وذلك فان الناظر في كلامه القاصر عن تتبع الاخبار لحسن الظن به يظن انه لا مستند لهذا القول إلا هذه الرواية مع ان الروايات كما رأيت به متكاثرة والاخبار به متظافرة فيها الصحيح باصطلاحه وغيره، ولاريب ان الواجب في مقام التحقيق هو استقصاء أدلة القول والجواب عنها متى اختار خلافه ولكن هذه عادته (قدس سره) في غير موضع كما تقدمت الاشارة إليه. ثم انه لا يخفى ان هذه الاخبار قد اشتركت في كون التمام بمجرد الوصول الى الاملاك المذكورة من غير تقييد بشئ من نية اقامة أو استيطان ستة اشهر سابقا كما هو ظاهر سياقها. نعم في حديث عمران بن محمد اشكال من وجه آخر حيث ان ظاهره وجوب التقصير في خمسة فراسخ مع العلم بانقطاع السفر على رأسها، فان السفر قد انقطع بالوصول الى الضيعة التى قصدها لايجابه عليه السلام الاتمام فيها، وربما كان فيه دلالة على مذهب من قال بالتخيير في أربعة فراسخ. إلا انك قد عرفت انه قول مرغوب عنه لدلالة الروايات الصحيحة على ضعفه، والخبر المذكور مشكل لا يحضرني الآن وجه الجواب عنه. وأما ما ذكره المحدث الكاشانى في الوافى من حمله على التخيير - حيث انه حمل الاخبار الدالة على الاتمام بمجرد وصول الملك على التخيير وجعل هذا جوابا عن الاشكال المذكور - فلا يخفى ما فيه، لان التخيير الذى احتمله في تلك الاخبار انما هو في الملك بعد تحقق السفر سابقا، لان الاخبار اختلفت في حكم الوصول الى الملك بعد تحقق السفر وانه هل يكون قاطعا للسفر أم لا ؟ والاشكال هنا انما هو في حكمه عليه السلام بالتقصير في الطريق مع انقطاع السفر بالوصول الى الملك، وهو هنا ليس بمسافر السفر الموجب للتقصير إلا على قول من يقول بالتخيير في مجرد قصد الاربعة وهو لا يقول به، وحمله على ما لا يقول به غير جيد كما هو ظاهر. وبالجملة


[ 363 ]

فان كلامه هنا لا يخلو عن نوع غفلة. السادس - رواية موسى بن حمزة بن بزيع (1) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام جعلت فداك ان لى ضيعة دون بغداد فاخرج من الكوفة أريد بغداد فاقيم في تلك الضيعة أقصر أم أتم ؟ قال ان لم تنو المقام عشرا فقصر ". السابع - رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " من اتى ضيعته ثم لم يرد المقام عشرة أيام قصر وان أراد المقام عشرة ايام أتم الصلاة ". أقول: وهاتان الروايتان كما ترى صريحتان في انه لا يجوز الاتمام في الضيعة والملك بمجرد الوصول بل لابد من قصد اقامة عشرة ايام وبدون ذلك فان الواجب التقصير. الثامن - صحيحة على بن يقطين (3) قال: " قلت لابي الحسن الاول عليه السلام الرجل يتخذ المنزل فيمر به أيتم أم يقصر ؟ فقال كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل وليس لك أن تتم فيه ". التاسع - صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر ؟ قال يقصر انما هو المنزل الذى توطنه ". العاشر - صحيحة سعد بن ابى خلف (5) قال: " سأل على بن يقطين أبا الحسن الاول عليه السلام عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمر بها ؟ قال ان كان من ما قد سكنه أتم فيه الصلاة وان كان من ما لم يسكنه فليقصر ". الحادى عشر - صحيحة على بن يقطين (6) قال: " قلت لابي الحسن الاول عليه السلام ان لى ضياعا ومنازل بين القرية والقرية الفرسخان والثلاثة ؟ فقال كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير ". اقول: قد اتفقت هذه الاخبار الاربعة على ان مجرد وجود المنزل غير


(1) و (2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر. وراوي الحديث " 4 " عنه " ع " فيه " حماد " كما في الاستبصار ج 1 ص 230


[ 364 ]

كاف في الاتمام عند المرور به ما لم يستوطنه، واطلاقها شامل لما لو كان الاستيطان ستة أشهر أو أقل أو أزيد. الثاني عشر - صحيحة اخرى لعلى بن يقطين ايضا (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول عليه السلام عن رجل يمر ببعض الامصار وله بالمصر دار وليس المصر وطنه أيتم صلاته أم يقصر ؟ قال يقصر الصلاة، والضياع مثل ذلك إذا مر بها ". اقول: ينبغى حمل الدار هنا على ما لم يحصل فيه الاستيطان. وفى الخبر ايضا دلالة على ان مجرد المرور بالضياع لا يوجب التمام ولا يقطع السفر، وهو خلاف ما دلت عليه الاخبار الاولة. ويمكن جعله من قبيل الخبرين المتقدمين الدالين على انه لا يقصر في الملك إلا بنية الاقامة عشرا فيه وإلا فالحكم التقصير، وبعين ما يقال فيهما يقال فيه. الثالث عشر - صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يقصر في ضيعته ؟ قال لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت ما الاستيطان ؟ فقال ان يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها ". وصدر هذه الصحيحة موافق لما دلت عليه الرواية السادسة والسابعة من وجوب التقصير في الضيعة ما لم ينو مقام عشرة أيام، وعليه يحمل اطلاق صحيحة على بن يقطين الاخيرة كما أشرنا إليه ذيلها. والجميع كما ترى ظاهر المنافاة لما دلت عليه الاخبار الاولة من وجوب الاتمام بمجرد وصول الملك، ودلت هذه الصحيحة ايضا على انه لابد في المنزل القاطع للسفر من الاستيطان كما دلت عليه الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة، إلا ان تلك الروايات مطلقة في الاستيطان وهذه قد عينته وقيدته بستة أشهر فصاعدا فلا يكفى ما دونها، وبها قيد الاصحاب اطلاق الروايات المشار إليها.


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من صلاة المسافر


[ 365 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو تقييد أخبار الملك واخبار المنزل بالاستيطان ستة أشهر في وجوب الاتمام بالوصول اليهما وانقطاع السفر بهما، والذى ظهر لى من الاخبار بعد التأمل فيها بعين الفكر والاعتبار هو اختصاص الاستيطان بالمنزل دون مجرد الملك، وذلك فان اخبار الضياع والاملاك انما اختلفت في أنه هل يجب الاتمام بمجرد الوصول إليها كما دل عليه الخبر الاول والثانى والثالث والرابع والخامس لو انه لابد من مقام عشرة فيها وبدونه يجب التقصير كما دل عليه الخبر السادس والسابع وصدر الخبر الثالث عشر ؟ وأما الاستيطان فانما ورد في أخبار المنازل خاصة كما عرفت من روايات على بن يقطين وصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع، وليس فيها ما ربما يوهم انسحابه الى الملك إلا الرواية العاشرة، حيث اشتمل السؤال فيها على الدار والضيعة واجيب بانه ان كان من ما قد سكنه أتم فيه الصلاة. ويمكن الجواب بصرف ذلك الى الدار بخصوصها كما هو منطوق ما ذكرناه من أخبار المنزل ولا سيما الرواية الثالثة عشرة فانها كالصريحة في ما ذكرناه من التفصيل، إذ ظاهرها كما ترى بالنسبة الى الضياع انه يقصر فيها ما لم يقم عشرة أيام وبالنسبة الى المنازل انه يقصر فيها ايضا ما لم يستوطنها على الوجه المذكور فيها، ولو كان قيد الاستيطان معتبرا في الضياع كما يدعونه لعطفه على اقامة العشرة ولم يخصه بالمنازل. ويؤيده ان المقام مقام البيان فلو كان الحكم كذلك لاشار إليه في الخبر أو غيره. ويؤكده ايضا النظر الى العرف فان الاستيطان مثل المدة المذكورة انما يكون في المنازل والدور. وأما ما ذكره الاصحاب من الاكتفاء بالاستيطان في بلد الملك وان كان في غير منزله فهو كالاصل الذى فرعوه عليه حيث عرفت انه لا مستند له فكذا ما يرجع إليه. وبالجملة فصحيحة ابن بزيع المذكورة ظاهرة الدلالة في ما ذكرناه حيث خص الضياع بوجوب التقصير ما لم ينو مقام عشرة أيام والمنزل بوجوب التقصير ما لم يحصل الاستيطان. وظاهر شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه الافتاء بالصحيحة


[ 366 ]

المذكورة حيث قال بعد ذكر صحيحة اسماعيل بن الفضل وهى الاولى من الاخبار المتقدمة: يعنى بذلك إذا أراد المقام في قراه وأرضه عشرة أيام ومن لم يرد المقام بها عشرة أيام قصر إلا أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستة أشهر فان كان كذلك أتم متى دخلها، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع.. وساق الخبر. وانت خبير بان ما ذكره من تقييد الخبر المذكور بما دل عليه صدر صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع ونحوها روايتا موسى وعبد الله بن سنان وان أمكن في هذا الخبر الذى نقله ونحوه من الاخبار المطلقة إلا انه لا يمكن في مثل الخبر الثاني الدال على الاقامة اليوم واليومين والثلاثة والخبر الخامس الدال على الاقامة ثلاثة أو خمسة أو سبعة وظاهر الخبر الثالث بالتقريب الذى ذكرناه في ذيله، والتقييد بالمنزل ايضا لا تقبله تلك الاخبار سيما مع اعتبار الاستيطان المدة المذكورة وخصوصا موثقة عمار الدلالة على الاكتفاء بالنخلة، واللازم من تقييد تلك الاخبار المطلقة بما ذكره من الصحيحة المذكورة ونحوها وان بعد هو طرح تلك الاخبار المشتملة على الايام المعدودة فيها لعدم قبولها التقييد، وحينئذ فما ذكره غير حاسم لمادة الاشكال ولا ساد لباب المقال. وجملة من متأخرى المتأخرين كالمحدث الكاشانى في الوافى جمعوا بهذه الصحيحة اعني صحيحة ابن بزيع بين الاخبار بحمل مطلقها على مقيدها باحد القيدين اعني اقامة العشرة أو الاستيطان، ونقله في الوافى عن الشيخ في التهذيبين والصدوق في الفقيه. وفيه ان القيدين اللذين اشتملت عليهما الصحيحة المذكورة انما هما اقامه العشرة أو المنزل الذى يستوطنه بمعنى انه لا يتم في الملك إلا بعد نية اقامة عشرة أو يكون له ثمة منزل يستوطنه لا مجرد الاستيطان وان كان من غير منزل، وهذا هو المعنى الذى صرح به في الفقيه كما سمعت من عبارته. وبالجملة فان قيد اقامة العشرة وان امكن


[ 367 ]

في بعض الاخبار إلا انه لا يمكن في بعض آخر كما عرفت، وقيد الاستيطان مورده في الاخبار انما هو المنزل كما عرفت ايضا. فما ذكره كل منهم (رضوان الله عليهم) زاعما انه وجه جمع بين الاخبار ناقص العيار بين الانكسار، والصحيحة المذكورة لا تنطبق على هذا الوجه ولا تساعده كما عرفت لانها صريحة في كون الاتمام في الملك والضيعة لا يكون إلا باقامة عشرة ايام أو وجود المنزل المستوطن تلك المدة، وظاهرها ان وجود ان الملك وعدمه على حد سواء لان هذين القاطعين حيثما حصلا انقطع بهما السفر. واحتمل المحدث المذكور في الوافى وغيره في غيره حمل ما دل على الاتمام في غير صورتي الاقامة والاستيطان على التخيير. وفيه ما لا يخفى فان الاخبار المذكورة ظاهرة بل صريحة في وجوب الاتمام وجوبا حتميا متعينا ولا قرينة في شئ منها تؤنس بهذا الحمل بالكلية، ووجود المناقض والمعارض لا يستدعى ذلك ولا يكون قرينة على ارتكاب التجوز في تلك الالفاظ باخراجها عن ظواهرها وحقائقها، إذ يمكن أن يكون التأويل في جانب المعارض لها أو حملها على محمل آخر. وعندي ان أحد طرفي هذه الاخبار المتعارضة في المقام انما خرج مخرج التقية التى هي الاصل في اختلاف الاخبار في كل حكم وقضية ولكن أشكل تميزها ومعرفتها في أي طرف فحصل الالتباس، وقد دلت الاخبار على انهم (عليهم السلام) كانوا يلقون الاختلاف في الاحكام تقية وان لم يكن ثمة قائل بها من اولئك الانعام كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب (1).

وبالجملة فالمسألة في غاية الاشكال وللتوقف فيها مجال واى مجال فالواجب الاحتياط في ما عدا المنزل المستوطن المدة المذكورة اما باقامة العشرة أو الجمع بين الفرضين.


[ 368 ]

ثم انه بعد وصول الكلام الى هذا المقام وفق الله للوقوف على كلام بعض مشايخنا الكرام من متأخرى المتأخرين الاعلام يؤذن بحمل الاخبار المطلقة في وجوب الاتمام بمجرد وصول الملك على التقية، قال لان عامة العامة على ما نقل عنهم ذهبوا الى ان المسافر إذا ورد في اثناء سفره منزلا له أتم فيه سواء استوطنه أم لا حتى قال بعضهم بالاتمام في منازل أهله وعشيرته ولم يظهر من أحد منهم القول باشتراط دوام الاستيطان (1). اقول: ومن الاخبار التى يجب حملها على التقية بناء على ما ذكره شيخنا المشار إليه صحيحة البقباق (2) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المسافر ينزل على بعض أهله يوما أو ليلة أو ثلاثا قال ما احب ان يقصر الصلاة ". وقد حملها الشيخ على الاستحباب الذى مرجعه الى التخيير بين القصر والاتمام وحملها بعض على الاستيطان بشرائطه أو على انه يستحب أن يقيم عشرا. والظاهر بعد الجميع بل الاظهر هو الحمل على التقية لما عرفت، وعلى ذلك تحمل جملة تلك الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب الاتمام بمجرد وصول الملك، وتعضده الاخبار الدالة على انه لا يجوز الاتمام فيها إلا مع نية اقامة العشرة وإلا فالواجب التقصير، لانك قد عرفت ان تقييدها بهذه الاخبار كما ذكره الصدوق وان أمكن في بعض إلا انه لا يمكن في بعض آخر كالاخبار الدالة على وجوب الاتمام مع الجلوس فيها يوما أو يومين أو ثلاثة، وحينئذ فلم يبق إلا حملها جميعا على التقية التى هي في اختلاف الاخبار أصل كل بلية، وهو محمل جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه


(1) في المغنى ج 2 ص 290: إذا مر في طريقه على بلد فيه أهل أو مال قال احمد في موضع يتم وقال في موضع يتم إلا أن يكون مارا هو قول ابن عباس، وقال الزهري إذا مر بمزرعة له اتم، وقال إذا مر بقربة له فيها أهله أو ماله اتم إذا أراد ان يقيم بها يوما وليلة، وقال الشافعي وابن المنذر يقصر ما لم يجمع على اقامة اربعة لانه مسافر لم يجمع على أربع. (2) الوسائل الباب 19 من صلاة المسافر


[ 369 ]

ربه يزول الاختلاف بين هذه الاخبار.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في المدارك في هذا المقام - بعد أن نقل عن الاصحاب الاستدلال على قطع السفر بالملك بموثقة عمار ثم ردها بضعف السند كما قدمنا نقله عنه - ما صورته: والاصح اعتبار المنزل خاصة لا ناطة الحكم به في الاخبار الصحيحة، ويدل عليه صريحا ما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن محمد بن اسماعيل بن بزيع.. ثم ساق الرواية الثالثة عشرة من الاخبار المتقدمة، ثم قال وبهذه الرواية احتج الاصحاب على انه يعتبر في الملك أن يكون قد استوطنه ستة اشهر فصاعدا، وهى غير دالة على ما ذكروه بل المتبادر منها اعتبار اقامة ستة أشهر في كل سنة. وبهذا المعنى صرح ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه فقال بعد أن أورد قوله عليه السلام في صحيحة اسماعيل بن الفضل.. الى آخر ما قدمنا نقله عن ابن بابويه. ثم قال: والمسألة قوية الاشكال، وكيف كان فالظاهر اعتبار دوام الاستيطان كما يعتبر دوام الملك لقوله عليه السلام في صحيحة على بن يقطين " كل منزل من منازلك لا تستوطنه.. الى آخره " انتهى ملخصا أقول: فيه أولا - زيادة على ما قدمنا من اقتصاره في نقل دليل القول المشهور على موثقة عمار مع وجود الروايات الصحيحة الصريحة غيرها كما عرفت - ان وجه الاشكال في قوله: " والمسألة قوية الاشكال " إنما هو من حيث استدلال الاصحاب بهذه الرواية على الاستيطان ستة أشهر في الجملة والرواية تدل على دوام الاستيطان في كل سنة، فالاشكال حينئذ عنده من حيث ان القول بما عليه الاصحاب خروج عن ما دل عليه النص والقول بما دل عليه النص خروج عن ما عليه الاصحاب. وأنت خبير بان هذا الاشكال سخيف ضعيف والاشكال الحقيقي انما هو من حيث ان الاستيطان في الرواية انما وقع قيدا للمنزل كما عرفت، غاية الامر انه متى كان المنزل المستوطن في الضيعة وجب الاتمام من حيث المنزل، وقد عرفت من روايات على بن يقطين المتعددة تقييد المنزل بالاستيطان في وجوب الاتمام وان


[ 370 ]

كان وحده، والقيد المعتبر في الملك بناء على الروايات الثلاث الاخيرة إنما هو نية الاقامة، فاستدلالهم بالرواية المذكورة ليس في محله. وايضا فانه صرح في صدر كلامه بان الاصح اعتبار المنزل خاصة دون مجرد الملك واستدل عليه بهذه الرواية، وحينئذ فاعتبار الاستيطان إنما هو في المنزل الذى اختاره كما هو ظاهر الرواية، وحق العبارة بناء على ما ذكرناه لما نقل عن الاصحاب انهم احتجوا بهذه الرواية على انه يعتبر في الملك الاستيطان ستة اشهر ان يرده بان اعتبار الاستيطان في الرواية انما هو بالنسبة الى المنزل خاصة لا الملك، مع ان متبادر منها اعتبار الاستيطان ستة أشهر في كل سنة وهم قد اكتفوا بالستة ولو في سنة واحدة. هكذا كان حق العبارة بمقتضى ما اختاره في المقام. وثانيا - ان قوله: " وكيف كان فالظاهر اعتبار دوام الاستيطان.. الى آخره " بعد قوله: " والمسألة قوية الاشكال " من ما لا يخلو من التدافع، لان قوة الاشكال عنده كما عرفت من حيث الاختلاف بين كلام الاصحاب في ما اكتفوا به من الاستيطان ستة أشهر ولو في سنة وبين الرواية في ما دلت عليه من دوام الاستيطان، وهو مؤذن بتوقفه في المسألة من حيث عدم امكان مخالفة الاصحاب وعدم امكان مخالفة الرواية فوقع في الاشكال لذلك، ومقتضى قوله: " وكيف كان.. الى آخره " ترجيح العمل بما دلت عليه الرواية من دوام الاستيطان كما أيده بذكر صحيحة على بن يقطين وكلام الشيخ وابن البراج. وبالجملة فان الظاهر من كلامه في هذا المقام ان الخلاف هنا بين الاصحاب وقع في موضعين:

(احدهما) - ان الوطن الذى ينقطع به السفر هل هو مجرد الملك الذى استوطنه كما هو المشهور أو خصوص المنزل المستوطن ؟ وهو في هذا الموضع قد حكم بان الاصح هو القول الثاني مستندا الى الصحيحة المذكورة.

و (ثانيهما) - انه هل يكفى اقامة الستة ولو مرة واحدة في سنة كما هو المشهور أم لابد من تجدد الاقامة في كل سنة كما هو ظاهر الصدوق والشيخ في النهاية وابن البراج ؟ وهو قد


[ 371 ]

اختار هنا القول الثاني لقوله " والظاهر اعتبار دوام الاستيطان ". وحينئذ فقد تلخص ان مذهبه في المسألة هو القول بخصوص المنزل مع اعتبار دوام الاستيطان كل سنة، وعلى هذا فاى اشكال هنا عنده وما وجه هذا الاشكال فضلا عن قوته حتى انه يقول " والمسألة قوية الاشكال " وبالجملة فالظاهر ان كلامه هنا لا يخلو من مسامحة ناشئة عن الاستعجال. والله العالم. تنبيه قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام جملة من الفروع والاحكام من ما يتم بها الكلام لابد من نقلها وذكرها لما فيها من الايضاح للمسألة ورفع غشاوة الابهام: فمنها - ان المستفاد من كلام الاكثر هو الاكتفاء بمقام الستة الاشهر ولو دفعة في سنة واحدة فيتم متى وصل بعدها ولو فريضة واحدة، وظاهر الصدوق - واليه مال في المدارك كما تقدم ذكره - اعتبار السنة في كل سنة، والمفهوم من كلام الفاضل الخراساني وبعض من تأخر عنه اناطة حصول الاستيطان بالعرف من غير تقييد بمدة: قال في الذخيرة: والظاهر ان الوصول الى بلد له فيه منزل استوطنه بحيث يصدق الاستيطان عرفا كاف في الاتمام. انتهى. ونحوه في الكفاية. وقال بعض من تأخر عنه من مشايخنا المحققين بعد نقل صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: وخلاصة معناه ان الاتمام بالضياع وما بحكمها إنما هو في ما يكون محلا لسكناه بحيث يعد عرفا من أوطانه ويصدق عليه عادة انه موضع استيطانه من غير أن يعرضه الترك لذلك في ما بعد بمرتبة تخرجه عن عداد الاوطان وصدق الاستيطان أي بحيث لا يقال انه كان وطنه سابقا فتركه، فان هذا الاستيطان يتحقق بان يكون له فيه محل نزول وان لم يكن ملكا له يسكنه دائما ستة أشهر مهما ارتحل منتقلا إليه. انتهى.


[ 372 ]

اقول: قد عرفت أنه لا يخفى ما في احالة الاحكام الشرعية على العرف من الاشكال، فانا لا نجد لهذا العرف معنى إلا باعتبار ما يتصوره مدعيه في كل مقام ويزعم ان كافة الناس على ما ارتسم في خاطره فيحمل عليه الاحكام، وإلا فتتبع الاقطار والامصار ومعرفة ما عليه عرف الناس وعادتهم في تلك الامور التى علقوها على العرف أمر متعذر البتة، هذا مع ما علم يقينا من اختلاف العادات والعرف باختلاف الاقاليم والبلدان. وبالجملة فاناطة الاحكام الشرعية بالعرف مع ما عرفت من كونه لا دليل عليه لا يخلو من الاشكال، والمفهوم من أخبارهم (عليهم السلام) انه مع ورود لفظ مجمل في أخبارهم فانه يجب الفحص عن معناه المراد به عنهم ومع تعذر الوقوف على ذلك فالواجب الاخذ بالاحتياط والوقوف على سواء ذلك الصراط. ويمكن هنا أن يقال ان لفظ الاستيطان وان كان مجملا في اكثر الاخبار إلا ان صحيحة ابن بزيع قد صرحت بان المراد به اقامة ستة أشهر، والمجمل يحمل على المفصل والمطلق على المقيد فلا اشكال. وأما ما يفهم من كلام الصدوق ومن تبعه في هذا المقام - من وجوب الستة في كل سنة استنادا الى افادة المضارع التجدد - ففيه ان الظاهر بمعونة الاخبار الكثيرة الدالة على مطلق الاستيطان انما هو أن المراد بذلك انه لا يكفى في صدق الاستيطان المرة والمرتان بل لابد من تجدده واستمراره على وجه لا يتركه تركا يخرج به عن الاسم المذكور، وأقل ما يحصل به ذلك من المراتب اقامة الستة مرة واحدة حيث انه لم يعين في تلك الاخبار الكثيرة مدة للتحديد بل جعل المناط هو التحديد الذى يكون سببا لعدم زوال اسم الاستيطان، وفى الصحيحة المذكورة أوضحه وعينه بكون أقل ذلك مدة الستة الاشهر. وبذلك يظهر أنه لا دلالة في الرواية على ما توهموه من اعتبار اقامة الستة في كل سنة. والله العالم. ومنها - انه لا يشترط في الستة الاشهر التوالى بل يكفى ولو كانت متفرقة. وهو جيد، وذلك فان الحكم بالتمام في الاخبار المتقدمة علق على مطلق الاستيطان


[ 373 ]

المدة المذكورة وهو أعم من أن يكون مع التوالى أو التفريق. ومنها - انه يشترط أن تكون الصلاة في الستة المذكورة بنية الاقامة لانه المتبادر من قوله عليه السلام في صحيحة ابن بزيع " منزل يقيم فيه ستة أشهر " وكذا من لفظ الاستيطان والسكنى كما في الاخبار الاخر، وحينئذ فلا يكفى الاتمام المترتب على كثرة السفر ولا على المعصية بالسفر ولا بعد التردد ثلاثين يوما ولا لشرف البقعة. نعم لا تضر مجامعتها له وان تعددت الاسباب. ومنها - اشتراط الملك في المنزل وغيره كما هو ظاهر كلامهم وبه صرح الشهيدان قال في الذكرى: ويشترط ملك الرقبة فلا تكفى الاجارة والتملك بالوصية. ونحوه في الروض ايضا. وظاهر بعض متأخرى المتأخرين المناقشة في الشرط المذكور، قال في الذخيرة: واشترط الشهيد ملك الرقبة فلا تجزئ الاجارة. وفيه تأمل. اقول: لا يخفى ان المفهوم من الاخبار المتقدمة بالنسبة الى الضياع والقرى ونحوها هو اشتراط الملك بغير اشكال وانما محل الاشكال في المنزل، والمفهوم لغة وعرفا انه عبارة عن موضع النزول، قال في القاموس: النزول الحلول ونزل به حل فيه والمنزل موضع النزول. ومثله في كتاب المصباح المنير. ولا ريب ان ذلك أعم من أن يكون ملكا أو مستأجرا أو معارا أو نحو ذلك، والاستناد الى اللام في المقام باعتبار حملها على التملك لا وجه له لاحتمال حملها على الاختصاص، بل صرح في الروض في مسألة اتخاذ البلد دار اقامة على الدوام بان اللام كما تدل على الملك تدل على الاختصاص بل هي فيه أظهر، وقال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: الحق ان الاصل في اللام الاختصاص ومجيئها للتمليك انما هو لاجل كونه من افراد الاختصاص. وبالجملة فان ما ذكروه في المقام لا يخلو من الاشكال لعدم الدليل الواضح عليه بل ظاهر كلام أهل اللغة كما عرفت خلافه. ومنها - كون الاستيطان بعد تحقق الملك بناء على القول المشهور من اشتراط


[ 374 ]

ملك الرقبة أو بعد تحقق أحد الاسباب المبيحة للنزول بناء على القول الآخر، فلو تقدم الاستيطان أو بعضه على ذلك لم يعتد به، والوجه في ما ذكرنا ان الحكم في الاخبار ترتب على الاستيطان في المنزل الذى له ملكا كان أو عارية أو نحو ذلك وهو ظاهر في أن الاستيطان قبل وجود المنزل المتصف باحد الوجوه المذكورة من الملكية ونحوها لا يدخل تحت مضمون هذه العبارة. ومنها - دوام الملك فلو خرج عنه لم يترتب عليه الحكم المذكور، قال في الذكرى: ويشترط ايضا دوام الملك فلو خرج عن ملكه زال الحكم، لان الصحابة لما دخلو مكة قصروا فيها لخروج املاكهم (1). اقول: هذا الشرط جيد بالنسبة الى الملك بناء على ما قدمنا نقله عنهم من اشتراط ملك الرقبة، واما بناء على القول الآخر فانه لابد ايضا من دوام نسبة المنزل إليه باحد الاسباب المتقدمة، فلو استأجره أو استعاره مدة ثم انقضت المدة وخرج عن النسبة إليه والتعلق به فالظاهر ايضا زوال الحكم المترتب على وجود المنزل الداخل تحت تصرفه، فان ظاهر الاخبار اعتبار دوام السبب المذكور في دوام ما يترتب عليه ومنها - انه لا يشترط السكنى في الملك بل يكفى السكنى في البلد أو القرية حيث كان ولا يشترط كونه له صلاحية السكنى. قال في الروض: ولا يشترط كون السكنى في الملك ولا كونه له صلاحية السكنى لحديث النخلة (2) فيكفى سكنى بلد لا يخرج عن حدوده الشرعية وهى حد الخفاء. انتهى. أقول: أما عدم اشتراط كون السكنى في الملك فان اريد به بالنسبة الى مثل الضياع والنخيل فهو من مالاريب في صحته، لان هذه الاشياء ليست محلا للسكنى عرفا فيكفى الجلوس في البلد. إلا انك قد عرفت سابقا انه لا دليل على ما اعتبروه من اشتراط مجرد الملك بالسكنى بل السكنى في الاخبار انما ترتب على


(1) بدائع الصنائع ج 1 ص 103 (2) وهو الحديث الرابع ص 361


[ 375 ]

المنزل، وان اريد به بالنسبة الى المنازل فهو محل اشكال، لان الروايات دلت على انه إذا كان له منزل يستوطنه وهى ظاهرة بل صريحة في كون الاستيطان في نفس المنزل، والحمل على تقدير مضاف أي يستوطن بلده بعيد غاية البعد، فما ذكروه (عطر الله مراقدهم) هنا لا يخلو من وصمة الاشكال. ومنها - انه قد صرح غير واحد منهم (رضوان الله عليهم) بانه لو اتخذ بلدا دار اقامة على الدوام فان حكمه حكم الملك: قال في المدارك: والحق العلامة ومن تأخر عنه بالملك اتخاذ البلد دار اقامة على الدوام ولا بأس به لخروج المسافر بالوصول إليها عن كونه مسافرا عرفا. قال في الذكرى: وهل يشترط هنا الاستيطان الستة الاشهر ؟ الاقرب ذلك ليتحقق الاستيطان الشرعي مضافا الى العرفي. وهو غير بعيد لان الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبرا مع وجود الملك فمع عدمه أولى. انتهى. اقول: لا يخفى ما وقع للاصحاب (رضوان الله عليهم) قديما وحديثا من الغفلة في هذه المسألة، وذلك فان ظاهرهم الاتفاق على انحصار قواطع السفر في ثلاثة: (أحدها) اقامة العشرة. و (ثانيها) مضى ثلاثين يوما مترددا. و (ثالثها) وصول بلد له فيها ملك أو منزل قد استوطنه على الخلاف المتقدم، وظاهرهم دخول بلدته التى تولد فيها ونشأ من زمن ابيه واجداده في القاطع الثالث، والحق العلامة ومن تبعه بالملك كما هو القول المشهور اتخاذ البلد دار اقامه على الدوام ورجحه السيد السند كما ذكره. ثم ان من تأخر عن العلامة اختلفوا في انه هل يشترط اعتبار الستة الاشهر المعتبر في الملك في هذا البلد ؟ ظاهر الذكرى ذلك ورجحه السيد المذكور لما ذكره، وبمثل ذلك صرح جده لى الروض وغيره، وظاهر الشهيد في البيان التوقف في ذلك حيث قال: والمقيم ببلدة اتخذها وطنا على الدوام يلحق بالملك على الظاهر وفى اشتراط الاقامة ستة أشهر أو العشرة الايام إشكال. انتهى. وبالجملة فالمشهور هو الاول.


[ 376 ]

وأنت خبير بانه لا يخفى على من لاحظ الاخبار بعين التأمل والتدبر والاعتبار ان المفهوم منها على وجه لا يعتريه الشك ولا الانكار ان القواطع الثلاثة التى أحدها بلد الملك أو المنزل المشترط فيه الاستيطان إنما هي في ما إذا خرج الانسان من بلده مسافرا سفرا يجب فيه التقصير فانه يستصحب التقصير في سفره الى أن ينقطع إما باقامة عشرة أيام في بعض المواضع أو مضى ثلاثين يوما مترددا أو يمر في سفره ذلك على ملك له من ضياع أو منزل على الوجه المتقدم في المسألة فانه ينقطع سفره باى هذه حصل ويرجع الى التمام، ثم بعد المفارقة يرجع الى التقصير في سفره كما كان اولا حتى يرجع الى بلده التى خرج منها فيجب عليه الاتمام بالوصول إليها، إلا ان الاخبار هنا قد اختلفت في انه هل يتم إذا رجع الى بلده بعد تجاوزه محل الترخص داخلا أو لا يتم حتى يدخل منزله وأهله ؟ وحينئذ فتلك القواطع الثلاثة إنما هي خارج البلد المذكور، وإنقطاع السفر بالرجوع الى بلده التى خرج منها ليس له مدخل في تلك القواطع بوجه، وقد تقدمت لك الاخبار المتعلقة بهذا القاطع الثالث الذى هو الملك أو المنزل صريحة في ما قلناه وواضحة في ما ادعيناه فانها تضمنت انه يمر به في سفره، ومنه يعلم ان ذلك إنما هو في مدة السفر وضمنه كما ذكرناه، وعباراتها في هذا المعنى صريح وظاهر مثل قولهم " سافر من أرض الى أرض وإنما ينزل قراه وضيعته " وقولهم " يتخذ المنزل فيمر به " ونحو ذلك من ما تقدم، وكله صريح أو ظاهر في كون تلك الاملاك والضياع والمنازل إنما هي في الطريق والسفر، وأما بلد الاقامة فلا مدخل لها في هذه الاخبار بوجه وإنما لها أخبار على حدة، ومحل الخلاف الذى وقع بينهم من الاكتفاء بالملك مطلقا أو لابد من المنزل واعتبار الاستيطان مطلقا أو مقيدا ونحو ذلك كله إنما نشأ من هذه الاخبار التى ذكرناها المتضمنة لكون ذلك في السفر. واما أخبار بلد الاستيطان الدالة على انقطاع السفر بالوصول إليها فهى هذه التى نتلوها عليك: فمنها موثقة اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال:


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر، والرواية عن ابى ابراهيم " ع "


[ 377 ]

" سألته عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله ؟ قال بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله ". وصحيحة العيص بن القاسم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: وروى عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال " إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود إليه ". وموثقة ابن بكير (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة له بها دار ومنزل فيمر بالكوفة وانما هو مجتاز لا يريد المقام إلا بقدر ما يتجهز يوما أو يومين ؟ قال يقيم في جانب المصر ويقصر. قلت فان دخل اهله ؟ قال عليه التمام ". وروى هذه الرواية الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن على بن رئاب (4) " انه سمع بعض الواردين يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة وله بالكوفة دار وعيال فيخرج فيمر بالكوفة ويريد مكة ليتجهز منها وليس من رأيه أن يقيم اكثر من يوم أو يومين ؟ قال يقيم في جانب الكوفة ويقصر حتى يفرغ من جهازه وان هو دخل منزله فليتم الصلاة ". وأنت خبير بان سند الرواية المذكورة صحيح فبملاحظة موافقتها مع الموثقة المذكورة يجعلها في حكم الصحيح ايضا. وصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " ان أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم اتموا وإذا يدخلوا منازلهم قصروا ". وصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (6) قال: " ان أهل مكة إذا خرجوا


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر (5) و (6) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر


[ 378 ]

حجاجا قصروا وإذا زاروا ورجعوا الى منازلهم اتموا ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن التقصير قال: إذا كنت في الموضع الذى تسمع فيه الاذان فاتم وإذا كنت في الموضع الذى لا تسمع فيه الاذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " وليس في بعض نسخ الحديث أول الحديث الى قوله " فاتم ". هذه جملة ما حضرني من أخبار المسافر إذا رجع الى بلده، وقد دلت كلها ما عدا الاخير على ان سفره انما ينقطع بدخول بيته كما هو أحد القولين في المسألة وأظهرهما، وصحيحة ابن سنان قد دلت على الانقطاع بتجاوز محل الترخص داخلا كما هو أشهر هما، ولا تعرض في شئ منها بوجه من الوجوه لشئ من تلك الشروط التى وقع فيها الخلاف ولا دلالة فيها على اشتراط منزل ولاملك، والاضافة في. هذه الاخبار في قوله " بيته أو منزله " أعم من التمليك والاختصاص، ولا تعرض فيها لاستيطان ستة أشهر ولاعدمه، وهؤلاء الذين اشتملت هذه الاخبار على السؤال عن أحكامهم وبيان تقصيرهم واتمامهم لا تخصيص في أحد منهم بكونه ممن قد اتخذها وطنا من زمن آبائه واجداده أو توطنها اخيرا، نعم لابد من صدق كونها بلده عرفا كما تشير إليه اخبار أهل مكة، ومن ذلك يظهر أن قواطع السفر أربعة بزيادة ما ذكرناه على الثلاثة المتقدمة. هذا. وأما ما ذكروه من حكم من اتخذ بلدا دار اقامة على الدوام فالاظهر عندي التفصيل فيه بانه ان كان قد صدق عليه عرفا كونه من أهل البلد المذكور فحكمه ما ذكرناه ودلت عليه هذه الاخبار كأهل البلد القاطنين بها، وان كان قبل ذلك كأن يكون ذلك في أول أمره بان نوى الجلوس فيها على الدوام ولكنه بعد لم يدخل تحت اسم أهلها ولم يصدق عليه انه منها فالاظهر فيه الرجوع الى قواعد السفر المنصوصة عن أهل البيت (عليهم السلام) من بقاء حكم السفر عليه حتى ينقطع


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.


[ 379 ]

سفره باحد القواطع الشرعية. وما ذكروه من التخريجات المتقدم ذكرها لا أعرف عليها دليلا ولا إليها سبيلا. وقوله في المدارك: " لخروج المسافر بالوصول إليها عن كونه مسافرا عرفا " ليس بشئ في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على وجوب التقصير على المسافر إلا أن ينقطع سفره باحد القواطع الشرعية، وحيث لم يحصل هنا شئ منها فالواجب بمقتضى تلك النصوص استصحاب التقصير كما صرحوا به في من أقام مدة في رستاق، ومجرد نية الاقامة دواما في البلد لا دليل على تأثيرها في قطع حكم السفر، والالحاق بالملك مجرد قياس لا يوافق اصول المذهب. وبالجملة فان التحقيق عندي في المسألة ما ذكرته. والله العالم بحقائق أحكامه ونوابه القائمون بمعالم حلاله وحرامه.

المقام الثالث - في مضى ثلاثين يوما مترددا ولا خلاف بينهم في وجوب الاتمام عليه بعد المدة المذكورة، وقد مضت الاخبار الدالة عليه في صدر المقام الاول، إلا ان في بعضها التحديد بثلاثين يوما وفى بعضها بالشهر، ويظهر الفرق في ما إذا كان مبدأ التردد أول الشهر الهلالي فانه يكتفى به وان ظهر نقصانه عن الثلاثين بناء على رواية الشهر، والظاهر انه كذلك ايضا بمقتضى كلام الاصحاب ويشكل حينئذ باعتبار رواية الثلاثين إلا ان تحمل على غير الصورة المذكورة من حصول التردد في اثناء الشهر كما هو الاغلب. ونقل عن العلامة في التذكرة انه اعتبر الثلاثين ولم يعتبر الشهر الهلالي، قال: لان لفظ الشهر كالمجمل ولفظ الثلاثين كالمبين. قال في المدارك: ولا بأس به. وقال في الذخيرة: وفى كونهما كالمجمل والمبين تأمل بل الظاهر كون الشهر حقيقة في المعنى المشترك بين المعنيين، وحينئذ فالمتجه أن يقال يحمل على الثلاثين كما يحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص. انتهى. أقول: لا يخفى ان مرجع الكلامين الى البناء على الثلاثين وتقييد الشهر بذلك وهو الاظهر وان كان ما ذكرناه أو لا في الجمع بين الاخبار لا يخلو من قرب. والله العالم


[ 380 ]

الخامس من الشروط المتقدمة ان يكون السفر سائغا واجبا كان كالحج أو مستحبا كالزيارة أو مباحا كالتجارة فلا يترخص العاصى بسفره، وهذا الشرط مجمع عليه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما نقله المحقق في المعتبر والعلامة في جملة من كتبه. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمار بن مروان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سمعته يقول من سافر قصر وافطر إلا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله تعالى أو رسولا لمن يعصى الله عزوجل أو في طلب شحناء أو سعاية ضرر على قوم مسلمين ". وما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة في الموثق (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج الى الصيد أيقصر أو يتم ؟ قال يتم لانه ليس بمسير حق ". وعن ابى سعيد الخراساني (3) قال: " دخل رجلان على ابى الحسن الرضا عليه السلام فسألاه عن التقصير فقال لاحدهما: وجب عليك التقصير لانك قصدتني. وقال للآخر: وجب عليك التمام لانك قصدت السلطان ". وعن اسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابى الذى يدور في جبايته والامير الذى يدور في امارته والتاجر الذى يدور في تجارته من سوق الى سوق والراعي والبدوي الذى يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر والرجل الذى يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا والمحارب الذى يقطع السبيل ". واتمام الاخيرين لعدم اباحة السفر وأما ما عداهما فيمكن أن يكون لكون السفر عملهم، ويحتمل في الاولين أن يكونا من قبيل الاخيرين ايضا.


(1) و (3) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر (2) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر (4) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر


[ 381 ]

وعن ابن بكير (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة ؟ قال لا إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدين فان التصيد مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه. وقال يقصر إذا شيع أخاه ". وعن عمران بن محمد بن عمران القمى في الصحيح عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت له الرجل يخرج الى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم ؟ قال ان خرج لقوته وقوت عياله فليفطر ويقصر وان خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة ". وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " سألته عن من يخرج من اهله بالصقور والبزاة والكلاب يتنزه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته ام لا يقصر ؟ قال انما خرج في لهو لا يقصر. قلت: الرجل يشيع اخاه اليوم واليومين في شهر رمضان ؟ قال يفطر ويقصر فان ذلك حق عليه ". وعن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " في قول الله عزوجل: فمن اضطر غير باغ ولا عاد (5) قال: الباغى باغى الصيد والعادي السارق ليس لهما ان يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها هي حرام عليهما كما هي على المسلمين وليس لهما ان يقصرا في الصلاة ". هذا ما حضرني من الاخبار المتعلقة بالمسألة، وتحقيق الكلام في المقام ان يقال: ظاهر الاصحاب - واليه يشير بعض الاخبار المذكورة كصحيحة عمار بن مروان وموثقة عبيد بن زرارة - ان السفر المحرم الموجب للاتمام اعم من ان يكون محرما في حد ذاته أو باعتبار غايته المترتبة عليه، ومن الاول الفار من الزحف والهارب


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر (3) الوسائل الباب 9 و 10 من صلاة المسافر (4) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر (5) سورة البقرة الآية 168 والانعام الآية 146


[ 382 ]

من غريمه مع قدرته على الوفاء، وعدوا من ذلك تارك الجمعة بعد وجوبها عليه، ومنه ايضا الآبق عن مولاه والمرأة الناشزة والسالك طريقا يغلب على ظنه فيه العطب وان كانت الغاية حسنة كأن يكون السفر للحج والزيارات مثلا، وعد منه كل سفر استلزم ترك واجب وسيأتى ما فيه. ومن الثاني المسافر لقطع الطريق أو لقتل رجل مسلم أو لاضرار بقوم مسلمين أو نحو ذلك، وقد عد في المدارك ومثله صاحب الذخيرة الآبق والناشز في القسم الثاني. قال في المدارك: واطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضى عدم الفرق في السفر المحرم بين من كان غاية سفره معصية كقاصد قطع الطريق بسفره وكالعبد والمرأة القاصدين بسفرهما النشوز والاباق أو كان نفس سفره معصية كالفار من الزحف والهارب من غريمه مع قدرته على وفاء الحق. اقول: فيه انه لا يخفى ان معنى السفر الذى غايته معصية ان يكون هناك امران ثابتان في الوجود الخارجي احدهما مقدم على الآخر والآخر مترتب عليه، فان الغاية متأخرة في الوجود عن ذى الغاية، مثلا من سافر لقتل رجل في بلد فان السفر يحصل اولا ثم تلك الغاية المترتبة عليه فالسفر من حيث هو لا يلحقه تحريم وإنما يلحقه التحريم باعتبار ترتب تلك الغاية عليه، وبهذا يظهر ان سفر المرأة القاصدة به النشوز ليس كذلك لان سفرها بهذا العنوان محرم من اصله، والنشوز لا يصلح هنا لان يكون من الغايات المترتبة على السفر بعد وقوعه كما في سائر الاسفار التى غايتها محرمة بل هو حاصل من اول خروجها عن طاعة الزوج، غاية الامر ان السفر لما كان من حيث هو اعم قيد بهذا القيد، والمراد حينئذ ان من جملة السفر المحرم في حد ذاته سفر المرأة إذا كانت قاصدة به النشوز فان مجرد سفرها ليس بمحرم. وبذلك يظهر ان هذين الفردين انما هما من القسم الاول كما ذكرناه. وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: وادخال هذه الافراد يقتضى المنع


[ 383 ]

من ترخص كل تارك للواجب بسفره لاشتراكهما في العلة الموجبة لعدم الترخص، إذ الغاية مباحة فانه المفروض وإنما عرض العصيان بسبب ترك الواجب، فلا فرق حينئذ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة ونحوها وبين استلزامه ترك غيرها كتعلم العلم الواجب عينا أو كفاية بل الامر في هذا الوجوب اقوى، وهذا يقتضى عدم الترخص إلا لاوحدي الناس، لكن الموجود من النصوص في ذلك لا يدل على إدخال هذا القسم ولا على مطلق العاصى وانما دل على السفر الذى غايته المعصية وقال سبطه السيد السند بعد نقله: ويشكل بان رواية عمار بن مروان التى هي الاصل في هذا الباب تتناول مطلق العاصى بسفره، وكذا التعليل المستفاد من رواية عبيد بن زرارة، والاجماع المنقول من جماعة. لكن لا يخفى ان تارك الواجب كالتعلم ونحوه انما يكون عاصيا بنفس الترك لا بالسفر إلا إذا كان مضادا للواجب وقلنا باقتضاء الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص، والظاهر عدم الاقتضاء كما هو اختياره (قدس سره) مع ان التضاد بين التعلم والسفر غير متحقق في اكثر الاوقات، فما ذكره (قدس سره) حينئذ من ان ادخال هذه القسم يقتضى عدم الترخص إلا لاوحدي الناس غير جيد. انتهى. اقول: التحقيق في هذا المقام ان يقال: لا يخفى ان المفهوم من الاخبار المتقدمة - وهو صريح روايتي ابى سعيد الخراساني وعمران بن محمد القمى - ان المدار في حرمة السفر واباحته إنما هو على القصد والنية، ويعضده الاخبار المستفيضة الدالة على ان الاعمال بالنيات (1) لا محض استلزام السفر لامر محرم كترك واجب مثلا مطلقا وان لم يخطر بباله فضلا عن قصده. ومنه يظهر ان عدمهم سفر تارك الجمعة من قبيل السفر المحرم ليس في محله بناء على ما ذكروه في تلك المسألة من حيث انه مستلزم لتفويت الواجب، فانه إنما يتم بناء على ثبوت تلك المقدمة الاصولية من ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده الخاص. نعم يأتي بناء على ما قدمناه من النصوص


(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات


[ 384 ]

في تلك المسألة صحة عده هنا حيث انها دالة على النهى عن السفر. وبالجملة فان المفهوم من الاخبار المتقدمة كما عرفت هو دوران التحريم مدار النية والقصد بذلك السفر، فان قصد به أمرا محرما كالفرار من الزحف والهرب من غريمه مع امكان الوفاء أو النشوز والاباق أو قصد غاية محرمة مترتبة عليه كالامثلة المتقدمة ثبت التحريم ووجب الاتمام، وأما لو استلزم ترك واجب ولم يخطر بباله أو خطر بباله ولكن لم يتعلق به القصد فانه لا يتعلق به التحريم، نعم لو كان هو المقصود من السفر وتعلقت به النية وقد ثبت تحريمه في حد ذاته أو باعتبار غايته فلا اشكال في ما ذكروه من وجوب الاتمام. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا المتقدم ذكره من عدم ورود ما ذكره وانه لا حاجة في التفصى عنه الى ما ذكره سبطه السيد السند. ويؤيد ما قلناه ما صرحوا به في هذا المقام من أن المعصية في السفر مانعة ابتداء واستدامة، فلو قصد المعصية ابتداء اتم ولو رجع عنها في اثناء السفر اعتبرت المسافة حينئذ فان بلغ الباقي مسافة قصر وإلا أتم. وظاهر هم الاتفاق هنا على الحكم المذكور حيث ان ذلك ثابت في انشاء كل سفر وهذا من جملة ذلك، فانه بعد الرجوع عن المعصية قاصد لانشاء السفر فلابد فيه من المسافة. واما لو كان سفره مباحا ثم قصد المعصية في الاثناء انقطع ترخصه ووجب عليه التمام ما دام على ذلك القصد، فلو رجع عن ذلك القصد الى قصده الاول أو غيره من القصود المباحة رجع الى التقصير. وهل يعتبر هنا في رجوعه الى التقصير كون الباقي مسافة ؟ قيل نعم وبه قطع العلامة في القواعد لبطلان المسافة الاولى بقصد المعصية فافتقر في رجوعه الى التقصير الى قصد مسافة جديدة. وقيل لا وهو ظاهر المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى وبه قطع في الذكرى، واستدل عليه بان المانع من التقصير انما كان هي المعصية وقد زالت. قال في المدارك: وهو جيد وفى بعض الاخبار دلالة عليه.


[ 385 ]

اقول: الظاهر انه أشار بالخبر المذكور الى ما رواه الشيخ عن بعض أهل العسكر (1) قال: " خرج عن ابى الحسن عليه السلام ان صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة فإذا عدل عن الجادة أتم فإذا رجع إليها قصر ". وقال في الفقيه: ولو ان مسافرا ممن يجب عليه التقصير مال عن طريقه الى صيد لوجب على التمام لطلب الصيد، فان رجع من صيده الى الطريق فعليه في رجوعه التقصير. والظاهر ان كلامه هذا وقع تفسيرا للخبر المذكور، وظاهره حمل الجادة على المعنى المعروف، وكأنه حمل صاحب الصيد في الخبر على من لم يرد الصيد ابتداء وإنما خرج مسافرا ثم بدا له التصيد فعدل عن طريقه واحتمل بعض الافاضل حمل الجادة في الخبر على الحق بمعنى الجادة الشرعية والموافقة لامر الشارع فانه يقصر ما دام كذلك وان عدل عن ذلك أتم. ووجه الاستدلال بالرواية المذكورة هو الامر بالتقصير بعد الرجوع الى الجادة وهو أعم من أن يكون الباقي مسافة أو أقل بحيث يحصل منه ومن ما تقدم المسافة. ويمكن الاستدلال ايضا على القول الثاني زيادة على الرواية المذكورة بصحيحة ابى ولاد المتقدمة في الشرط الثالث (2) حيث انه عليه السلام أمره بالتقصير بعد رجوعه عن السفر متى كان سار في يومه ذلك بريدا نظر الى ضم البريد الماضي الى البريد الحاصل في الرجوع وتلفيق المسافة منهما، وبه يظهر قوة القول المشهور. إذا عرفت ذلك فاعلم انه بقى من اخبار المسألة خبران لا يخلو ظاهر هما من الاشكال: أحدهما - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتصيد فقال ان كان يدور حوله فلا يقصر وان كان يجاوز الوقت فليقصر " ورواه في الفقيه عن العيص بن القاسم عنه عليه السلام مثله (4).


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر (2) ص 333


[ 386 ]

وحمله الشيخ على ما إذا قصد بالصيد القوت. اقول: وينبغى حمل قوله: " ان كان يدور حوله " بناء على ما ذكره على انه يدور حول مكانه الذى هو فيه من بلد ونحوها بمعنى انه لا يبلغ محل الترخص فانه لا يقصر وان تجاوز الوقت يعنى حد الترخص فليقصر. وهو ظاهر. وثانيهما - ما رواه عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام ورواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام وإذا جاوز الثلاثة لزمه ". والشيخ في التهذيب حمله على الصيد للقوت ايضا، والصدوق حمله على صيد اللهو والفضول دون القوت. ويمكن توجيه ما ذكره الشيخ بانه في ضمن الثلاثة لا يبلغ مسافة التقصير لانه يتأنى في طلب الصيد يمينا وشمالا لعدم الصيد وقصد تحصيله، فان المسافة وان حصلت بعد الثلاثة إلا إنها غير مقصودة من أول الامر فلا يجب عليه التقصير تلك المدة، وبعد الثلاثة فالغالب انه يرجع الى بلده، وحينئذ يكون قاصدا للمسافة فيجب عليه التقصير لذلك. ويمكن توجيه ما ذكره الصدوق بانه في ضمن الثلاثة كان صيده غير مشروع فلا يقصر، وأما بعد الثلاثة فالغالب انه يرجع الى بلده كما ذكرنا أولا ويكون سفره مشروعا يجب فيه التقصير. واحتمل في الوافى حمل هذا الخبر على التقية ايضا ولعله الاقرب. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلفت الاصحاب (رضوان الله عليهم) في سفر صيد التجارة، فالمشهور بين المتأخرين كونه سفرا شرعيا مباحا بل ربما يكون مستحبا فيجب فيه التقصير في الصلاة وافطار الصوم كغيره من الاسفار المباحة، والمشهور في كلام المتقدمين التفصيل بين الصوم فيقصر فيه والصلاة فيتم فيها.


(1) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.


[ 387 ]

قال في المدارك بعد أن ذكر انه يجب التقصير إذا كان الصيد لقوته وقوت عياله: والاصح إلحاق صيد التجارة به كما اختاره المرتضى وجماعة للاباحة بل قد يكون راجحا ايضا. والقول بان من هذا شأنه يقصر صومه ويتم صلاته للشيخ في النهاية والمبسوط واتباعه، قال في المعتبر: ونحن نطالبه بدلالة الفرق ونقول ان كان مباجا قصر فيهما وان لم يكن أتم فيهما. وهو جيد. ويدل على ما اخترناه من التسوية بين قصر الصوم والصلاة ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا قصرت افطرت وإذا أفطرت قصرت " انتهى. اقول: لا يخفى ان العلامة في المختلف قد نقل هذا القول عن جملة من اجلاء اصحابنا المتقدمين (رضوان الله عليهم): منهم - الشيخ في النهاية والمبسوط والشيخ المفيد والشيخ على بن الحسين بن بابويه وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس، قال وقال ابن ادريس: روى اصحابنا باجمعهم انه يتم الصلاة ويفطر الصوم، وكل سفر أوجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه إلا هذه المسألة فحسب للاجماع عليه. ونقل في المختلف عن المبسوط انه قال: وان كان للتجارة دون الحاجة فروى اصحابنا انه يتم الصلاة ويفطر الصوم. ثم نقل في المختلف عن السيد المرتضى قال واوجب المرتضى وابن ابى عقيل وسلار التقصير على من كان سفره طاعة أو مباحا ولم يفصلوا بين الصيد وغيره. انتهى. وظاهر كلام ابن ادريس ان القول بذلك كان مشهورا بين المتقدمين ان لم يكن مجمعا عليه كما ادعاه، وان انفكاك حكم الصلاة هنا عن الصوم مستثنى من القاعدة المتفق عليها نصا وفتوى، وهى ان من افطر قصر ومن قصر أفطر. وظاهر كلام المختلف ان السيد المرتضى وابن ابى عقيل وسلار لم يتعرضوا الى مسألة الصيد للتجارة بخصوصها وإنما ذكروا وجوب التقصير على من كان سفره طاعة أو مباحا كما هو أصل المسألة التى هي من شروط التقصير.


(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.


[ 388 ]

وبذلك يظهر ان قول السيد السند (قدس سره) هنا - والاصح إلحاق الصيد للتجارة بالصيد لقوت عياله كما اختاره المرتضى وجماعة - ليس من ما ينبغى لان ظاهر هذه العبارة يعطى ان المرتضى واتباعه نصوا على ان صيد التجارة كالصيد لقوت عياله وليس الامر كذلك كما عرفت. ثم انه لا يخفى ان ما ذكره أولئك الاجلاء من الخبر الدال على الفرق هنا بين الصوم والصلاة لم نقف عليه إلا في كتاب الفقه الرضوي، حيث قال عليه السلام في باب صلاة السفر (1): " وإذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم ". ويمكن أن يكون الجماعة قد تلقوا هذا الحكم من كلام الشيخ على بن الحسين ابن بابويه كما هي عادتهم في جملة من المواضع، والشيخ المذكور كما عرفت من ما قدمناه في غير مقام انما أخذه من هذا الكتاب. واحتمال الوقوف على خبر بذلك غيره ايضا ممكن إلا انك قد عرفت في غير موضع اختصاص هذا الكتاب بجملة من مستندات الاحكام التى قال بها المتقدمون ولم تصل الى المتأخرين، والظاهر ان هذا منها. إلا انه عليه السلام في كتاب الصوم من الكتاب المذكور (2) قال ما هذه صورته: " وصاحب الصيد إذا كان صيده بطرا فعليه التمام في الصلاة والصوم، وان كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والصوم وروى ان عليه الافطار في الصوم، وان كان صيده من ما يعود على عياله فعليه التقصير في الصلاة والصوم.. الى آخره ". وبه يعظم الاشكال ويصير من الداء العضال فانه يؤذن بكون صيد التجارة غير مشروع، وربما يشير الى ذلك قوله عليه السلام في مرسلة عمران بن محمد بن عمران القمى المتقدمة في روايات المقام الثاني من الشرط الرابع (3) " ان خرج لقوت عياله فليفطر وليقصر وان خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة " فان هذا الكلام يؤذن


(1) ص 16 (2) ص 25 (3) ص 381


[ 389 ]

بكون صيد التجارة من الفضول وانه غير مشروع. هذا. وفى كتاب زيد النرسى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سأله بعض أصحابنا عن طلب الصيد وقال له انى رجل ألهو بطلب الصيد وضرب الصوالج وألهو بلعب الشطرنج ؟ قال فقال أبو عبد الله عليه السلام أما الصيد فانه مبتغى باطل وإنما أحل الله الصيد لمن اضطر الى الصيد فليس المضطر الى طلبه سعيه فيه باطلا، ويجب عليه التقصير في الصلاة والصوم جميعا إذا كان مضطرا الى أكله، فان كان ممن يطلبه للتجارة وليست له حرفة إلا من طلب الصيد فان سعيه حق وعليه التمام في الصلاة والصيام لان ذلك تجارته، فهو بمنزلة صاحب الدور الذى يدور في الاسواق في طلب التجارة أو كالمكارى والملاح ". ويمكن أن يستنبط من هذا الخبر أن الصيد للتجارة إذا لم يكن على هذا الوجه فهو سفر شرعى يوجب التقصير، وذلك لانه عليه السلام انما أوجب اتمام هنا من حيث كونه صار عملا له كالتاجر الذى يدور في الاسواق للتجارة والمكارى ونحوهما من الاسفار المباحة لا من حيث كون سفره معصية، وحينئذ فمع انتفاء كونه عملا له يكون مشروعا موجبا للتقصير، وعلى هذا ينبغى أن يحمل قوله في صدر الخبر " ان الصيد مبتغى باطل " على صيد اللهو الذى اخبر به السائل عن نفسه، إلا ان قوله عليه السلام " انما أحل الله الصيد لمن اضطر الى الصيد فليس المضطر الى طلبه سعيه فيه باطلا " لا يخلو من منافرة لما ذكره في صيد التجارة. وبالجملة فالمسألة لما عرفت غير خالية من الاشكال والداء العضال، وقوة القول المشهور بين المتأخرين ظاهرة فان سفر التجارة في صيد كان أو غيره من الاسفار المباحة الموجبة لوجوب التقصير والموجب للاتمام انما هو سفر المعصية. إلا ان ذهاب جملة من فضلاء الاصحاب الى هذا القول - مع نقلهم لورود الاخبار به مضافا الى ما سمعت من كلامه عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي في الموضعين المتقدمين -


(1) مستدرك الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر


[ 390 ]

من ما أوجب الاشكال، والاحتياط من ما لا ينبغى تركه على كل حال. والله العالم.

السادس من الشروط المتقدمة ان لا يكون السفر عمله فان من كان السفر عمله يتم في سفره وحضره بلا خلاف يعتد به كالمكارى والجمال والملاح والبريد والاشتقان والراعي والبدوي والتاجر الذى يدور في تجارته من سوق الى سوق كما تضمنته الاخبار الصحيحة، وما وقع في اكثر عبائر الاصحاب - من التعبير هنا بكثير السفر أو من كان سفره أكثر من حضره سواء كان من هؤلاء المعدودين أو لا فجعلوا مناط الاتمام سفر الرجل من أهله مرتين أو ثلاثا على الخلاف في ما به تحصل الكثرة من غير اقامة عشرة - ليس من ما ينبغى ان يصغى إليه لعدم الدليل عليه، بل الظاهر من الاخبار كما سنتلوها عليك ان شاء الله تعالى على وجه لا يعتريه الانكار هو كون ذلك عملا له، فلا بد من صدق الاسم باحد العنوانات المتقدمة ونحوها. ومن الاخبار المشار إليها ما تقدم من رواية اسماعيل بن ابى زياد في صدر الشرط الخامس. ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير ولا على المكارى والجمال " وعن هشام بن الحكم باسنادين أحدهما من الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " المكارى والجمال الذى يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان ". وعن زرارة باسانيد ثلاثة فيها الصحيح والحسن، ورواه الشيخ والصدوق في الصحيح (3) قال: " قال أبو جعفر عليه السلام اربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكارى والكرى والراعي والاشتقان لانه عملهم ". قال في الوافى: الكرى كغنى: الكثير المشى، وكأنه أريد به الذى يكرى نفسه للمشى، وأما الاشتقان فقيل هو امين البيادر، وقال في الفقيه هو البريد.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.


[ 391 ]

اقول: ما فسر به الكرى من أنه الكثير المشى لم نجده في شئ من كتب اللغة المشهورة (1) والذى ذكره غيره من الاصحاب في معنى هذه اللفظة هو ان المراد بها المكترى - فعيل بمعنى مفتعل - نظرا الى ما يقتضيه ظاهر العطف من التغاير واصالة عدم الترادف، ولما نقل ايضا من استعماله في كلا المعنيين، قال ابن ادريس في سرائره: الكرى من الاضداد ونقل عن ابن الانباري في كتاب الاضداد انه يكون بمعنى المكارى ويكون بمعنى المكترى. انتهى. ويستفاد من الخبر المذكور ان وجوب الاتمام على هؤلاء من حيث انه عملهم وفيه دلالة على ان كل من كان السفر عمله فانه يجب عليه الاتمام. وعن محمد بن جزك في الصحيح (2) قال " كتبت الى ابى الحسن الثالث عليه السلام ان لى جمالا ولى قواما عليها ولست أخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع فما يجب على إذا انا خرجت معهم ان أعمل أيجب على التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام ؟ فوقع عليه السلام: إذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كل سفر إلا الى مكة فعليك تقصير وافطار ". وعن اسحاق بن عمار (3) قال: " سألته عن الملاحين والاعرب هل عليهم تقصير ؟ قال لا بيوتهم معهم ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفري عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " الاعراب لا يقصرون وذلك ان منازلهم معهم ". وما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عن ابى عبد الله (عليهما السلام) (5) قال: " أصحاب السفن يتمون الصلاة في سفنهم "


(1) ذكر في القاموس في مادة (كرى) ان أحد معاني هذه المادة العدو الشديد وذكر ورودها بهذا المعنى على هيئة فعيل وعليه يتم ما في الوافى نعم لم يذكر صاحب المصباح ولا صاحب الجمع هذا المعنى. (2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر


[ 392 ]

وما رواه في الخصال في الصحيح عن ابن ابى عمير يرفعه الى ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " خمسة يتمون في سفر كانوا أو في حضر: المكارى والكرى والاشتقان وهو البريد والراعي والملاح لانه عملهم ". والظاهر ان هذا الخبر مستند الصدوق في ما فسر به الاشتقان من انه البريد كما تقدم نقله عنه، والمذكور في اللغة وكلام الاصحاب إنما هو امين البيادر يذهب من بيدر الى آخر ولا يقيم في مكان، قالوا وهو معرب دشتبان أي امين البيادر. وأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) - قال: " المكارى والجمال إذا جد بهما السير فليقصرا ". وعن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكارين الذين يختلفون فقال إذا جدوا السير فليقصروا " - فقد اختلف كلام الاصحاب في المعنى المراد منهما، فقال الشيخ في التهذيب: الوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمد بن يعقوب الكليني قال هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلا فيقصر في الطريق ويتم في المنزل، والذى يكشف عن ذلك ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد عن عمران بن محمد عن بعض اصحابنا يرفعه الى عبد الله عليه السلام (4) قال: " المكارى والجمال إذا جد بهما السير فليقصرا في ما بين المنزلين ويتما في المنزل ". قال في المدارك: وهذه الرواية مع ضعف سندها غير دالة على ما اعتبراه. وهو جيد لكن لا من حيث ضعف السند بل من حيث انهما فسرا جد السير بان يجعلا المنزلين منزلا والرواية لا دلالة لها على ذلك بل هي مجملة مثل الروايتين المتقدمتين، نعم قد دلت بالنسبة الى من جدبه السير على حكم آخر غير الروايتين المتقدمتين، إذ مقتضى الروايتين الاولتين ان حكمه التقصير مطلقا ومقتضى هذه


(1) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 13 من صلاة المسافر


[ 393 ]

الرواية التقصير في الطريق والاتمام في المنزل. ومثل الروايتين الاولتين ما رواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه عليه السلام (1) قال: " سألته عن المكارين الذين يختلفون الى النيل هل عليهم إتمام الصلاة ؟ قال إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتموا الصلاة إلا ان يجد بهم السير فليقصروا وليفطروا ". ولا يحضرني وجه جمع بين هذه الاخبار الثلاثة ومرسلة عمران المذكورة. وقال الشهيد في الذكرى في معنى الخبرين الاولين - ومثلهما كما عرفت رواية على بن جعفر - ان المراد ما إذا انشأ المكارى والجمال سفرا غير صنعتهما أي يكون سيرهما متصلا كالحج والاسفار التى لا يصدق عليها صنعته. واستقربه السيد السند (قدس سره) في المدارك، وقال لا يبعد استفادته من تعليل الاتمام الذى مر في صحيحة زرارة من قوله عليه السلام (2) " لانه عملهم " واحتمل في الذكرى أن يكون المراد ان المكارين يتمون ما داموا يترددون في أقل من المسافة أو في مسافة غير مقصودة وأما إذا قصدوا مسافة قصروا. قال: ولكن هذا لا يختص المكارى والجمال به بل كل مسافر. وأنت خبير بما فيه من البعد. وقال العلامة في المختلف: الاقرب عندي حمل الحديثين على انهما إذا أقاما عشرة أيام قصرا. قال في المدارك: ولا يخفى بعد ما قربه. وهو كذلك. وحملهما شيخنا الشهيد الثاني في الروض على ما إذا قصد المكارى والجمال المسافة قبل تحقق الكثرة. وهو في البعد كسابقيه بل أبعد. والاقرب عندي ما ذكره جملة من أفاضل متأخرى المتأخرين - أولهم على الظاهر السيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المنتقى والمحدث الكاشانى وغيرهم - من ان المراد به ما إذا زاد السير على ما هو المتعارف بحيث يشتمل على مشقة شديدة والقول بوجوب التقصير عليه لهذه المشقة الشديدة. قال في المنتقى: والمتجه هو الوقوف مع ظاهر اللفظ وهو زيادة السير عن القدر المعتاد في اسفارهما


(1) الوسائل الباب 13 من صلاة المسافر (2) ص 290


[ 394 ]

غالبا والحكمة في هذا التخفيف واضحة. وعلى هذا فيجب تخصيص اخبار المكارين ونحوهم الدالة على ان فرضهم الاتمام بهذه الاخبار لما ذكر من العلة المذكورة. وأما ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار في الموثق على المشهور والصحيح على الاظهر عندي عن ابى ابراهيم عليه السلام (1) - قال: " سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب وقلت يختلفون كل أيام كلما جاءهم شئ اختلفوا، فقال عليهم التقصير إذا سافروا ". وما رواه ايضا في الموثق أو الصحيح على الاظهر عن اسحاق بن عمار (2) قال: " سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الايام أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر ؟ قال نعم " - فهو محمول على من انشأ سفرا غير السفر الذى هو عادته وهو ما يختلفون كل الايام، كالمكارى مثلا لو سافر للحج أو الى أحد البلدان في أمر غير ما هو الذى يتكرر فيه دائما. وقد حملهما الشيخ على محمل بعيد سحيق غير جدير بالذكر ولا حقيق وكيف كان فتحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع: الاول - المستفاد من ما قدمناه من الاخبار هو ان المدار في الاتمام على صدق أحد تلك الامور المعدودة أو صدق كون السفر عادته. قالوا: والمرجع في ذلك الى العرف لانه المحكم في مثله. وبه قطع العلامة في جملة من كتبه والشهيد في الذكرى، إلا انه قال ان ذلك انما يحصل غالبا بالسفرة الثالثة التى لم يتخلل قبلها اقامة تلك العشرة. واعتبر ابن ادريس في تحقق الكثرة ثلاث دفعات، ثم قال ان صاحب الصنعة من المكارين والملاحين يجب عليهم الاتمام بنفس خروجهم الى السفر لان صنعتهم تقوم مقام تكرر من لا صنعة له ممن سفره اكثر من حضره. واستقرب العلامة في المختلف الاتمام في ذى الصنعة وغيره ممن جعل السفر عادته بالدفعة الثانية.


(1) و (2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر


[ 395 ]

ولم نقف لهذه الاقوال على مستند ازيد من ادعاء كل منهم العرف على ما ذكره والواجب بالنظر الى الاخبار مراعاة صدق الاسم وكون السفر عمله، فانه هو المستفاد منها ولا دلالة لها على ما ذكروه من اعتبار الكثرة فضلا عن صدقها بالمرتين أو الثلاث. والله العالم.

الثاني - اعلم ان المفهوم من كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان الضابط في حصول الكثرة التى يترتب عليها وجوب الاتمام هو أن يسافر ثلاث مرات بحيث ينقطع سفره بعد الاولى والثانية إما بالوصول الى بلده أو الى موضع يعزم فيه الاقامة ثم يتجدد له بعد الصلاة تماما عزم السفر، ولا يفصل بين هذه الدفعات الثلاث باقامة عشرة في بلده مطلقا وفى غير بلده مع نية الاقامة، فانه يجب عليه التمام في الدفعة الثالثة ويبقى الحكم مستمرا الى أن يقيم عشرة على أحد الوجهين المتقدمين. والذى نص عليه الشيخ وجملة ممن تبعه في قطع التمام في الاثناء أو بعد تمام الثلاث انما هو اقامة العشرة في بلده، وألحق المحقق في النافع والعلامة ومن تبعهما اقامة العشرة المنوية في غير بلده فلو أقام في غير بلده عشرة ثم انشاء سفرا قصر فيه، قال في المدارك ان ظاهر الاصحاب الاتفاق على ان اقامة العشرة الايام في البلد قاطعة لكثرة السفر وموجبة للقصر. وألحق المحقق في النافع والعلامة ومن تأخر عنهما باقامة العشرة في بلده نية اقامتها في غير بلده ايضا، فلو نواها في غير بلده وأتم فريضة ثم سافر قصر أيضا وان لم يتم الاقامة. كذا يفهم من صاحب المدارك ومن تأخر عنه، إلا ان الظاهر من عبارات غيره ممن تقدمه انما هو أن يقيم عشرة كاملة بالنية لا مجرد النية والصلاة تماما وان لم يتم الاقامة كما هو ظاهر كلام من تأخر عنه، والظاهر ان هذا هو الذى يستفاد من الرواية الآتية أيضا. وألحق الشهيد في الدروس ومن تبعه العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين يوما أي مضى أربعين يوما في غير بلده مترددا أو عازما على السفر، لتصريحهم بكون


[ 396 ]

ما بعد الثلاثين المذكورة في حكم اقامة العشرة المنوية في وجوب الاتمام وانقطاع السفر، وعلى هذا فإذا بطل اتمام كثير السفر بها يتوجه القول بلزوم البطلان بهذا أيضا، حتى ان بعضهم قال بكون محض مضى الثلاثين مترددا كذلك بناء على كون نفس هذا المضى بمنزلة نية اقامة العشرة. إلا ان الظاهر من الرواية إنما هو الاول. ثم ان الشيخ واتباعه صرحوا ايضا بانه لو أقام خمسه في بلده قصر نهارا صلاته دون صومه وأتم ليلا. وتوقف في هذا الحكم من أصله جملة من أفاضل متأخرى المتأخرين: أولهم في ما أعلم السيد السند في المدارك وتبعه الفاضل الخراساني والمحدث الكاشانى. واستند الاصحاب في ما ذكروه من أصل الحكم وهو انقطاع اتمام كثير السفر باقامة عشرة في بلده بما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " المكارى ان لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم بالليل وعليه صوم شهر رمضان، وان كان له مقام في البلد الذى يذهب إليه عشرة أيام واكثر قصر في سفره وافطر ". وأنت خبير بان هذه الرواية مع ضعف سندها - المانع من قيامها بمعارضة الاخبار المتكاثرة الصحيحة الصريحة في وجوب الاتمام، واشتمالها على ما لا يقول به أحد من الاصحاب من وجوب التقصير باقامة أقل من خمسة الصادق على اليوم أو اليومين - فهى غير دالة على ما يدعونه (أما اولا) - فلان موردها المكارى ولهذا احتمل المحقق في المعتبر اختصاص الحكم بالمكارى، ونقله في الشرائع قولا وهو مجهول القائل، وقال بعض شراح النافع اعتذارا عن ما ذكره في الشرائع حيث لم ينقله غيره: ولعل المصنف سمعه من معاصر له في غير كتاب مصنف.


(1) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر


[ 397 ]

و (أما ثانيا) - فانها انما تضمنت اقامة العشرة في البلد الذى يذهب إليه والمدعى اقامة العشرة في بلده. و (أما ثالثا) - فان ظاهر الخبر المذكور انه إذا كان له ارادة الاقامة في البلد الذى يذهب إليه قصر في سفره إليه، واللازم من ذلك التقصير قبل الاقامة بل بمجرد العزم عليها، وجميع ذلك خارج عن ما يقولون به. والصدوق في الفقيه (1) روى هذه الرواية في الصحيح بنحو آخر قال: " المكارى إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم صلاة الليل وعليه صوم شهر رمضان، فان كان له مقام في البلد الذى يذهب إليه عشرة أيام أو اكثر وينصرف الى منزله ويكون له مقام عشرة أيام أو اكثر قصر في سفره وافطر ". ومقتضى هذه الرواية زيادة على ما تقدم اعتبار اقامة العشرة في منزله مضافة الى العشرة التى في بلد الاقامة. وظاهر الخبر ترتب القصر على الاقامتين ولا قائل به بل هو أشد اشكالا. ومن ما ورد في المسألة ايضا رواية يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن حد المكارى الذى يصوم ويتم قال ايما مكار أقام في منزله أو في البلد الذى يدخله أقل من عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام ابدا وان كان مقامه في منزله أو في البلد الذى يدخله اكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والافطار ". وهذه الرواية مع ضعف سندها وان كانت عارية عن الاشكالات المتقدمة إلا انها تضمنت الرجوع الى التقصير بالاقامة في غير بلده ايضا، وقد عرفت من كلامهم - كما هو المشهور بين المتقدمين - التخصيص ببلده. وبالجملة فان الاخبار الصحاح قد استفاضت بوجوب الاتمام على المكارى


(1) و (2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر


[ 398 ]

ونحوه من تلك الافراد المعدودة في الاخبار، ومقتضاها ثبوت الحكم واستمراره ما دام الاسم باقيا والعادة جارية، والخروج عنها بهذين الخبرين مع ما عرفت من الاشكالات المتقدمة فيهما مشكل، وبمجرد دعوى اتفاق الاصحاب مع خلوه من الدليل اشكل. نعم لو كان هذان الخبران موافقين لكلام الاصحاب ومعتضدين باتفاقهم ومجتمعين على أمر واحد لقوى الاعتماد عليهما في تخصيص تلك الاخبار المشار إليها إلا ان الامر كما عرفت ليس كذلك. وأما ما ذكره في الذخيرة - من ان العمل بصحيحة ابن سنان على رواية الصدوق غير بعيد، قال: واستوجه ذلك بعض أفاضل المتأخرين ولم يعتبر مخالفة المشهور وقال ان اعتبار مثل هذه الشهرة لا وجه له. انتهى - فظني بعده ولكن قاعدة اصحاب هذا الاصطلاح المحدث هو التهافت على صحة السند وان كان متن الرواية مخالفا لمقتضى القواعد الشرعية والاصول المرعية وهو لا يخلو من المجازفة، وكيف يمكن العمل بالخبر المذكور وقد تضمن زيادة على ما قدمناه انه متى أقام خمسة أو أقل قصر في سفره بالنهار وصام شهر رمضان مع ان مقتضى الاخبار المعتمدة ان التقصير ملازم للافطار متى قصر أفطر ومتى افطر قصر (1) واشكل من ذلك لزوم هذا الحكم في من أقام اقل من خمسة كما هو صريح الرواية الصادق على اقامة يوم وانه يقصر في سفره ويصوم، وهل يلتزم عارف بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية ذلك ؟ فكيف يمكن العمل بالخبر بمجرد صحة سنده مع اشتماله على هذه الاحكام الخارجة عن مقتضى الاصول والقواعد. وأما ما ذكره الفاضل المتقدم - من ان ايراد الصدوق لها في كتابه مع قرب العهد بما قرره في أوله يقتضى عمله بها وكونها من الاخبار المعمول عليها بين القدماء - فهو مجرد تطويل لا يرجع الى طائل، فان من تتبع اخبار الفقيه حق التتبع ورأى ما فيه من الاخبار الشاذة النادرة المخالفة لما عليه الاصحاب قديما وحديثا لا يخفى عليه ضعف قوله: ان مجرد نقل الخبر في الكتاب المذكور يقتضى كونه


(1) ص 387


[ 399 ]

معمولا عليه بين القدماء. نعم ربما يمكن التمسك برواية يونس لسلامتها من هذه الاشكالات إلا ان تخصيص تلك الاخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة والخروج عن مقتضاها بهذه الرواية الضعيفة مشكل. ومن ما يؤيد الاشكال ايضا عدم دلالة شئ من الروايات المذكورة على تعيين وقت الرجوع الى التمام بعد التقصير بالاقامة، واختلاف الاصحاب في كونه بعد الثانية أو الثالثة. ومن ما ذكرنا يظهر لك انه لا دليل على ما ذهب إليه الشهيد في الدروس ومن تبعه من إلحاق العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين يوما، فانه لا اشارة إليها في ما ذكرنا من نصوص المسألة فضلا عن التصريح بها.

الثالث - ما تقدم نقله عن الشيخ واتباعه - من أن من أقام في بلده خمسة أيام قصر نهارا صلاته دون صومه واتم ليلا - فقد استندوا فيه الى ما تقدم من رواية عبد الله بن سنان، والمشهور بين الاصحاب سيما المتأخرين وجوب لاتمام في الصورة المذكورة، وصرح به ابن ادريس ومن تأخر عنه تمسكا باطلاق الروايات المتضمنة لان كثير السفر يجب عليه الاتمام، قالوا خرج عنه من أقام عشرة بالنص والاجماع فبقى الباقي. وفيه ان هذا الكلام يرجع في الحقيقة الى الاعتماد هنا على دعوى الاجماع خاصة وانه هو السبب في الاستثناء، لان النص الذى ادعوه ليس إلا هذه الرواية فان صلحت للاستثناء ففى الموضعين وإلا فلا فيهما، فلا وجه للاستناد إليها في أحدهما دون الآخر. وكيف كان فقد عرفت معارضة هذه الرواية في هذا الحكم بالاخبار الصحيحة الصريحة في ملازمة التقصير للافطار (1) مضافا الى ما اشتملت عليه من التقصير في أقل من الخمسة ايضا، وبه يظهر ضعف القول المذكور. وكيف كان فملخص الكلام في المسألة ان ما عدا المكارى يجب عليه البقاء على


(1) ص 387


[ 400 ]

التمام كما اقتضته الروايات المستفيضة المتقدمة، ولا معارض لها إذ مورد هذه الاخبار إنما هو المكارى، واما المكارى الذى هو محل الاشكال واختلاف الروايات في هذا المجال فان الواجب عليه الاحتياط بعد اقامة العشرة في منزله أو بلد الاقامة بالجمع بين القصر والاتمام الى ثلاث سفرات. والله العالم.

الرابع - انه بعد وصول القلم في الجرى في هذا الميدان الى هذا المكان وقفت على كلام لبعض مشايخنا الاعيان يتضمن الانتصار للقول المشهور بين الاصحاب في شرح له على المفاتيح قد ارتكب فيه من التكلفات البعيدة والتعسفات الغير السديدة ما لا يخفى على الناظر الماهر والخبير الباهر، ولا بأس بايراد ملخص كلامه وما اشتمل عليه من نقضه وإبرامه ليظهر لك صحة ما ذكرناه وقوة ما ادعيناه: قال (قدس سره) - بعد ذكر كلام المصنف والبحث في المسألة على ما ذكره المصنف - ما ملخصه: إذا تبين هذا فاعلم ان اكثر كلام المصنف ههنا مبنى على متابعة صاحب المدارك، فانه ذكر ما ذكر ههنا واستشكل في المسألة وصار هذا سبب توقف غير واحد ممن تأخر عنه مع نقلهم جميعا كون المسألة مقطوعا بها عند الاصحاب، والحق بحسب نظرى القاصر ان هؤلاء لم يتفطنوا لما فهمه الاصحاب وان ما فهمه الاصحاب هو الصواب، فاستمع لما نتلو عليك ثم تدبر: اعلم ان الصدوق في الفقيه روى بسند صحيح.. ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدم نقلها عن الفقيه (1) ثم قال: ورواه الشيخ مرة من كتاب سعد بن عبد الله عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام مثله إلا انه أسقط قوله: " وينصرف الى منزله ويكون له مقام عشرة أيام أو اكثر " ومرة اخرى من كتاب محمد بن احمد بن يحيى بالسند بعينه لكن برواية يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام (2) هكذا.. ثم ساق مرسلة يونس كما قدمناه (3) ثم قال: ولا يخفى ان بعد ملاحظة هذه الثلاثة سندا ومتنا لا يبقى شك في انها مضمون حديث واحد وقع فيه بعض اختلاف في العبارة كما


(1) و (3) ص 397 (2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر


[ 401 ]

هو دأب الرواة في نقل الروايات، ومروى بسندين أحدهما ما لا كلام في صحته وهو ما في الفقيه. ثم أطال في الاعتذار عن ضعف طريق رواية الشيخ عن عبد الله بن سنان وضعف مرسلة يونس، الى أن قال: فظهر ان تضعيف السند في غاية الضعف، ثم انه ظاهر أيضا ان اختلاف بعض العبارات بل عدم استقامة مضمون بعضها ظاهرا غير موجب للطرح رأسا، بل مهما أمكن التوجيه لابد منه وإلا يؤخذ بما هو المشترك بين الجميع والمضبوط المتضح، ولا يخفى ان مضمون الاخير لا عيب فيه ولا شبهة تعتريه سوى عدم التصريح بلزوم كون اقامة العشرة في غير منزله مع النية وظاهر ان مبنى هذا على اشتهاره وظهوره، نعم لما كان الواجب تحقق الاقامة عشرا بالتمام كما هو المشهور عبر هنا بالعبارة التى تدل عليه كما هو ظاهر. ثم ان الحق ان هذا المضمون هو المشترك بين الجميع ايضا، إلا ان الظاهر من عبارة الفقيه ان الواو في قوله: " وينصرف " بمعنى " أو " بل لابد أن تحمل كذلك، أو نقول بسقوط الالف من قلم النساخ والمراد " أو ينصرف " حتى يستقيم المعنى ويوافق كل مع الآخر، وأما اسقاط قوله: " وينصرف " في الوسطانى فربما يكون ممن لم يتفطن لحقيقة الحال فظن انه زائد، مع انه على تقدير فرض عدم كونه من أصل الحديث غير مضر ضرورة امكان استنباط ما هو مضمونه من قوله عليه السلام: " وان كان له مقام.. الى آخره " بل من حكم الخمسة ايضا فافهم. واما الاشكال بما اشتمل عليه الاولان من حكم الخمسة فمع عدم وجوده في الاخير وعدم تنافى تركه العمل بما سواه يمكن توجيهه بان المراد بالتقصير في النهار ترك النوافل أي إذا لم يقم العشرة تماما فمن حيث نفيه من وجوب الاتمام عليه ليس يلزم عليه نوافل النهار بل يكتفى حينئذ بنوافل الليل كما يشعر به التعبير في الفقيه بلفظ صلاة الليل، فلا ينافى الحكم باتمام الفريضة كما يؤيده الامر بالصوم ايضا وما في ابتداء الخبر الاخير، ويحتمل حمل الخمسة على التقية ايضا (1) على انه قد مر انه عمل به بعض الاصحاب ايضا، وبالجملة بعد تبيان ما ذكرناه من حال السند أي مانع من


(1) التعليقة 1 ص 351


[ 402 ]

العمل بمضمون الخبر الاخير لا سيما مع اعتضاده بعمل الاصحاب لما مر من كون الحكم مقطوعا به عندهم، بل مع وجود شواهد متينة ومؤيدات قوية كصحيحة هشام التى مرت في الشرط الرابع من مفتاح شروط القصر (1) وكرواية السندي (2) التى مثلها وحديث اسحاق بن عمار (3) وغيرهما من ما فيه الاشعار ولو على سبيل الاجمال بان المقام للمكارى يقطع حكم الاقامة وان الاتمام على هؤلاء ليس على سبيل الاطلاق، فقد ظهر من هذا كله سقوط ما مر من دعوى المصنف متروكية مضمون صحيحة الفقيه ومن ادعائه معارضة الصحاح الواردة في اتمام المكارى من حيث كونها دالة على الاتمام على سبيل الاطلاق من غير ذكر ما يدل على الاشتراط المذكور، مع عدم قابلية مستند الاشتراط للمعارضة بزعمه ووجه السقوط واضح من ما بيناه. انتهى كلامه (زيد مقامه). وفيه اولا - ان ما ادعاه - من كون رواية يونس مع روايتي الصدوق والشيخ رواية واحدة وحديثا واحدا وقع فيه بعض اختلاف في العبارة - بعيد غاية البعد كما لا يخفى على الناقد البصير ولا ينبئك مثل خبير، إذ لا يخفى المغايرة سندا ومتنا وبه يثبت التغاير بين الاخبار المذكورة والتعدد وان حصل الاشتراك في مادة من حيث المعنى، والموجب للاتحاد هو الاتفاق سندا ومتنا في اللفظ كما لا يخفى، وغرضه من هذه الدعوى سريان الصحة الى ما تضمنته رواية يونس من حيث صحة سند رواية الفقيه كما يشير إليه قوله اخيرا " وبالجملة بعد تبيان ما ذكرناه من حال السند أي مانع من العمل بمضنون الخبر الاخير " وأشار بالخبر الاخير الى رواية يونس وببيان حال السند الى ما قدمه من صحة سند رواية الفقيه، وهو من التعسف والتكلف بمكان غير خفى على المتأمل. وثانيا - ان ما ذكره - من حمل الواو في صحيحة الفقيه في قوله " وينصرف " على انها بمعنى " أو " أو سقوط الالف من قلم النساخ - وان سقط به مع بعده وتكلفه


(1) و (3) ص 290 و 291 (2) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر


[ 403 ]

الاشكال الناشئ من ترتب القصر على الاقامتين كما تقدم إلا ان الاشكال الثالث من الاشكالات الموردة على رواية الشيخ باق بحاله، فان ظاهر العبارة المذكورة ومقتضاها هو ترتب القصر على ارادة المقام في البلد الذى يذهب إليه أو ارادة الاقامة في منزله لا على حصول المقام وتمامه بالفعل والمراد بالاستدلال انما هو الثاني لا الاول، فما تدل عليه الرواية غير مراد بالاتفاق وما هو المراد لا دلالة لها عليه ولكن هذا من ما لم يتفطن (قدس سره) إليه. وثالثا - ان ما ذكره - في الاعتذار عن سقوط قوله " وينصرف.. الى آخره " الذى في صحيحة الفقيه من رواية الشيخ حيث انه موضع الاستدلال وبتركه حصل الاختلال - فهو ايضا من التكلفات البعيدة والتمحلات الشديدة، ولو قامت هذه التكلفات في الروايات انسدت ابواب الاستدلالات، إذ للخصم أن يقدر ما يريد وما يوافق غرضه ويدعى أمثال هذه الدعاوى في دليل خصمه فيقلب عليه دليله فيدعى نقصان ما يحتاج إليه وزيادة ما يضره ويرد عليه ونحو ذلك كما لا يخفى على المنصف، ومن ذلك ايضا قوله: " ضرورة امكان استنباط ما هو مضمونه من قوله وان كان له مقام.. الى آخره " مشيرا به كما ذكره في حاشية الكتاب الى ان قوله في الخبر " وان كان له مقام في البلد الذى يذهب إليه عشرة أيام " شامل باطلاقه للبلد الذى هو وطنه وغيره، فان فيه انه لا يخفى على العارف باساليب الكلام ان المتبادر من هذه العبارة والمنساق منها إنما هو بلد الاقامة الخارجة عن وطنه والعبارة المطابقة إذا اريد ذلك انما يقال " يرجع إليه " لا " يذهب " وهذا ظاهر لمن نظر بعين الانصاف وجانب التعصب والاعتساف. ورابعا - ان ما ذكره - من الجواب عن الاشكال بما اشتمل عليه الخبران من حكم الخمسة من توجيهه بان المراد بالتقصير في النهار يعنى ترك النوافل النهارية وان كان يتم الفريضة - فهو مثل تأويلاته المتقدمة التى قد عرفت بما ذكرنا انها متزعزعة منهدمة، ومن الذى يعجزه مثل هذه التأويلات الغثة الباردة والتمحلات


[ 404 ]

السخيفة الشاردة التى قد عرفت انه لو انفتح في امثالها الباب لا نسد باب الاستدلال وعلا الباطل الصواب. وبالجملة فان ما أطال به هذا الفاضل (قدس سره) حجة للقول المشهور ظاهر القصور واضح الفطور وان كان بزعمه انه كالنور على الطور في الظهور، نعم ربما لاح من صحيحة هشام المشار إليها في كلامه (1) وقوله عليه السلام فيها " المكارى والجمال الذى يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان " ما ذكره إلا انها ليست ظاهرة في ذلك بل ربما كان الظاهر منها انما هو بيان ان هؤلاء الذين عادتهم الاختلاف كلما عرض لهم من يكترى دوابهم ليس لهم تأخر عن ذلك ولا توقف عنه - كما يشير إليه قوله في رواية اسحاق بن عمار المتقدمة " كلما جاءهم شئ اختلفوا " - يجب عليهم اتمام الصلاة والصوم وان اقاموا عشرة أو ازيد مع عدم وجود من يكترى دوابهم. ولا يخفى على الناظر في ما هو العادة الجارية الآن ان المكارى كثيرا ما يتوقف في وطنه أو البلد الذى يذهب إليه عشرة، وبذلك صرح شيخنا المجلسي في البحار ايضا فقال: وقل مكار لا يقيم في بلده أو البلد الذى يذهب إليه عشرة أيام. انتهى. وهو جيد وبه يعظم الاشكال. وكيف كان فالاحتياط في امثال هذه المواضع طريق السلامة. والله العالم.

السابع - من الشروط المتقدمة ان يتوارى عن البيوت - بمعنى انه لا يراه أحد ممن كان عند البيوت التى هي آخر خطة البلد - أو يخفى عليه اذان البلد، والمراد كفاية أحدهما في ترخص القصر والانتقال من الاتمام الى التقصير. والاصل في هذين الشرطين ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل يريد السفر متى يقصر ؟ قال إذا توارى من البيوت ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام (3) قال: " سألته


(1) ص 390 (2) و (3) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر


[ 405 ]

عن التقصير قال إذا كنت في الموضع الذى تسمع فيه الاذان فاتم وإذا كنت في الموضع الذى لا تسمع فيه الاذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك ". وما رواه البرقى في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا سمع الاذان أتم المسافر ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (2) " وان كان اكثر من بريد فالتقصير واجب إذا غاب عنك اذان مصرك، وان كنت في شهر رمضان فخرجت من منزلك قبل طلوع الفجر الى السفر افطرت إذا غاب عنك اذان مصرك ". وقد تقدم (3) في رواية اسحاق بن عمار المنقولة من كتاب العلل في المقام الثاني في بيان ما هو المختار من الاقوال في مسافة الاربعة الفراسخ قوله فيها " أليس قد بلغوا الموضع الذى لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذى خرجوا منه.. الى آخره " من ما يؤذن بكون خفاء الاذان موجبا للترخص. وما ذكرناه من التخيير في الترخص بين الامرين المذكورين هو أحد الاقوال في المسألة جمعا بين اخبارها المذكورة، وهو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) سيما المتقدمين إلا انهم عبروا هنا بخفاء جدران البلد بمعنى انه لا يجب عليه التقصير حتى يتوارى عنه جدران البلد الذى خرج منه أو يخفى عليه اذانها. وقيل بخفائهما معا ونقل عن المرتضى والشيخ في الخلاف ونسبه شيخنا الشهيد الثاني الى المشهور بين المتأخرين. وقال على بن بابويه: إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود إليه. واعتبر الشيخ المفيد وسلار الاذان خاصة. وقال ابن ادريس الاعتماد عندي على الاذان المتوسط دون الجدران. وعن الصدوق في المقنع انه اعتبر خفاء الحيطان. اقول: لا يخفى ان الظاهر من صحيحة محمد بن مسلم المذكورة وقوله فيها: " إذا توارى من البيوت " انما هو بمعنى إذا بعد المسافر بالضرب في الارض على وجه


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر. (2) ص 16 (3) ص 326


[ 406 ]

لا يراه أهل البيوت، والمراد بالتواري عن البيوت أي من أهل البيوت بتقدير مضاف كما في قوله عزوجل " واسأل القرية.. " (1) أي أهل القرية. هذا هو ظاهر اللفظ بغير اشكال وبه يقرب مقتضى هذا الخبر ونحوه من خبر خفاء الاذان فان توارى المسافر عن أهل البلد وخفاء الاذان متقاربان ولا يضر التفاوت اليسر، فان مدار أمثال هذه الامور في الشرع على التقريب كما هو كذلك عرفا وتبادرا. وأما ما ذكره الاصحاب - من حمل الخبر على خفاء البيوت عن المسافر حملا لقوله " إذا توارى من البيوت " على معنى توارى البيوت عنه - فمع كونه خلاف ظاهر اللفظ المذكور لا يخفى ما فيه من التفاوت الفاحش بين العلامتين المذكورتين، فانه بعد أن يخفى عليه سماع الاذان لا يخفى عليه جدران البلد إلا بعد مسافة زائدة كما هو ظاهر لمن تأمل. والسبب في اختلاف الاقوال هنا هو اختلاف الافهام في الجمع بين اخبار المسألة، فبعضهم جمع بالتخيير كما ذكرناه إلا انه بناء على القول المشهور لا يخلو من اشكال كما عرفت، وبعض كالمرتضى والشيخ في الخلاف ومن تبعهما جمعوا بين الخبرين بتقييد كل منهما بالآخر، فيلزم ارتكاب التخصيص في كل منهما، وهو بعيد جدا بقرينة الاكتفاء باحدهما في كل من الخبرين فهو في قوة تأخير البيان عن وقت الحاجة. وأما من ذهب الى الاعتماد على الاذان المتوسط دون التوارى فلعله لتعدد رواياته وكونه أضبط لاعتباره الاذان المتوسط مع اختلاف البيوت والجدران في سرعة الخفاء وعدمها بحيث يرى بعضها من أزيد من فرسخ، وللتفاوت الفاحش بين خفاء الاذان والجدران كما أشرنا إليه آنفا. والحق هو ما ذكرناه من التخيير بناء على المعنى الذى فهمناه من الخبر. وأما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه فقيل ان وجهه الاعتماد على ما رواه


(1) سورة يوسف الآية 82


[ 407 ]

ابنه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) حيث قال: وقد روى عن الصادق عليه السلام انه قال: " إذا خرجت من منزلك فقصر الى ان تعود إليه " قال في الذخيرة: ولو صحت كان الجمع بالتخيير قبل الوصول الى حد الخفاء متجها لكن صحتها غير معلوم. انتهى. اقول: ومثل هذه الرواية ما رواه الشيخ في الموثق عن على بن يقطين عن ابى الحسن عليه السلام (2) " في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله ؟ قال إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله.. الخبر ". ويمكن أن يكون مثلهما ايضا ما رواه في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في الرجل يخرج مسافرا ؟ قال يقصر إذا خرج من البيوت " بحمل البيوت على بيت المسافر، مع امكان حملها على بيوت البلد، والمراد من الخروج منها التوارى المعتبر في الترخص جمعا بينها وبين روايات المسألة ولعله الاقرب. هذا. ولا يخفى عليك ان ما صرح به الشيخ المشار إليه هنا عين ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي حيث قال عليه السلام (4): " وان خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود إليه " ومنه يعلم ان مستنده إنما هو الكتاب المذكور على الطريقة التى عرفتها في غير مقام من ما تقدم وسيأتى ان شاء الله تعالى. وبذلك يظهر لك قوة ما ذهب إليه الشيخ المذكور لدلالة هذه الروايات المذكورة عليه، ولا وجه للجمع بينهما وبين ما دل من الاخبار المتقدمة على اناطة التقصير بمحل الترخص إلا ما ذكره في الذخيرة من التخيير قبل وصول حد الخفاء إلا انه يخدشه لفظ الضرب في آية السفر لترتب التقصير فيها على الضرب في


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر. (2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم (3) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر (4) ص 16


[ 408 ]

الارض الذى هو عبارة عن السير فيها، وحينئذ فيكون ما دلت عليه هذه الاخبار مخالفا لظاهر الآية، واخبار الترخص بوصول حد الخفاء منطبقة عليها وموافقة لها فترجح بذلك على هذه الاخبار، ولا يبعد حمل هذه الاخبار على التقية كما احتمله بعض أصحابنا ايضا ولعله الارجح وان لم يعلم القائل منهم بذلك (1) كيف كان فالقول المعتمد في المسألة ما قدمنا ذكره أولا. والله العالم. تنبيهات الاول - قال في المدارك: وذكر الشارح ان المعتبر في رؤية الجدار صورته لا شبحه ومقتضى الرواية اعتبار التوارى من البيوت، والظاهر ان معناه وجود الحائل بينه وبينها وان كان قليلا وانه لا يضر رؤيتها بعد ذلك لصدق التوارى أولا وذكر الشهيدان ان البلد لو كانت في علو مفرط أو وهدة اعتبر فيها الاستواء تقديرا ويحتمل قويا الاكتفاء بالتواري في المنخفض كيف كان لاطلاق الخبر. انتهى. هكذا في بعض نسخ الكتاب وفى بعضها: ومقتضى الرواية التوارى من البيوت والظاهر ان معناه استتاره عنها بحيث لا يرى لمن كان في البلد وذكر الشهيدان.. الى آخر ما تقدم. والظاهر ان النسخة الاولى هي القديمة التى خرجت عنه أولا والثانية تضمنت العدول عن ما ذكره أولا، وقد وقع له مثل ذلك في مواضع من شرحه هذا كما في مسألة القراءة في صلاة الجمعة، إلا ان قوله بعد ذكر ما نقله عن الشهيدين في العلو


(1) في المغنى ج 2 ص 259 عن سليمان بن موسى وعطاء انهما اباحا القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحارث بن ابى ربيعة انه أراد سفرا فصلى في منزله ركعتين وفيهم الاسود بن يزيد وغير واحد من اصحاب عبد الله، روى عبيد بن جبير قال: كنت مع ابى بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز حتى دعا بالسفرة ثم قال اقترب. قلت ألست ترى البيوت ؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله " ص " فاكل رواه أبو داود.


[ 409 ]

المفرط والوهدة: " ويحتمل قويا الاكتفاء بالتواري في المنخفض " انما ينطبق على النسخة الاولى التى عدل عنها وهو قد أصلح هذا الموضع وغفل عن ذلك، وبيان ذلك ان الظاهر ان ما اشتملت عليه هذه النسخة الاخيرة يرجع الى ما اخترناه في معنى الرواية وان المراد منها خفاء المسافر عن أهل البلد لا خفاء البلد عن المسافر، وحينئذ فقوله بعد نقله عن الشهيدين اعتبار الاستواء في البلد بان لا تكون في علو مفرط ولا وهدة: " ويحتمل قويا.. الى آخره " إنما يتجه على النسخة القديمة، اللهم إلا أن يريد بعبارته الاخيرة وقوله: " استتاره عنها بحيث لا يرى لمن كان في البلد " هو الاستتار كيف اتفق ولو بوجود الحائل، إلا انه لا يظهر حينئذ لهذا العدول عن العبارة الاولى الى هذه العبارة وجه لرجوع هذه العبارة بهذا المعنى الى العبارة الاولى كما لا يخفى. وكيف كان فانه ينبغى أن يعلم ان المراد من قوله عليه السلام: " إذا توارى " إنما هو التوارى والخفاء بالضرب في الارض والسير فيها والبعد عن البلد كما دلت عليه الآية الشريفة لا التوارى كيف اتفق كما توهمه، فان قوله عزوجل " وإذا ضربتم في الارض " الذى هو شرط التقصير إنما يتحقق بالسير فيها والبعد عن البلد، وهى وان كانت مجملة في قدر البعد إلا ان النصوص الواردة في تحديد محل الترخص قد أوضحت اجمال الآية وان المراد الضرب الى هذا المقدار الذى دلت عليه النصوص المشار إليها، وهذا هو المعنى الذى فهمه الاصحاب (رضوان الله عليهم) من الخبر المذكور، ولم يذهب الى هذا الوهم الذى توهمه أحد سواه (قدس سره) ومن الظاهر انهم (عليهم السلام) أرادوا بهذه الاخبار وضع قاعدة كلية وبيان ضابطة جليلة يترتب عليها حكم التقصير والتمام ذهابا وهو إما خفاء المسافر عن أهل البلد أو خفاء الاذان عليه، وأما وجود الحائل الذى قد يكون وقد لا يكون وقد يبعد وقد يقرب مع عدم الدليل عليه فلا يصلح لان يكون ضابطا كليا ولا قانونا جليلا. وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من مجازفة أو غفلة. والله العالم.


[ 410 ]

الثاني - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا عبرة باعلام البلد كالمنارة والقلاع والقباب، قالوا: ولا عبرة بسماع الاذان المفرط في العلو كما انه لا عبرة بخفاء الاذان المفرط في الانخفاض. اقول: والجميع من ما لا بأس به حملا للروايات المتقدمة على ما هو الغالب المعروف. ثم انهم صرحوا ايضا بان ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من خفاء البيوت وخفاء الاذان المراد به بيوت البلد واذانه بالنسبة الى القرية والبلد الصغيرة أو المتوسطة، وأما لو كان البلد كبيرة متسعة - قالوا وهى التى اتسعت خطتها بحيث تخرج عن العادة - فانهم جعلوا لكل محلة منها حكم نفسها بالنسبة الى تقدير مسافة الترخص التى هي عبارة عن خفاء الاذان والجدران عند السفر منها، فقالوا ان الاعتبار في خفاء الاذان والجدران الموجب للتقصير مبدأه من آخره خطة البلد إلا ان تكون متسعة على الوجه المذكور فالمعتبر جدران آخر المحلة، وكذا أذان مسجد المحلة. ولم نظفر لهم في هذا الفرق والتفصيل ولا في اعتبار المحلة وبدليل يعتمد عليه ولم يصرح أحد منهم بالدليل على ذلك وكأنه أمر مسلم بينهم، بل ربما دلت ظواهر الاخبار المتقدمة على رده نظرا الى اطلاقها أو عمومها. ويعضد ذلك ايضا موثقة غياث بن ابراهيم عن الصادق عن ابيه الباقر (عليهما السلام) (1) " انه كان يقصر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أول صلاة تحضره " والتقريب فيها انه لا ريب ان الكوفة كانت من البلدان العظام المتسعة والخبر دل على انه إنما يقصر الصلاة بعد الخروج منها، والخروج منها وان كان بحسب ما يتراءى في بادئ النظر مجملا إلا انك بمعونة ما عرفت سابقا من أن حدود البلد عبارة عن ما ينتهى الى محل الترخص فالمراد بالخروج منها حينئذ هو الوصول الى ذلك المكان، ولو كان الحكم كما ذكروه من الاعتبار بالمحلة في البلد المتسعة والحال ان هذه البلد كذلك


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.


[ 411 ]

لما أخر التقصير الى الخروج منها ولما علق الحكم بها بل ينبغى ان يعلقه بالمحلة. وروى البرقى في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " المسافر يقصر حتى يدخل المصر ". والتقريب فيه كما تقدم من أن المراد بدخول المصر الوصول الى أول حدوده وهو تجاوز محل الترخص داخلا، فانه لما كانت حدود البلد منتهية الى المكان المشار إليه فبدخولها يصدق دخول المصر كما هو ظاهر، ومن الظاهر ان لفظ المصر انما يطلق على البلدان المتسعة دون القرى والبلدان الصغار، ولذا قالوا للكوفة والبصرة المصرين كما وقع في الاخبار وكلام أهل اللغة، وكثيرا ما تراهم في كلامهم سيما في باب صلاة الجمعة يقابلون بين الامصار والقرى، ولو كان الامر كما يدعونه من الاعتبار بالمحلة في البلد المتسعة لم يجعل هنا غاية التقصير ما ذكرناه بل غايته باعتبار المحلة وسماع اذانها أو رؤية جدارنها. على ان اللازم من ما ذكروه هنا انه لو عزم على الاقامة في البلد المتسعة فالواجب مراعاة المحلة، بمعنى ان ما صرحوا به في حكم من أقام عشرة في بلد خاصة - من انه لا يجوز له تجاوز محل الترخص منها وانه متى نوى ذلك في أصل نية الاقامة بطلت نيته - يجرى في المحلة، فعلى هذا لا يجوز له الخروج الى سائر المحاليل الخارجة عن هذا المقدار بالنسبة الى محلته، وهو مع كونه لم صرحوا به في تلك المسألة موجب للحرج في منع المسافر المقيم من التردد في البلد لقضاء حوائجه ومطالبه كما هو الغالب الذى عليه كافة الناس، مع انه لم يظهر له أثر ولا خبر في الاخبار سيما مع عموم البلوى به مضافا الى اصالة براءة الذمة منه. وبالجملة فان ما صرحوا به هنا من هذا التفصيل لا يخلو من الاشكال كما عرفت. والله العالم.

الثالث - قد عرفت الكلام في حد الترخص حال الذهاب وما فيه من الخلاف


(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر


[ 412 ]

بين الاصحاب وما هو المختار في الباب، وقد اختلفوا ايضا في حكم الاياب فظاهر القولين المشهورين المتقدمين - من اعتبار التخيير بين خفاء الاذان وخفاء الجدران كما هو المشهور بين المتقدمين أو اعتبارهما معا كما هو المشهور بين المتأخرين - هو كون ذلك في الذهاب والاياب، إلا ان المرتضى الذى هو أحد القائلين بالقول المشهور بين المتأخرين ذهب هنا الى ما ذهب إليه الشيخ على بن بابويه وابن الجنيد من القول بالتقصير الى المنزل، وقد عرفت الاختلاف في الذهاب بين مذهب المرتضى والشيخ المذكور. وذهب المحقق في الشرائع الى موافقة المتقدمين في الذهاب وهو الاكتفاء باحد الامرين وخالفهم في الاياب فذهب الى وجوب التقصير حتى يسمع الاذان واختاره في المدارك عملا بصحيحة ابن سنان (1). قال في المدارك بعد نقل عبارة المحقق في ذلك: ما اختاره المصنف (قدس سره) في حكم العود أظهر الاقوال في المسألة لقوله عليه السلام في رواية ابن سنان المتقدمة (2) " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " وانما لم يكتف المصنف هنا باحد الامرين كما اعتبره في الذهاب لانتفاء الدليل هنا على اعتبار رؤية الجدران. والاظهر عندي بالنسبة الى الذهاب ما تقدم من التخيير عملا بالروايتين المتقدمتين وجمعا بينهما بذلك، وأما في الاياب فهو ما ذهب إليه الشيخ على بن بابويه ومن تبعه. لنا على الاول ما عرفت وعلى الثاني الاخبار المتكاثرة التى قدمناها في التنبيه الذى في آخر المقام الثاني من مقامات الشرط الرابع (3) فانها صحيحة متكاثرة متعاضدة الدلالة على ما قلناه. والاصحاب (رضوان الله عليهم) لم يذكروا ما قدمنا ذكره كملا وإنما أوردوا بعض ذلك وأجابوا عن ما نقلوه منها.


(1) و (2) ص 404 و 405 (3) ص 376


[ 413 ]

فمن ذلك ما أجاب به في الروض حيث قال بعد تصريحه باختيار ما ذهب إليه المصنف من اعتبار هما معا ذهابا وإيابا كما قدمنا نقله عنهم: وخالف هنا جماعة حيث جعلوا نهاية التقصير دخول المنزل استنادا الى اخبار تدل على استمرار التقصير الى دخول المنزل، ولا صراحة فيها بالمدعى فان ما دون الخفاء في حكم المنزل. انتهى. وهو راجع الى ما أجاب به العلامة في المختلف ايضا حيث قال بعد أن أورد صحيحة العيص وموثقة اسحاق بن عمار: المراد بهما الوصول الى موضع يسمع الاذان ويرى الجدران فان من وصل الى هذا الموضع يخرج عن حكم المسافر فيكون بمنزلة من يصل الى منزله. انتهى. وفيه ان جملة من اخبار المسألة التى قدمناها قد صرحت بوجوب التقصير بعد دخول البلد وقصرت الاتمام على المنزل: مثل قوله عليه السلام في موثقة اسحاق بن عمار (1) التى ذكرها " الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله ؟ قال بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله ". وفى صحيحة معاوية بن عمار (2) قال عليه السلام " ان أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم اتموا وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا " ونحوها صحيحة الحلبي (3). والجميع كما ترى صريح في وجوب التقصير في البلد ما لم يدخل منزله فكيف يتم ما ذكروه من التأويل المذكور. وصاحب المدارك ومثله الفاضل الخراساني التجأوا في الجمع بين هذه الاخبار وبين عجز صحيحة ابن سنان الى القول بالتخيير بمعنى انه بعد وصوله الى محل الترخص من سماع الاذان الذى هو مورد الرواية المذكورة فانه يتخير بين القصر


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر (3) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر


[ 414 ]

والاتمام الى أن يدخل منزله. وفيه ان ظواهر الاخبار المذكورة ظاهرة بل صريحة في وجوب التقصير ما لم يدخل منزله ولا سيما موثقة ابن بكير المتقدمة ثمة، والاظهر أن يقال ان غاية ما تدل عليه صحيحة ابن سنان المذكورة بمنطوقها هو وجوب التقصير في الرجوع الى أن يسمع الاذان، ومفهومه انه متى سمع الاذان أتم، والمعارضة انما حصلت بهذا المفهوم، ولا ريب في ضعف معارضة المفهوم للمنطوق سيما إذا تعدد هذا المنطوق في روايات عديدة صريحة صحيحة، فيمكن اطراحها والقول بان الغرض من الرواية انما تعلق بالمنطوق دون المفهوم وان المراد ان المسافر يقصر الى هذه الغاية وان قصر بعدها ايضا. هذا على تقدير رواية الصحيحة المذكورة بحذف صدرها كما تقدمت الاشارة إليه، وأما مع ثبوته فانها وان دلت على ما ذكروه لكن لا يبقى وثوق به بعد معارضة الصحاح المذكورة. وربما حمل عجزها المذكور على التقية لان مذهب اكثر العامة كما ذهب إليه جملة من اصحابنا هو أن المسافر لا يزال مقصرا الى أن يصل الى الموضع الذى ابتدأ فيه بالقصر فيتم بعده (1) إلا ان بعضهم ايضا احتمل حمل هذه الاخبار على التقية كما يظهر من صاحب الوسائل، والظاهر ان الامر بالعكس انسب لما ذكرناه. وكيف كان فالاظهر


(1) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 432 الى 435: عند الحنيفة إذا عاد المسافر الى المكان الذى خرج منه بعد قطع مسافة القصر فانه لا يتم إلا إذا عاد بها بالفعل فلا يبطل القصر بمجرد نية العود ولا بالشروع فيه. وعند المالكية إذا سافر من بلد قاصدا قطع مسافة القصر ثم رجع الى بلدته الاصلية فانه يتم بمجرد دخولها، وفى حال رجوعه وسيره ينظر فان كانت مسافة الرجوع مسافة قصر قصر وعند الشافعية إذا رجع الى وطنه بعد ان سافر منه انتهى سفره بمجرد وصوله إليه سواء رجع إليه لحاجة أو لا ويقصر في حال رجوعه حتى يصل. وعند الحنابلة إذا رجع الى وطنه الذى ابتدأ السفر منه أولا فان كانت المسافة بين وطنه وبين المحل الذى نوى الرجوع إليه قدر مسافة القصر قصر في حال رجوعه.


[ 415 ]

عندي من الاخبار هو ما عرفت. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد ظهر من ذكر هذه الشروط السبعة المذكورة هنا ضابطتان كليتان، وهو انه متى كملت هذه الشروط فلا يجوز الاتمام بحال إلا في مواضع قد دلت النصوص وكلام الاصحاب على استثنائها، ومنها - جاهل الحكم مع استكماله الشرائط الموجبة للقصر على الاشهر الاظهر، ومنها - الناسي وقد خرج الوقت. ومنها - من كان في أحد المواطن الاربعة. والضابطة الثانية ان كل من لم يستكمل هذه الشروط فالواجب عليه التمام إلا في مواضع مستثناة ايضا، ومنها - من قصر جهلا مع فقد الشرائط على الاظهر، ومنها - من جد به السير ومن أقام عشرة من المكارين، فان مقتضى القاعدة المذكورة وجوب الاتمام عليهم لاختلال بعض الشروط وهو عدم كون السفر عمله إلا ان النصوص وردت بالتقصير لهم. وجميع هذه المسائل قد مضى بعضها وسيأتى ان شاء الله تعالى تحقيق القول في ما لم يتقدم له ذكر. والله العالم بحقائق أحكامه.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>